صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصاد الشرق الأوسط بنمو 6.6% في 2027
الحرب تضغط على اقتصاد المنطقة وصندوق النقد يتوقع التعافي
- محمود الشاذلي
- 15 أكتوبر، 2026
- اقتصاد الرائد
- التجارة الدولية, تعافي اقتصاد الشرق الأوسط, صندوق النقد الدولي
توقع صندوق النقد الدولي تعافي اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان خلال عام 2027، بمعدل نمو يصل إلى 6.6%، بعد انكماش متوقع بنسبة 1.3% خلال العام الجاري، نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب في المنطقة واضطرابات إنتاج الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وتعكس هذه التوقعات تحولًا حادًا في الأداء الاقتصادي الإقليمي، بعدما سجلت اقتصادات المنطقة نموًا بنسبة 3.3% خلال عام 2025، قبل تعرضها لضغوط واسعة نتيجة الصراعات الجيوسياسية وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
وأكد جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، أن التعافي المتوقع خلال العام المقبل يرتبط بعودة إنتاج النفط والغاز وحركة التجارة إلى مستوياتها الطبيعية، إلى جانب قدرة الحكومات على احتواء الضغوط الاقتصادية والحفاظ على استقرار الأسواق.
تفاوت اقتصادي بين دول المنطقة
أوضح أزعور أن تداعيات الحرب لم تكن متساوية بين اقتصادات الشرق الأوسط، إذ تعرضت الدول المرتبطة بصورة مباشرة بإنتاج الطاقة وتصديرها لضغوط اقتصادية شديدة، بينما أظهرت اقتصادات أخرى قدرة نسبية على مواجهة الاضطرابات.
وأشار إلى أن الدول المصدرة للنفط والمتضررة من تعطل الإنتاج والتجارة مرشحة لتسجيل انكماش ملحوظ خلال 2026، رغم استفادتها جزئيًا من ارتفاع أسعار الخام عالميًا.
ومن المتوقع أن تشهد هذه الدول انتعاشًا قويًا خلال 2027 مع استعادة الإنتاج النفطي وتحسن حركة الشحن، لكن مستويات النشاط الاقتصادي قد تظل أقل من التقديرات السابقة لاندلاع الحرب.
وتكشف هذه التطورات أن ارتفاع أسعار النفط لا يضمن بالضرورة تحسن أداء الدول المنتجة، خصوصًا عندما تتزامن الزيادة السعرية مع انخفاض كميات الإنتاج وتعطل الصادرات.
اقتصادات الدول المستوردة للنفط تظهر مرونة
في المقابل، تمكنت مجموعة من الاقتصادات المستوردة للنفط من الحفاظ على قدر من الاستقرار خلال العام الجاري، مستفيدة من استمرار تدفقات تحويلات العاملين بالخارج، وعائدات السياحة، وبعض برامج الدعم الحكومي.
وساعدت هذه العوامل على تخفيف الآثار المباشرة لارتفاع تكاليف الطاقة والتجارة، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف الواردات ومستويات الأسعار المحلية.
وتوقع صندوق النقد تسجيل ارتفاع معتدل في التضخم لدى عدد من هذه الاقتصادات خلال 2026، قبل أن تبدأ الضغوط السعرية في التراجع تدريجيًا خلال الفترة التالية.
غير أن استمرار الحرب قد يحد من قدرة هذه الدول على المحافظة على استقرارها الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة والمواد الغذائية وتراجع الموارد المتاحة لمواجهة الصدمات.
اضطرابات الطاقة تهدد التعافي
حذر أزعور من أن استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة يمثل أحد أكبر التهديدات للتوقعات الاقتصادية، خصوصًا بعد تراجع المخزونات التي ساعدت على امتصاص الصدمة خلال المراحل الأولى من الحرب.
وأوضح أن الاقتصاد العالمي استطاع الحد من بعض التداعيات الأولية بفضل استخدام الفوائض المتراكمة قبل اندلاع النزاع، والاستعانة بمسارات نقل بديلة، وزيادة مساهمة بعض المنتجين من خارج الخليج، إلى جانب السحب من المخزونات النفطية.
