شيطنة الإخوان: هندسة صهيونية-أمريكية لتفكيك الوطن

كمال الجندي

​تشخيص الأزمة الوطنية: الانقسام الداخلي وخطاب الكراهية المصنوع..

تُعد حالة الاستقطاب والقطبية الحادة التي شهدتها مصر والعديد من بلدان العالم العربي في السنوات الأخيرة واحدة من أخطر الأزمات السياسية والمجتمعية التي تهدد نسيج الوطن والتماسك القومي.

إن خطورة هذه الحالة لا تكمن في الخلاف السياسي الطبيعي؛ فالخلاف في الرأي والتنوع الفكري أصل أصيل في إدارة المجتمعات الحية، وإنما تكمن الأزمة في تحول الاختلاف السياسي إلى “خطاب كراهية وجودي” وشيطنة متبادلة، تُخرج الطرف الآخر من دائرة الوطنية وتضعه في خانة “العدو المطلق الذي يجب محوه”.

إن القراءة الفاحصة للتاريخ الوطني المصري تثبت أن أبناء التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، عبر عقود طويلة، لم يكونوا كائناً غريباً عن المجتمع، بل كانوا جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والوطني؛ هم مواطنون ومثقفون ومهندسون وأطباء وعمال، يشاركون أبناء وطنهم همومهم وآمالهم، ويتطلعون لنهضة بلادهم وفق تصوراتهم الخاصة.

وكأي تجربة سياسية أو فكرية، تضمن مسارهم اجتهادات يُمكن الاتفاق معها أو تقويمها بالبحث والنقد العلمي والحجة الفكرية.

إلا أن التحول الجذري من “مواجهة الفكر بالفكر” و”النقاش السياسي بالسياسي” إلى استحكام الكراهية ومحاولة النبذ الوجودي، هو الخلل الأكبر الذي استنزف الطاقات الوطنية، وحرم البلاد من فرص التوافق، وجعل السلطة السياسية في موقع القدرة المطلقة على الانفراد بالمشهد تحت شعار “فرق تسد”.

​الفكرة الشريرة: لماذا تُعد هذه الشيطنةصنيعةإسرائيلية-أمريكية بالأساس؟

تذهب هذه الدراسة إلى أن الوقود الأساسي الذي يُغذي خطابات الشيطنة والعداء المطلق لم يكن دائمًا نتاج بيئة محلية صرفة، أو بسبب أضرار ذاتية لحقت بالمواطنين من زملائهم في الوطن، بل هو في جوهره فكرة شريرة وإستراتيجية تصديرية هندسها العقل الإستراتيجي الغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة والمؤسسات الأمنية والصهيونية في إسرائيل. تستند المصلحة الإسرائيلية والأمريكية في الإبقاء على هذا الانقسام المتجذر إلى ثلاثة أبعاد إستراتيجية مركزية:

​أولاً: تحييد القوة الوطنية الشاملة عبر التفتيت الداخلي: يُدرك المخطط الإستراتيجي الصهيوني أن قوة الدول المركزية في المنطقة—وفي مقدمتها مصر—تكمن في استقرار نسيجها الاجتماعي والسياسي.
إن إشغال المجتمع بصراعات بينية صفريّة، وإقناع قطاع من المواطنين بأن أخاه في الوطن هو خطره الأكبر، يُبدد الطاقات الوطنية، ويحول دون بناء مشروع نهضوي جامع، مما يضمن بقاء الدولة في حالة استنزاف ودوران في حلقات مفرغة تمنعها من ممارسة دورها القومي والإقليمي في مواجهة الاحتلال.

​ثانياً: صياغة “العدو البديل” وتغيير ترتيب الأولويات: من أهم أدوات الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية نقل مركز الثقل في التهديد؛ فبدلاً من أن تظل إسرائيل وسياسات الاستيطان والاحتلال هي التهديد الوجودي والأول للجمهور العربي والمصري، يُعاد توجيه الخطاب الإعلامي والأمني لتصوير أبناء الوطن من التيار الإسلامي كأنهم “العدو الأول والداهم”. هذه الإزاحة الإستراتيجية تُفرغ الصراع العربي-الصهيوني من مضمونه، وتفتح الأبواب للتطبيع والتحالفات الإقليمية بلا معارضة مجتمعية صلبة.

​ثالثاً: تكريس الهشاشة السياسية وإدامة التحكم الخارجي: إن الانقسام المجتمعي وغياب التوافق بين القوى الوطنية يمنح الذريعة الدائمة لتغليب المبررات الأمنية على حساب دولة القانون، ويُعطل فرص التحول الديمقراطي الحقيقي. وهذا التفكك الداخلي يجعل البيئة السياسية هشة ومرتهنة للأزمات، مما يسهل على واشنطن وتل أبيب ممارسة الضغوط الإستراتيجية والاقتصادية وتمرير مخططاتهما في المنطقة دون خوف من جبهة وطنية متماسكة.

لماذا هذا الكتاب ؟

​ ولكي نثبت للقارئ المصري والعربي أن هذه الأطروحة ليست مجرد انطباع سياسي أو “نظرية مؤامرة” مرسلة، نقوم في هذه المراجعة بقراءة تحليلية ومطولة لواحد من أهم المراجع الأكاديمية الغربية الصادرة حديثاً عن أرفع دار نشر عالمية: كتاب “الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والاشتباك” (The Muslim Brotherhood and the West: A History of Enmity and Engagement) للمؤلف البريطاني الدكتور مارتن فرامبتون (Dr. Martyn Frampton)، والصادر عن دار نشر جامعة هارفارد (Harvard University Press).

إن الهدف من مراجعة هذا الكتاب تحديداً هو تقديم شهادة من “قلب العقل الغربي نفسه”؛ حيث يوثق الأكاديمي الغربي—عبر الوثائق السرية والتقارير الاستخباراتية الرسمية—كيف تعاملت واشنطن ولندن وتل أبيب مع هذا التيار، وكيف جرى اختراع أطر “العداء والتخويف” وتصديرها للمنطقة لخدمة مصالح الهيمنة الغربية وأمن الكيان الصهيوني.

​الكتاب …مؤلفه ومنهجية..
​سيرة المؤلف وتوجهه الأكاديمي..

الدكتور مارتن فرامبتون (Dr. Martyn Frampton) هو أستاذ التاريخ السياسي الحديث في جامعة “كوين ماري” بلندن (Queen Mary University of London)، وأحد أبرز الباحثين الغربيين المتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية، والعلاقات بين الغرب والشرق الأوسط. حصل فرامبتون على درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج المرموقة، وله العديد من المؤرخات والأبحاث المرجعية في النزاعات السياسية والتعامل مع الحركات الأيديولوجية.

ويتميز فرامبتون بكونه باحثاً ينتمي للمدرسة الأكاديمية الغربية الرسمية؛ فهو ليس مؤيداً للإسلام السياسي ولا مدافعاً عن الجماعة، بل يعتمد منهجاً وثائقياً صارماً يستند إلى الأرشيفات السرية للخارجية الأمريكية والمخابرات البريطانية والتقارير الإستراتيجية. وبالتالي، فإن شهادته وتوثيقه لكيفية صناعة وتصدير مفهوم “العداء” تكتسب حجية أكاديمية عالية لا يمكن طعن القارئ فيها.

​فصول الكتاب ..

صدر الكتاب عن جامعة هارفارد عام 2018 (ونُشرت طبعته الورقية عام 2019)، ويتوزع على مدى أكثر من 600 صفحة في تتابع تاريخي تحليلي يرصد قرناً من الزمان، نراجعه وفق التوزيع الزمني والفكري التالي:

​المقدمة : يناقش فيها المؤلف كيفية تشكيل العقل الغربي لمفهوم “التأطير العدائي” للتيار الإسلامي، وكيف تحولت الجماعة في الأدبيات الغربية من طرف يُمكن التعامل معه إلى “فزاعة” تُستغل عند الحاجة.

​الفصول الأولى (من النشأة حتى حرب 1948): ترصد بدايات حركة الإخوان المسلمين في ظل الاستعمار البريطاني لمصر، وكيف أثار انخراطهم في حرب فلسطين عام 1948 ذعر الدوائر الغربية والصهيونية، حيث أُدرك مبكراً أن هذا الفكر يمثل عائقاً أمام تثبيت الكيان الصهيوني.

​الفصول الوسطى (حقبة الحرب الباردة والخمسينيات والستينيات): توثق السياسة الأمريكية المزدوجة التي جمعت بين محاولات التوظيف السياسي للتيار الإسلامي لمواجهة المد القومي والشيوعي، ثم سريان خطط الشيطنة والإقصاء عندما تبين أن هذا التيار لا يمكن تطويعه كلياً لخدمة المصالح الإقليمية لـ واشنطن وإسرائيل.

​الفصول المتقدمة (من أواخر القرن العشرين حتى الربيع العربي): تتناول كيفية ترسيخ “فوبيا الإسلام السياسي” بعد أحداث سبتمبر 2001، وكيف استغلت الدوائر الصهيونية والأمريكية الأحداث لتكريس فكرة “أن خطر الداخل أشد من خطر الاحتلال”.

​الفصول الخاتمة (أحداث 2011 وما بعدها): ترصد التخبط الغربي والإسرائيلي إبان الربيع العربي، والعودة السريعة إلى خيار دعم حظر الجماعة وتغذية الانقسام الداخلي العربي لضمان إعادة فرض السيطرة والهدوء على الحدود الإسرائيلية.

​ مقدمة الكتاب: مفهوم “التأطير” وصناعة الفزاعة..

​قبل الولوج إلى التتبع التاريخي المباشر، يضع المؤلف الدكتور مارتن فرامبتون في مقدمة كتابه القواعد الأكاديمية التي تفسر كيفية نظر الدوائر الغربية والإسرائيلية للتيار الإسلامي.

يرتكز فرامبتون في تحليله على مفهوم إستراتيجي محوري يُعرف بـ “التأطير” (Framing)؛ حيث يرى أن التعاطي الغربي مع الجماعة لم يتأسس يوماً على فهم أيديولوجي أو معرفي مجرد، بل كان يُعاد إنتاجه وتصنيعه بشكل دائم وفق المصلحة الإستراتيجية الحاكمة في كل مرحلة.

يُظهر التحليل الوثائقي للمقدمة أن الغرب والكيان الصهيوني تعاملا مع التيار الإسلامي عبر مسارين نفعيين متكاملين:

المسار الأول هو “التوظيف الوظيفي المؤقت”، عبر استخدام هذا التيار كقوة حشد مجتمعية في فترات تاريخية معينة لمواجهة خيارات قومية أو تحررية أو شيوعية ناصبت الغرب العداء. أما المسار الثاني، فهو “صياغة الشيطنة والتأطير العدائي”، وهي العملية الممنهجة التي يُعاد فيها ضخ خطابات التخويف وتصوير الجماعة كـ “تهديد وجودي”، كلما أبدى هذا التيار استقلالية في رؤيته الوطنية أو انحاز إلى قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها المقاومة في فلسطين.

تثبت التقارير الاستخباراتية والأرشيفية التي يوردها فرامبتون في هذه المقدمة أن الخطورة الحقيقية التي خشيتها الدوائر الغربية لم تكن قائمة على طبيعة الممارسة الدينية، وإنما على “القدرة التعبوية والالتفاف الشعبي” الذي يُمكن أن يُشكل كتلة وطنية حرجية رافضة للتبيعة والهيمنة الخارجية.

ومن هنا، تحول مفهوم “خطر الإسلام السياسي” في أدبيات السياسة الخارجية الغربية والإسرائيلية إلى أداة ومفتاح تحكم يُستخدم لتوجيه الأنظمة والرأي العام، وصناعة حالة أمنية دائمية تُبرر التدخل وتُعيق فرص التوافق المجتمعي الشامل.

الفصل الأول: النشأة والتأطير الأول (1928 – 1948)
(التفاعلات الأولى مع الاستعمار البريطاني ومواجهة المشروع الصهيوني)

​1. المضمون الوثائقي والتاريخي للفصل الأول..

​يتناول الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل المرحلة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ إعلان حسن البنا تأسيسها في الإسماعيلية عام 1928، وصولاً إلى الانخراط المباشر في حرب فلسطين عام 1948.

​يُبرز الأرشيف البريطاني (الخارجية والسفارة البريطانية بالقاهرة) أن الاستعمار البريطاني نظَر في البداية إلى الحركة بقدر من “اللامبالاة السياسية” واعتبرها حركة إصلاحية ودينية محلية تركز على الجوانب الأخلاقية والاجتماعية. غير أن التقارير البريطانية سرعان ما شهدت تحولاً لافتاً في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديداً مع اندلاع “الثورة الفلسطينية الكبرى” (1936 – 1939)؛ حيث بدأت الجماعة تنظم حملات جمع التبرعات، وحملات التوعية الإعلامية والتعبئة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية.

​تُظهر الوثائق التي يعرضها فرامبتون أن الدوائر الاستعمارية البريطانية، ومعها مراكز الرصد الصهيونية المبكرة في فلسطين، بدأت تكتب تقارير أمنية متزايدة تحذر من “طبيعة هذا الخطر الجديد”؛ إذ لم يعد التيار الإسلامي مجرد جمعية خيرية أو دينية، بل تحول إلى “حركة شعبية عابرة للحدود الوطنية تمتلك قدرة عالية على الشارع والتعبئة الضادة للمشروع الصهيوني”.

​2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية في الفصل..

​وثائق السفارة البريطانية بالقاهرة (1938 – 1947): تتضمن التقارير الدبلوماسية البريطانية توصيفات صريحة لحسن البنا والجماعة باعتبارهم “القوة الوحيدة المنظمة التي لا يمكن التنبؤ بحدود نفوذها”، وتُحذر التقارير من أن الخطاب الإخواني يربط بين الاستقلال الوطني لمصر وبين “مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين” باعتبارهما قضية واحدة غير قابلة للتجزئة.

​تقارير الوكالة اليهودية والاستخبارات الصهيونية المبكرة (Shiloah Center archives): يرصد فرامبتون تقارير صهيونية مبكرة صدرت في أربعينيات القرن الماضي عبرت عن القلق الشديد من “متطوعي الإخوان” الذين دخلوا فلسطين عام 1947 و1948. واعتبرت هذه التقارير أن عقيدة التضحية والتعبئة الشعبية التي تحملها هذه الكوادر تمثل نمطاً مختلفاً عن الجيوش التقليدية، وأنها تُشكل “عائقاً عقائدياً أمنياً أمام ثبات الدولة العبرية المأمولة”.

​3. : صياغة العدو الأول..

هكذا ​يضع الفصل الأول أيدينا على لحظة الولادة الحقيقية “للفكرة الشريره”؛ فبالرجوع إلى الوثائق، نجد أن الشيطنة الغربية والصهيونية للتيار الإسلامي لم تبدأ بسبب “أخطاء سياسية داخلية” أو صراعات على السلطة داخل مصر، بل بدأت فوراً عندما تقاطعت الجماعة ميدانياً مع المشروع الصهيوني في فلسطين عام 1948.

​لقد أدرك العقل الاستعماري البريطاني والصهيوني مبكراً أن الخطورة الكبرى لهذا التيار تكمن في قدرته على نقل الصراع من مجرد نزاع حدودي أو سياسي تملكه النخب إلى “قضية عقائدية وشعبية جامعة”.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت صياغة الأطر الاستخباراتية التي تُحذر الأنظمة والمجتمعات العربية من الإخوان، وسعى الخطاب الغربي والصهيوني إلى تحويل الجماعة من “شركاء في الهم الوطني ومواجهة الاحتلال” إلى “تهديد أمني داخلي يجب محاصرته وشيطنته”، وهي النواة الأولى للإستراتيجية التي لا زالت تُستغل حتى اليوم لشل قدرة المجتمع على التوافق والتفرغ لعدوه الحقيقي.