لكن هذه الإجراءات لا تمثل حلولًا دائمة، في ظل انخفاض حجم المخزونات المتاحة وتراجع الطاقة الإنتاجية الفائضة، وهو ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لتقلبات حادة إذا تعرضت منشآت الطاقة أو طرق الشحن لاضطرابات جديدة.
وقد يؤدي استمرار هذه الظروف إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات في الأسواق المستوردة للطاقة.
استمرار الحرب يرفع المخاطر الاقتصادية
اعتبر صندوق النقد أن امتداد الحرب لفترة أطول يمثل الخطر الأبرز الذي يهدد مسار التعافي الاقتصادي خلال 2027.
وتشمل المخاطر المحتملة استمرار تعطل إنتاج الطاقة، واضطراب الممرات البحرية الحيوية، وتضرر المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية، إلى جانب تراجع ثقة المستثمرين في الأسواق المتأثرة بالصراع.
كما حذر أزعور من تأثير تشديد الأوضاع المالية العالمية على الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي، خصوصًا الدول التي تواجه التزامات مرتفعة لسداد ديونها السيادية.
وقد تؤدي زيادة تكلفة الاقتراض الربوي عالميًا إلى اتساع الضغوط على الموازنات العامة والعملات المحلية، فضلًا عن تراجع قدرة الحكومات على تمويل المشروعات التنموية والخدمات الأساسية.
وتبقى الاقتصادات منخفضة الدخل والأكثر هشاشة عرضة لهذه المخاطر، نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الغذاء والطاقة ومحدودية مواردها المالية، بالتزامن مع تراجع المساعدات التنموية الدولية.
صندوق النقد يدعو إلى ضبط الإنفاق
دعا أزعور الحكومات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وتعزيز الاستدامة المالية، مع تطوير السياسات الاقتصادية بما يتناسب مع طبيعة الصدمات التي تواجه كل دولة.
وشدد على أهمية رفع كفاءة الإنفاق العام، وتنمية الإيرادات المحلية، وإعادة بناء الاحتياطيات والموارد المالية اللازمة للتعامل مع الأزمات المستقبلية.
كما حذر من التوسع في برامج الدعم العامة التي تستنزف الموازنات دون ضمان وصول المنافع إلى الفئات الأكثر احتياجًا، داعيًا إلى اعتماد مساعدات نقدية مؤقتة وموجهة للأسر الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار.
وتأتي هذه التوصيات في وقت تواجه فيه حكومات المنطقة معادلة صعبة بين احتواء التضخم، والمحافظة على مستويات الخدمات العامة، وتوفير الموارد اللازمة لدعم النشاط الاقتصادي.
تنويع التجارة والذكاء الاصطناعي لدعم النمو
على المدى الطويل، أكد صندوق النقد ضرورة تعزيز قدرة الاقتصادات الإقليمية على مواجهة الأزمات الخارجية، من خلال تنويع الشراكات التجارية وتقليل الاعتماد على مسارات محدودة لنقل الطاقة والسلع.
كما دعا إلى تطوير المؤسسات الاقتصادية وتعميق التكامل الإقليمي، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في رفع الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية.
وأشار أزعور إلى أن الصندوق وافق منذ عام 2020 على تقديم تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، إلى جانب تنفيذ نحو 437 مشروعًا للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة خلال السنة المالية 2026.
ومن المقرر أن يصدر صندوق النقد الدولي تقريره الكامل عن آفاق الاقتصاد الإقليمي في 22 أكتوبر الجاري بمدينة دبي، متضمنًا تقييمًا أكثر تفصيلًا لمعدلات النمو والتضخم والتحديات الاقتصادية.
وتشير التوقعات الحالية إلى أن تعافي اقتصادات الشرق الأوسط خلال 2027 سيظل مرهونًا بدرجة كبيرة بتطورات الصراع، وقدرة الدول على استعادة أنشطة الإنتاج والتجارة، فضلًا عن نجاح السياسات المحلية في تخفيف الضغوط عن المواطنين وحماية النشاط الاقتصادي من صدمات جديدة.