الفصل الثاني: عقود التوتر ومرحلة التأسيس للمواجهة (1948 – 1954)..
(من النكبة وحظر الجماعة الأول إلى صدام الخمسينيات)..

​1. المضمون الوثائقي والتاريخي..

​يستكمل الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل تتبع التحولات العاصفة التي شهدتها مصر والمنطقة في أعقاب حرب فلسطين عام 1948 ونكبة تأسيس الكيان الصهيوني، مروروًا بقرار حظر جماعة الإخوان المسلمين الأول عام 1948 واغتيال مؤسسها حسن البنا في فبراير 1949، وصولاً إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952 والتفجر النهائي للصدام بين نظام حركة الضباط الأحرار والجماعة عام 1954.

​يستند فرامبتون في هذا الفصل إلى الأرشيف السري لوزارة الخارجية البريطانية وأوراق المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تبني حضورها الإستراتيجي المبكر في الشرق الأوسط. يُكشف الفصل أن الدوائر الدبلوماسية والأمنية الغربية والصهيونية كانت تراقب بدقة متناهية أزمة النسيج السياسي المصري.

ورغم أن بريطانيا والولايات المتحدة رحبتا بإزاحة الملكية والحد من نفوذ الأحزاب القديمة، إلا أن هاجسهما الأكبر ظل يدور حول: من يملك الشارع المصري؟ وما هو الموقف القادم تجاه الكيان الصهيوني على الحدود الشرقية؟

​تُظهر الوثائق أن الأجهزة الاستخباراتية الغربية لم تكن محايدة في متابعة الخلاف النامي بين قيادة ثورة 1952 والجماعة، بل كانت تقدم تقارير تقدير موقف تحث فيها السلطات المصرية على ضرورة “إنهاء النفوذ التنظيمي والأيديولوجي للإخوان”، باعتبارهم القوة الوطنية الوحيدة المنظمة القادرة على عرقلة التفاهمات الإقليمية وتأمين حدود الكيان الصهيوني الناشئ.

​2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية في الفصل..

​تقارير السفارة الأمريكية بالقاهرة والمخابرات المركزية
( 1951-1953):

تتضمن التقارير التي يعرضها فرامبتون تحليلات أمنية صريحة تُصنف الإخوان المسلمين “كانهاالقوة الأكثر راديكالية ومناهضة للغرب وإسرائيل”. وتؤكد إحدى وثائق الـ CIA الصادرة عام 1952 أن أي نظام سياسي في مصر يسعى للتقارب مع الأجندة الغربية أو قبول الأمر الواقع في فلسطين سيتصادم حتماً مع الجماعة، مشيرة إلى أن تحييد هذه الحركة يُعد شرطاً أساسياً لتحقيق “الاستقرار الإستراتيجي” في المنطقة.

​وثائق الخارجية البريطانية ورسائل المندوب السامي:

توثق الرسائل البريطانية ارتياحاً مكتوماً لدى الدوائر الاستعمارية عقب قرارات الحظر والاعتقالات التي طالت كوادر الجماعة عام 1954؛ حيث اعتبرت التقارير أن ضرب البنية التنظيمية للإخوان يُزيل العقبة الرئيسية أمام إبرام اتفاقية الجلاء وتأمين قناة السويس، كما يُضعف التيار المطالب بفتح جبهة مقاومة شعبية مستمرة على حدود فلسطين.

​3. هندسة الشق الداخلي وتغذية العداء..

​يكشف هذا الفصل المفاصل الأولى لكيفية استغلال العقل الغربي والصهيوني للخلافات السياسية الوطنية وتحويلها إلى “عداء ممتد وقطيعة وجودية”. فبدلاً من دعم حوار وطني بين القوى السياسية الفاعلة لبناء دولة استقلال قوية ومتماسكة، وجد العقل الإستراتيجي الغربي والإسرائيلي في الصدام الداخلي فرصة مثالية للتخلص من التيار الأشد خطراً على الكيان الصهيوني.

​لقد عكفت التقارير الاستخباراتية الغربية على ضخ وتغذية مخاوف السلطة والمجتمع من “خطر الإخوان”، ورسخت في الأذهان أن بقاء هذا التيار أو إدماجه يُشكل تهديداً كلياً للدولة. وبهذه الهندسة، استُبدلت معركة مواجهة الاحتلال والتوسع الصهيوني “بمعركة تثبيت أركان الداخل عبر الملاحقة والأقصاء”، مما أرسى أولى اللبنات لخطاب الشيطنة واستنزاف الطاقات الوطنية في صراعات بينية بدلاً من بناء التوافق واستكمال مشروعات النهضة والاستقلال القومي.

[الفصل الثالث: الحرب الباردة وسياسة “التوظيف ثم الشيطنة” (1954 – 1970)..
(المناورة الغربية بين الخطر الناصري والتخوف من التيار الإسلامي)..

​1. المضمون الوثائقي والتاريخي للفصل الثالث..

​يرصد الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت أوج الاستقطاب الدولي في إطار الحرب الباردة، بالتوازي مع صعود التيار القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر، واتساع رقعة الصراع العربي-الإسرائيلي (لا سيما عقب العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب يونيو 1967).

​يستند فرامبتون إلى وثائق أرشيفية متفرقة من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، والمخابرات المركزية ، والملفات البريطانية؛ ليكشف عن سياسة مزدوجة ومركبة انتجها العقل الإستراتيجي الغربي والواشنطني تجاه جماعة الإخوان المسلمين أثناء وجود قياداتها وكوادرها في المعتقلات أو في المنافي الاستوائية والأوروبية:

​المسار الأول (محاولات الاستغلال والتوظيف): سعت واشنطن ولندن في فترات معينة إلى قراءة إمكانية “استغلال” الرفض الإخواني للمشروع الناصري والمد الشيوعي، واعتبرت الدوائر الغربية أن التيار الإسلامي يمكن أن يشكل صداماً أيديولوجياً مضاداً للراديكالية القومية التي تهدد المصالح الغربية وأمن إسرائيل.

​المسار الثاني (التحذير والاحتواء الأمني): رغم محاولات التوظيف التكتيكي، فإن التقارير الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية كانت ترجع دوماً إلى المربع الأول؛ وهو أن هذا التيار يمثل “الخطر العقائدي الأشد عمقاً وخطورة”، لأن عقيدته ترفض وجود الكيان الصهيوني من الأساس، ولا يمكن تطويعها ضمن ترتيبات السلام أو الهيمنة الغربية.

​2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية في الفصل..

​تقارير مجلس الأمن القومي الأمريكي (NSC) والمخابرات المركزية (1957 – 1965):

تُظهر الوثائق التي يحللها فرامبتون نقاشات داخلية حادة داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية التعاطي مع الإخوان. وتؤكد إحدى المذكرات السرية الصادرة عن الخارجية الأمريكية عام 1958 أن: “أي مراهنة على الإسلام السياسي لمواجهة عبد الناصر يجب أن تظل بحذر شديد؛ لأن الإخوان، وإن ناصبوا النظام الناصري العداء، يظلون القوة الأكثر مناهضة للوجود الإسرائيلي وللمصالح الغربية في المدى البعيد”.

​التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية بعد حرب 1967:

يرصد الفصل تقارير إسرائيلية صدرت عقب هزيمة 1967 ترقب ببالغ القلق إعادة تشكل المجموعات الإسلامية وظهور ما عرف بـ “قواعد الشيوخ” على جبهات المقاومة بالتعاون مع الفدائيين في الأردن ولبنان. واعتبرت التقديرات الإسرائيلية أن انبعاث هذا التيار مجدداً بعد الهزيمة يهدد بنقل الصراع من صراع نظامي بين دول إلى حرب استنزاف شعبية وعقائدية مفتوحة.

​3. ازدواجية التوظيف وصناعة “الفزاعة”..

​يُقدم هذا الفصل حجة قاطعة للقارئ حول طبيعة النفعية الغربية والإسرائيلية؛ فالعقل الاستراتيجي الغربي لا يتعامل مع القوى الوطنية والمحلية بأخلاق أو مبادئ، بل بمنطق “الأداة والتوظيف”.

​لقد أظهرت الوثائق أن الغرب وإسرائيل استخدما مفهوم “خطر الإخوان” بالتبادل وفق مقتضيات المرحلة؛ فحين أرادوا إضعاف القومية العربية والمشروع الناصري حاولوا استغلال وجود التيار الإسلامي، وحين أرادوا تأمين حدود الكيان الصهيوني وتثبيت أركانه بعد حرب 1967 أعادوا ضخ خطاب الشيطنة وتصوير هذا التيار “كخطر وجودي راديكالي” يتجاوز في خطورته الأنظمة السياسية التقليدية.

​إن هذا التذبذب الغربي الصريح يؤكد أن السعي لتثبيت خطابات الكراهية والعداء المتبادل بين أبناء الوطن لم يكن يوماً حرصاً على مجتمعاتنا أو استقرارها، بل كان وسيلة هندسية لإبقاء المنطقة العربية في حالة استقطاب دائم يمنع التلاحم الوطني وتوظيف الطاقات نحو النهضة ومواجهة الاحتلال.

الفصل الرابع: عودة الانبعاث وإعادة التأطير (1970 – 1981)..
(حقبة السادات، التحولات الإقليمية، وبروز “الفزاعة” في الأرشيف الغربي)..

​1. المضمون الوثائقي والتاريخي للفصل الرابع..

​يتتبع الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل حقبة السبعينيات العاصفة تحت حكم الرئيس أنور السادات، وهي الفترة التي شهدت تحولات جيوسياسية جذرية في المنطقة؛ بدءاً من حرب أكتوبر 1973، مرورا بسياسة الإنفتاح الاقتصادي والسلام مع الكيان الصهيوني (اتفاقيات كامب ديفيد 1978)، وصولاً إلى حادثة اغتيال السادات عام 1981.

​يُظهر الأرشيف السري للبيت الأبيض والخارجية الأمريكية والمخابرات المركزية أن الإدارة الأمريكية، بالنسق والتشاور الدائم مع أجهزة التقدير الإستراتيجي الإسرائيلية، كانت تتابع ببالغ الريبة قرار السادات بمنح هامش حركة وحرية نشاط للتيار الإسلامي والإخوان المسلمين في الجامعة والمجتمع لمواجهة بقايا اليسار والناصريين.

​تُثبت التقارير الوثائقية التي يحللها فرامبتون أن واشنطن وتل أبيب حذرتا السادات مبكراً جداً—وفي خضم نشوة انتصار 1973 ومحادثات السلام—من أن إعادة البعث التنظيمي والمجتمعي للإخوان يُشكل قنبلة موقوتة تُهدد اتفاقية السلام المرتقبة. لقد أدرك التخطيط الصهيوني أن الجماعة، وإن سلكت مساراً دعوياً وسياسياً سلمياً في تلك الحقبة، تظل القوة الوحيدة الممتدة شعبياً الرافضة كلياً للتطبيع ولإدماج الكيان الصهيوني في المنطقة.

​2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية ..

– ​تقارير المخابرات المركزية الأمريكية لمجلس الأمن القومي (1977 – 1979): تتضمن إحدى المذكرات الاستخباراتية الصادرة عشية زيارة السادات للقدس تحليلاً صريحاً يُحذر من أن “المعارضة الحقيقية والصلبة للسلام مع إسرائيل لن تأتي من الأحزاب السياسية العلمانية الضعيفة، بل من التيار الإسلامي التجذر في النقابات والجامعات”. وتُشير الوثيقة إلى أن الإخوان يمثلون الرصيد العقائدي الذي يُغذي الموقف المناهض لإسرائيل في الشارع المصري.

– ​الأوراق التحليلية لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي والتقارير الدبلوماسية: يرصد الفصل وثائق إسرائيلية صريحة طالبت القاهرة والواشنطن بضرورة كبح نفوذ الإخوان المتصاعد، مؤكدة أن بقاء الحركة طليقة في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية يُفرغ اتفاقية السلام من قيمتها الشعبية، ويجعل التهديد المصري للكيان الصهيوني قابلاً للانبعاث في أي لحظة تحول سياسي.

​3. تحويل مناهضة السلام مع الكيان إلى “تضليل وأمننة”.

​يُقدم هذا الفصل دليلاً وثائقياً جديداً على كذب أطروحة “الشيطنة المحلية”؛ فالعداء الموجه ضد الإخوان في هذه المرحلة لم يكن بسبب سلوكيات أو صدامات داخلية، بل كان رد فعل صريح على رفضهم المبدئي لاستسلام المنطقة وتطبيعها مع الكيان الصهيوني.

​لقد عمد العقل الإستراتيجي الأمريكي والصهيوني إلى إعادة صياغة وأمننة (Securitization) هذا الموقف الوطني والرفض المجتمعي؛ فبدلاً من الاعتراف بأن رفض التطبيع هو موقف وطني جامع يلتف حوله المصريون، جرى تأطير الإخوان “كعناصر تعويقية وراديكالية تُهدد الاستقرار والإقليم”.

​ومن هنا، ضاعف الإعلام الغربي والصهيوني جهوده لتصدير “فوبيا الصحوة الإسلامية” للأنظمة العربية وللمجتمع، لشق الصف الداخلي بين القوى الوطنية والعلمانية وبين التيار الإسلامي، بهدف عزل هذا التيار وإشغال المجتمع بصراعات هوياتية وسياسية تضمن بقاء اتفاقيات كامب ديفيد والترتيبات الإسرائيلية آمنة بعيدة عن التهديد الشعبي.

الفصل الخامس: من أزمة الخليج إلى أحداث سبتمبر (1981 – 2001)..
(ترسيخ “الفزاعة” وتدويل الشيطنة إبان النظام الدولي الجديد)..

​يرصد الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل مرحلة عاصفة ومفصلية في تاريخ الشرق الأوسط امتدت لعقدين من الزمان، بدأت بعهد الرئيس حسني مبارك وتصاعد معارضة التيارات الإسلامية للسياسات الاقتصاديّة والسياسيّة، مروراً بحرب الخليج الثانية عام 1991 والتفجر المسلح للجماعات الراديكالية في الخمسينيات والثمانينيات والتسعينيات، وصولاً إلى التحول الكبير في سبتمبر 2001.

​يستند فرامبتون في هذا الفصل إلى وثائق وزارة الخارجية الأمريكية، وتقارير أجهزة الاستخبارات الغربية، والدراسات الصادرة عن مراكز الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي (مثل مركز بيجين-سادات ومركز Jaffee للدراسات الإستراتيجية).

ويكشف الفصل كيف عملت واشنطن وتل أبيب خلال هذه الفترة على “خلط الأوراق وتدويل الشيطنة”؛ حيث جرى مسح الفوارق المنهجية والفكرية عمداً بين التيار الإسلامي الإصلاحي والتنظيمي الممثل في الإخوان المسلمين، وبين المجموعات العنيفة أو الراديكالية.

​تُظهر الوثائق أن الدوائر الصهيونية والأمريكية وجدت في أزمات التسعينيات فرصة إستراتيجية لتكريس مفهوم “الخطر الإسلامي الشامل” (The Islamic Threat) ليكون البديل المباشر “للخطر الشيوعي” بعد سقط والانهيار السوفيتي، وذلك لتبرير إبقاء المنطقة تحت السيطرة والهيمنة الأمنية.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

​تقارير الخارجية الأمريكية ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (1992 – 1998): توضح الوثائق والتقارير الأكاديمية الصادرة في واشنطن كيف ممارست المجموعات الضاغطة (اللوبي الصهيوني) ضغوطاً مكثفة لإقناع الإدارة الأمريكية بحظر أجنحة الإخوان وتصنيفهم “كمنظمة راعية للإرهاب”.

وتؤدي إحدى المذكرات السرية لوزارة الخارجية إلى أن التقييمات الأمريكية الداخليّة كانت تعترف بأن الإخوان يرفضون العنف في الداخل المصري، لكن الاستراتيجية الإسرائيلية كانت تصر على أن “الاعتدال السياسي للإخوان هو الأشد خطورة، لأنه يمنحهم مشروعية مجتمعية واختراقاً للمؤسسات يهدد أمن إسرائيل على المدى البعيد”.

​تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (أمان والموساد) في التسعينيات: يرصد فرامبتون أوراقاً استخباراتية إسرائيلية حذرت بوضوح من نجاح الإخوان في بناء نقابات مهنية قوية (نقابات المهندسين والأطباء والمحامين) في مصر؛ واعتبرت التقارير أن هذا “التغلغل الناعم” يُشكل تهديداً أمنياً أكبر من العمليات المسلحة المعزولة، لأنه يبني جداراً مجتمعياً صلباً يرفض التطبيع ويدعم المقاومة الفلسطينية (وتحديداً حركة حماس التي خرجت من عباءة الإخوان عام 1987).

​تدويل الشيطنة وتعميق الانقسام الداخلي..

​يُقدم هذا الفصل الدليل القاطع على كيفية صناعة “الفزاعة الدولية” وتصديرها للداخل المصري والعربي. فخلال عقد التسعينيات، لم تكن الشيطنة وليدة صراع محلي عادي، بل كانت نتيجة عملية هندسية استخدمت فيها إسرائيل وأمريكا خلط المفاهيم لترسيخ فكرة أن “أي إسلام سياسي هو إرهاب محتمل”.

​لقد هدفت هذه الإستراتيجية الصهيونية-الأمريكية إلى إغلاق أي نافذة للتوافق السياسي أو الإصلاح الديمقراطي في مصر والمنطقة؛ فعبر تخويف الأنظمة والمجتمعات من “البعبع الإسلامي”، جرى إقناع قطاعات واسعة من النخب والعلمانيين بأن الحفاظ على الاستبداد والأمن أولى من الديمقراطية والتوافق الوطني.

​وهكذا، نجحت هذه الهندسة الخارجية في إدامة حالة الخوف والكراهية المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد، واستنزاف القوى الوطنية في معارك اتهامات وشيطنة لا تنتهي، مما أتاح للكيان الصهيوني الاستفراد بالقضية الفلسطينية وتمرير اتفاقيات السلام المنفردة والتطبيع بلا عائق شعبي متماسك.

​الفصل السادس: ما بعد 11 سبتمبر وتأطير “الحرب على الإرهاب” (2001 – 2011)..
(من ضربة برج التجارة إلى عشية الربيع العربي)

​ينتقل الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل لتوثيق حقبة التسعينيات المتممة وبداية القرن الحادي والعشرين، وتحديداً التحول الهيكلي الذي طرأ على السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 وإعلان إدارة جورج بوش الابن “الحرب العالمية على الإرهاب”.

​يعتمد فرامبتون في نص هذا الفصل على وثائق ومذكرات رسمية من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، وتقارير جلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي، والملفات الأمنية البريطانية والأوروبية. يوثق الكتاب في هذه الفترة حدوث انقسام واستقطاب حاد داخل دوائر صنع القرار الغربي حول كيفية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين:

​الاتجاه الأول (المحافظون الجدد واللوبي الصهيوني): سعى جاهداً لدفع الإدارة الأمريكية والبرلمانات الأوروبية لإدراج الإخوان المسلمين بجميع فروعهم رسمياً على قوائم الإرهاب، متهمين الجماعة بأنها “الحاضنة الفكرية والأيديولوجية” (Incubator) التي تخرج منها الجماعات العنيفة، وأن خطورتها تكمن في تقديم صورة ناعمة تعوق أهداف واشنطن وتل أبيب.

​الاتجاه الثاني (الدوائر الاستخباراتية والدبلوماسية الواقعية): تمسك بالتمييز بين الجماعات العنيفة (مثل القاعدة) وبين حركة الإخوان المسلمين باعتبارها تياراً سياسياً مجتمعياً واسعاً يرفض العنف في الداخل، وأن حظرها كلياً سيؤدي إلى نتائج عكسية ويدفع ملايين الموالين لها نحو الراديكالية.

​يوثق فرامبتون كذلك كيف استغلت حكومة أرئيل شارون في إسرائيل هذه المناخات لتسويق مقولة أن “المقاومة الفلسطينية والإخوان المسلمين وجهان لعملة واحدة للإرهاب العالمي”، وضغطت لحصار المؤسسات الخيرية والتمويلية التابعة للتيار الإسلامي في الغرب.

​الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية ..

– ​وثائق جلسات الاستماع بالكونغرس الأمريكي (2004 – 2006): يورد فرامبتون نصوص الشهادات التي قدمها خبراء أمنيون ومستشارون مقربون من إسرائيل أمام اللجان الفرعية للإرهاب في مجلس النواب الأمريكي، والتي ركزت على مطالبة واشنطن بفرص حظر شامل على أجنحة الإخوان، واعتبار أيديولوجيتهم “مناهضة للحضارة الغربية ولأمن دولة إسرائيل”.

– ​مذكرات الخارجية البريطانية وتقارير الاستخبارات الأوروبية: يستعرض الكتاب تقارير بريطانية سرية أعدت لفحص نشاط الإخوان في لندن؛ حيث خلصت التقارير الأرشيفية إلى أن الجماعة تمتلك شبكة معقدة من المؤسسات الإعلامية والخيرية، وأن المقاربة الإسرائيلية الداعية لحظرهم فوراً ستحرم الغرب من قناة تواصل رئيسية لمعرفة تحركات الشارع العربي.

​ تدويل الفزاعة وتفريغ العمل الوطني..

​يُظهر التوثيق النصي لهذا الفصل كيف أُعيد تدوير واستغلال أحداث 11 سبتمبر العالمية لتكريس “فزاعة الإخوان” في المنطقة العربية. فلم تكن الشيطنة والتضييق مجرد إجراءات أمنية محلية، بل جرى تدويلها تحت مظلة “الحرب على الإرهاب” لخدمة هدف استراتيجي صهيوني وأمريكي محدد.
​لقد هدفت هذه الهندسة إلى إقناع المجتمع والنخب المصرية والعربية بأن أي محاولة للتوافق أو الإدماج السياسي مع التيار الإسلامي هي “رعاية للإرهاب”.

وبهذا الشلل الفكري، أُغلقت منافذ الاصلاح السياسي، واستُنزفت القوى الوطنية في اتهامات متبادلة، مما أتاح للكيان الصهيوني الاستمرار في بناء الجدار العازل وتوسيع الاستيطان في فلسطين دون خوف من وجود جبهة عربية أو مصرية متماسكة تقف عائقاً أمام مخططاته.

الفصل السابع: الربيع العربي والارتباك الإستراتيجي والغربي (2011 – 2012)..
(من سقوط نظام مبارك إلى صعود الإخوان لدفة السلطة)

​ينتقل الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل لتوثيق واحدة من أكثر اللحظات حرجاً وإرباكاً في تاريخ السياسة الخارجية الغربية والإسرائيلية، وهي اندلاع ثورات الربيع العربي في مطلع عام 2011، وسقوط نظام الرئيس حسني مبارك في مصر، ثم الوصول التدريجي لجماعة الإخوان المسلمين إلى الصدارة السياسية عبر الفوز بالانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية عام 2012.

​يعتمد فرامبتون في مادة هذا الفصل على الوثائق والمذكرات الرسمية الصادرة عن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والتقارير الاستخباراتية المسربة من الخارجية الأمريكية والمخابرات المركزية ، إلى جانب تقديرات الموقف الصادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS):

​الارتباك والتوجس الغربي: يوثق الكتاب أن واشنطن ولندن عانتا من “صدمة جيوسياسية” نتيجة الانهيار السريع للنظام المصري الذي شكل ركيزة الاستقرار الإقليمي لحفظ أمن إسرائيل لعقود. ورغم الصمت والقبول الظاهري بالنتائج الديمقراطية، إلا أن المذكرات الداخلية تُظهر حالة عارمة من التوجس الخوف من وصول تيار يرفض التبعية ويحمل أدبيات مناهضة للوجود الصهيوني.

​الذعر الإستراتيجي الإسرائيلي: يبرز فرامبتون نصوص التقارير الإسرائيلية التي وصفت وصول الإخوان إلى السلطة “بالزلزال الإستراتيجي والتهديد الوجودي لاتفاقية كامب ديفيد”؛ حيث خشيت تل أبيب من فتح جبهة سياسية وشعبية صلبة تُعيد بناء القوة الوطنية المصرية وتفتح خطوط دعم مباشرة للمقاومة الفلسطينية في غزة.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​مذكرات وتقارير الإدارة الأمريكية (2011 – 2012): يورد فرامبتون شهادات وثائقية لمسؤولين في إدارة أوباما تؤكد أن الدبلوماسية الأمريكية تعاملت مع حكم الإخوان بـ “برود ونفعية حذرة”؛ حيث صُممت الاتصالات الدبلوماسية لاختبار مدى التزام الجماعة بحفظ بنود اتفاقية السلام مع إسرائيل وتأمين الحدود في سيناء، مع الاستمرار في إعداد السيناريوهات البديلة في حال تهديد المصالح الإسرائيلية.

– ​تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (أمان والموساد): يستعرض الكتاب تقارير أمنية إسرائيلية صدرت إبان حرب غزة (نوفمبر 2012)، والتي رصدت بدقت بالغة الموقف المصري بقيادة الإخوان في التوصل لتهدئة فرضت شروطاً لصالح المقاومة. واعتبرت الوثائق الإسرائيلية أن هذا التحول يُشكل بداية لتغير ميزان القوى القومي والإقليمي الذي لا يمكن للكيان الصهيوني التعايش معه على المدى الطويل.

​ العودة السريعة “لالفزاعة” والتجهيز للانقلاب على التوافق..

​يُظهر التوثيق النصي لهذا الفصل كيف أن العقل الإستراتيجي الغربي والصهيوني لم يستوعب يوماً إمكانية نجاح تجربة ديمقراطية توافقية في مصر يُشارك فيها التيار الإسلامي.
فلم تكن المسألة مجرد تقييم لأداء سياسي أو إداري، بل كانت رعباً إستراتيجياً من بناء دولة وطنية مستقلة القرار.

​لقد كشفت الوثائق أن تل أبيب وواشنطن بدأتا—منذ اللحظات الأولى لنتائج الانتخابات—في ضخ وتغذية مخاوف الداخل المصري، وإعادة استدعاء وترويج كل الأدبيات الشيطانية التي صُنعت عبر العقود السابقة. وكان الهدف الإستراتيجي من هذه الهندسية هو منع أي فرصة لتكويين جبهة وطنية متماسكة أو تحقيق مصالحة بين القوى السياسية، لضمان إفشال التجربة وإعادة المجتمع المصري إلى مربع القطبية والحرب الباردة الداخلية، بما يضمن تحييد مصر مجدداً عن دورها القومي في حماية فلسطين.

الفصل الثامن: الصدام والتراجع وإعادة التأطير القسري (2012 – 2013)..
(من استقطاب الرئاسة إلى الأحداث العاصفة وصناعة العدو المطلق)..

​ينتقل الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل لتوثيق واحدة من أكثر الفترات دراماتيكية في التاريخ العربي الحديث؛ وهي الفترة الممتدة من منتصف عام 2012 حتى أحداث الصيف العاصف في مصر عام 2013، والتي انتهت بإزاحة جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، ثم صدور قرارات الحظر الشامل والتصنيف كجماعة إرهابية.

​يعتمد فرامبتون في تحليله الموثق لهذا الفصل على الأرشيف الدبلوماسي لوزارة الخارجية الأمريكية، ووثائق وزارة الدفاع (البنتاغون)، وتقارير جلسات الاستماع المغلقة في المخابرات المركزية (CIA)، والتقديرات الأمنية الصادرة عن مراكز الفكر الصهيوني في تل أبيب:

-​ التوثيق الغربي للاستقطاب الداخلي: يورد الكتاب أن الدوائر الاستخباراتية الغربية كانت ترصد بدقة حالة الشلل السياسي والاستقطاب المجتمعي الحاد الذي شلّ المؤسسات المصرية إبان فترة حكم الإخوان. ورغم علم واشنطن ولندن بأن جزءاً من الأزمة كان يعود لأخطاء إدارية وسياسية في إدارة التوافق الوطني، إلا أن التقارير الغربية الوثائقية تكشف أن المخطط الإستراتيجي الإقليمي والغربي وجد في هذا الاستقطاب “الفرصة الذهبية” لإعادة بناء “حائط الصد الأمني”.

– ​الدور الإسرائيلي في الدفع نحو الحظر الكلي: يوثق فرامبتون أن المؤسسة الأمنية والصهيونية في إسرائيل كثفت اتصالاتها مع الدوائر الأمنية والغربية خلال أزمة 2013، مؤكدة أن بقاء التيار الإسلامي في السلطة أو مجرد إدمادجه في الحياة السياسية للمنطقة يُشكل “تهديداً إستراتيجياً غير مقبول” لأمن إسرائيل الإقليمي واستقرار سياسات التطبيع.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​وثائق المخابرات المركزية الأمريكية والأرشيف الدبلوماسي (2013): يستعرض فرامبتون تقارير ومذكرات مسربة من وزارة الخارجية الأمريكية تكشف موقف الإدارة الأمريكية المزدوج خلال أحداث يونيو ويوليو 2013؛ حيث أظهرت الوثائق أن واشنطن كانت تُعطي الأولوية القصوى “للاستقرار الأمني وتأمين جبهة سيناء وحدود إسرائيل”، وأنها فضلت إعادة فرض النموذج الأمني التقليدي على حساب الاستمرار في تجربة ديمقراطية هشة قد تأتي بقوى مناهضة للهيمنة الغربية.

– ​التقديرات الأمنية الإسرائيلية (مركز بيجين-سادات ومعهد INSS): يورد الفصل نصوص تقارير إسرائيلية صدرت عقب الإطاحة بالإخوان وحظرهم رسمياً عام 2013؛ حيث وصفت تلك التقديرات قرار الحظر وتصنيف الجماعة كـ “إنجاز إستراتيجي تاريخي لإسرائيل”، لأنه أعاد تفكيك القوة الشعبية الصلبة التي كانت تُهدد اتفاقيات السلام، وأدخل الدولة المصرية في صراع أمني داخلي استنزف طاقاتها.

ذروة الهندسة الخارجية وصناعة الكراهية المطلقة..

​يُشكل هذا الفصل ذروة الإثبات الوثائقي لأطروحة الدراسة؛ فهو يثبت بالوثائق والمستندات الغربية والإسرائيلية أن “شيطنة الإخوان” وتحويل الخلاف السياسي معهم إلى “عداء وجودي واستئصال مطلق” لم يكن قراراً مجتمعياً صرفاً، بل جرى تشجيعه ورعايته من العقل الإستراتيجي الصهيوني والغربي.

​لقد استغلت تل أبيب وواشنطن حالة الخلاف البيني والأخطاء السياسية لتغذية خطاب الكراهية، وتصوير ابن الوطن والمواطن المخالف كأنه “عدو إرهابي يجب محوه”، بدلاً من الاحتكام لآليات العمل الديمقراطي والقانوني والتقويم الفكري.

​وبهذه الهندسة الشريرة، أُغلقت أبواب التوافق الوطني في مصر، وتكرس الانقسام المجتمعي العميق، وهو ما حقق للكيان الصهيوني هدفه الأسمى: إبقاء مصر والمجتمعات العربية غارقة في معارك بصرية وداخلية، وتجريد جبهتها الداخلية من التماسك، ليبقى الاحتلال آمنًا ومستفردًا بالقضية الفلسطينية دون عائق قومي متماسك..

الفصل التاسع: مراجعات القاهرة ولندن وتدويل التصنيف (2014 – 2016)..
(تحقيقات “المراجعة البريطانية” والضغوط الإقليمية والصهيونية)..

​​يتناول الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل المرحلة التي تلت أحداث عام 2013، وتحديداً الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2016، والتي شهدت محاولات محمومة لـ “تدويل الشيطنة” ونقل قرار حظر الجماعة وتصنيفها من المستوى المحلي المصري إلى الساحة الدولية والأوروبية.

​يركز فرامبتون في نص هذا الفصل الوثائقي على “المراجعة الحكومية البريطانية لنشاط الإخوان المسلمين” (The Muslim Brotherhood Review) التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عام 2014، برئاسة السفير السير سير أسر بنيامين جنكينز (Sir John Jenkins).

​يعتمد الكاتب على الوثائق والأوراق الرسمية المسربة من التقارير الحكومية البريطانية، والشهادات الأرشيفية للكونغرس الأمريكي، والملفات الأمنية الأوروبية؛ ليكشف كيف تعرضت العواصم الغربية (ولا سيما لندن وواشنطن) لضغوط إستراتيجية ودبلوماسية مكثفة من أجهزة إقليمية ودوافع أمنية صهيونية لحظر الجماعة رسمياً وإدراجها على قوائم الإرهاب الغربية.

​تُظهر الوثائق أن نتائج “مراجعة جنكينز” البريطانية جاءت “بصياغة معقدة ومتوازنة” أربكت المخططين؛ حيث انتهى التقرير الحكومي البريطاني الصادر أواخر عام 2015 إلى أن الجماعة “لا تُصنف كمنظمة إرهابية، ولا تدعو للعمليات المسلحة في الداخل الغربي”، لكنه اعتبر أن بعض أدبياتها ومواقفها تُشكل “مؤشراً على الراديكالية” فيما يتعلق بالموقف من الكيان الصهيوني والمقاومة المسلحة في فلسطين.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​وثائق تقرير “مراجعة جنكينز” الأرشيفية (2015): يستعرض فرامبتون نصوص المراجعة السرية الصادرة عن الحكومة البريطانية، والتي أكدت وجود تمييز واضح بين السلوك السياسي للجماعة وبين التنظيمات المسلحة مثل “القاعدة” أو “داعش”.

وأوضحت الوثائق أن الضغوط السياسية الخارجية التي مورست على لندن لحظر الجماعة كلياً اصطدمت “بغياب المبرر القانوني والأمني”، إذ حذر المستشارون القانونيون للحكومة البريطانية من أن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية سيتعرض للإبطال الفوري أمام المحاكم البريطانية والأوروبية.

– ​تقارير اللوبي الصهيوني وجلسات الاستماع بالكونغرس الأمريكي (2015 – 2016): يورد فرامبتون شهادات جلسات الاستماع الصادرة عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي؛ حيث مارس معهد “جافات” و”معهد واشنطن” ضغوطاً متواصلة لتصنيف الجماعة. وأشارت المذكرات الداخلية للوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن الإصرار الإسرائيلي على حظر الإخوان دولياً لا يعود لخطورة أمنية مباشرة في الغرب، وإنما لموقفهم العقائدي الصلب والرافض لشرعية وجود الكيان الصهيوني ودعمهم التاريخي لحركة حماس.

​ فشل الحظر الدولي والاستمرار في هندسة الكراهية..

​يُشكل هذا الفصل وثيقة إدانة ناصعة الأهمية لأطروحتنا الفكرية؛ فهو يثبت بالدليل القاطع ومن قلب أروقة الحكم الاستعماري القديم (بريطانيا) أن دعايات “الشيطنة المطلقة” لم تستطع الصمود أمام البحث القانوني والأكاديمي المحايد.

​لقد كشفت الوثائق الرسمية البريطانية والأمريكية أن محاولات وصم التيار الإسلامي بـ “الإرهاب الكلي” كانت محاولة تصدير إستراتيجية هندسها العقل الصهيوني، للضغط على الدول الغربية والعربية وتفريغ السياسة الإقليمية من أي قوة شعبية مناهضة للاحتلال.

​ورغم أن التقارير الغربية الرسمية رفضت الانسياق الكامل وراء هذا التصنيف لعدم وجود أدلة قانونية، إلا أن المؤسسات الإعلامية والسياسية استمرت في تغذية خطاب الكراهية في الداخل العربي، لإبقاء نسيج المجتمع المصري والعربي ممزقاً ومستنزفاً في صراعات أمنية وقضائية، بما يمنع أي تقارب أو مصالحة وطنية قد تُعيد بناء الجبهة الداخلية الشاملة.

الفصل العاشر: عهد ترامب وتأطير “الإسلام السياسي” (2016 – 2018)..
(التلاقي اليميني-الصهيوني وإعادة ضخ “الفزاعة” في العواصم الغربية)..

​​يتتبع المؤلف في هذا الفصل التحول الحاد الذي شهدته السياسة الخارجية الأمريكية مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2017، وتبني إدارته لخطاب يمين متطرف يتقاطع كلياً مع الرؤية الإستراتيجية والأمنية لحكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل.

​يعتمد فرامبتون في تحليله الموثق لهذا الفصل على مسودات الأوامر التنفيذية المسربة من البيت الأبيض، ومذكرات الأمن القومي الأمريكي، وتقارير جلسات الاستماع المغلقة في الكونغرس، بالإضافة إلى أدبيات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS):

– ​مشروع تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية (FTO): يوثق فرامبتون أن إدارة ترامب دفعت بقوة في أسابيعها الأولى نحو إصدار أمر تنفيذي يدرج جماعة الإخوان المسلمين رسمياً على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وتكشف الوثائق أن هذا التحرك لم يكن نتاج تقييم استخباراتي جديد، بل جاء نتيجة ضغوط مكثفة مارسها التيار اليميني ومجموعات الضغط الصهيونية (أيباك ومعهد واشنطن).

– ​معارضة المؤسسة الأمنية والدبلوماسية الأمريكية (العمق المؤسسي): يورد الكتاب تقارير وثائقية صريحة أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع (البنتاغون) وكالة المخابرات المركزية ، والتي حذرت الإدارة من التبعات القانونية والإستراتيجية لهذا القرار.

وأوضحت التقارير الأمنية أن الجماعة تتكون من شبكات ومؤسسات مجتمعية وسياسية عابرة للدول ذات طابع إصلاحي وسالم في أغلب بيئاتها، وأن تصنيفها الكلي سيعقد العلاقات الأمريكية مع حلفاء إقليميين، ويمنح الجماعات الراديكالية العنيفة (مثل القاعدة وداعش) حجة فكرية لتكفير العمل السياسي السلمي.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​مذكرات وزارة الخارجية الأمريكية والـ CIA (2017): يستعرض فرامبتون تسريبات التقييم الإستراتيجي المقدم لمجلس الأمن القومي الأمريكي؛ حيث نصت إحدى المذكرات على أن: “تصنيف الإخوان المسلمين بقرار سياسي مجرد سيعرض المصالح الأمريكية للإرباك؛ فالجماعة تيار فكري وسياسي واسع، والربط التعميمي بينها وبين الإرهاب يفتقر إلى السند القانوني الصارم في القضاء الأمريكي”.

– ​التقديرات الأمنية والدبلوماسية الإسرائيلية: يرصد الفصل كتابات وشهادات مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين دافعوا عن ضرورة “أمننة الشأن الإخواني” عالمياً. وأكدت التقديرات الإسرائيلية أن تهميش وتصفية النفوذ المجتمعي والسياسي للتيار الإسلامي يُعد ركيزة أساسية لتمرير الترتيبات الإقليمية الجديدة (والتي تبلورت لاحقاً في ما سُمي “بصفقة القرن” واتفاقيات أبراهام)، لأن هذا التيار يمثل الكتلة الشعبية الأكثر صلابة ورفضاً لتصفية القضية الفلسطينية.

​توظيف الشيطنة لتمرير التصفية الإقليمية..

​يُشكل هذا الفصل برهاناً ساطعاً على أطروحة الدراسة؛ فهو يثبت بالوثائق والمستندات من قلب البيت الأبيض أن “شيطنة الإخوان” جرى استدعاؤها وتكثيفها في أواخر العقد الماضي كغطاء إستراتيجي لتمرير أهداف صهيونية كبرى في المنطقة.

​لقد أوضح التوثيق التاريخي لفرامبتون أن الإصرار اليميني-الصهيوني على وصم التيار الإسلامي “بالإرهاب الكلي” لم يكن حرصاً على الديمقراطية أو بناء دولة القانون في مصر والعالم العربي، بل كان يستهدف تجريد المجتمع العربي والمصري من أي قوة تنظيمية وشعبية قادرة على المعارضة والتعبئة ضد مخططات التطبيع وتصفية الحق الفلسطيني.

​وبهذه الهندسة الشريرة، عُمقت فجوة الكراهية والانقسام الداخلي، وأشغلت الشعوب والنخب في معارك استئصال وتخوين بينية، مما أتاح للكيان الصهيوني وحلفائه الجرأة على تجاوز الحقوق التاريخية للأمة، وسط بيئة وطنية مجزأة ومستنزفة في صراعاتها الداخلية.

​الفصل الحادي عشر: النماذج الإقليمية المقارنة والتأطير الجيوسياسي (تركيا، قطر، والأردن)..
(امتدادات الشبكة وديناميات الجوار الإقليمي في التقدير الغربي-الصهيوني)..

​يتوسع المؤلف في هذا الفصل ليدرس الامتداد الإقليمي والدولي لحركة الإخوان المسلمين وتأثير ذلك على التقييمات الإستراتيجية الغربية والإسرائيلية. يركز فرامبتون على تحليل النماذج الإقليمية المختلفة لتواجد ونشاط التيار الإسلامي خارج مصر، وتحديداً في تركيا، وقطر، والأردن، وكيف أثرت هذه البيئات على أدبيات السياسة الخارجية لـ واشنطن ولندن وتل أبيب.

​يعتمد فرامبتون في تحليله الوثائقي لهذا الفصل على وثائق السفارات الأمريكية في العواصم الإقليمية، وتقارير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، وأوراق العمل الصادرة عن مراكز الأبحاث الأمنية الغربية:

– ​النموذج الأردني (المعارضة النظامية): يوثق فرامبتون كيف تعاطت التقارير الغربية والإسرائيلية مع جبهة العمل الإسلامي في الأردن؛ حيث ظلت التقارير تعتبرها حركة سياسية شرعية ومندمجة في النظام السياسي، لكن الاستخبارات الإسرائيلية كانت ترصد باستمرار خطورة قدرتها التعبوية على تحريك الشارع الأردني والمطالبة بإلغاء اتفاقية “وادي عربة” (1994) كلما تصاعد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني.

– ​النموذجين التركي والقطري (الاستضافة والغطاء الدبلوماسي): يورد الكاتب تقارير دبلوماسية غربية ترصد كيفية توفير أنقرة والدوحة مساحات حركة إعلامية وسياسية لقيادات وكوادر الجماعة عقب أحداث 2013. وتكشف الوثائق أن الدوائر الصهيونية واليمينية الأمريكية شنت حملات ضغط دبلوماسية مكثفة لاستغلال هذا الملف لربط هذه الدول بـ “رعاية الإرهاب”، لإجبارها على إغلاق المنصات الإعلامية ومنع التعبئة الشعبية المناهضة للاحتلال.

​ الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​تقارير الخارجية الأمريكية وأوراق وزارة الدفاع (البنتاغون): يستعرض فرامبتون نصوص المذكرات الأمريكية الصادرة بين عامي 2014 و2018، والتي أكدت وجود خلاف عميق بين واشنطن وحلفائها في المنطقة بشأن كيفية التعاطي مع الإخوان. وأوضحت التقارير الأمريكية أن محاولة تعميم الشيطنة واعتبار كافة فروع الحركة في الأردن وتونس واليمن منظمات إرهابية يُزعزع استقرار دول حليفة، ويعزل كتل مجتمعية ضخمة تُشكل جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي لهذه البلدان.

– ​تقديرات المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان): يرصد الفصل وثائق أمنية إسرائيلية اعتبرت أن “الامتداد الإقليمي للإخوان” يُشكل الخطر الأكثر تعقيداً على أمن الكيان الصهيوني؛ لأن الجماعة تعمل كـ “شبكة فكرية وثقافية عابرة للحدود” تحافظ على حيوية الوعي القومي بـ القضية الفلسطينية، وتمنع ترويض المجتمعات العربية للقبول بالتطبيع الكامل.

​هندسة العزل الإقليمي وصناعة المحاور..

​يُثبت هذا الفصل بالدليل الوثائقي أن عملية “الشيطنة” لم تكن مجرد صراع داخلي محلي في مصر، بل كانت إستراتيجية تصديرية عابرة للحدود تم توظيفها لهندسة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأكملها.

​لقد استغل العقل الصهيوني والأمريكي ملف الإخوان المسلمين لصناعة محاور واستقطابات إقليمية حادة، وتصنيف الدول العربية والإسلامية بين “مقبل بالسلام وساعٍ للاستقرار” وبين “راعٍ للإرهاب والراديكالية”.

وكان الهدف الإستراتيجي الأساسي من هذه الهندسة هو تفكيك العمل العربي المشترك، وإشغال الدول والمجتمعات العربية بصراعات أمنية وسياسية جانبية، للتعمية عن التهديد الصهيوني المستمر والمتمثل في توسيع الاستيطان وتصفية الوجود الفلسطيني.

​الفصل الثاني عشر: الخاتمة ومستقبل العلاقة (من الأرشيف إلى الأفق السياسي)..
(حصاد قرن من الاشتباك ورسائل العقل الغربي-الصهيوني)..

​يختتم الدكتور مارتن فرامبتون كتابه المرجعي بتركيب تحليلي شامل لحصاد قرن كامل من التفاعل والاشتباك بين الغرب وتيار الإخوان المسلمين، منذ تأسيس الجماعة عام 1928 حتى ختامات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

​يعتمد فرامبتون في هذه الخاتمة التجميعية على إعادة قراءة كافة الأدبيات والوثائق الاستخباراتية الواردة في الأرشيفات البريطانية والأمريكية والإسرائيلية، ليخلص إلى عدة نتائج إستراتيجية صريحة:

– ​استحالة المحو الفكري والمجتمعي: يؤكد فرامبتون في تحليله الوثائقي النهائي أن كافة محاولات الحظر، والشيطنة، والتصفية الأمنية التي تعرضت لها الجماعة عبر قرن من الزمان—سواء في عهد الاستعمار أو الأنظمة المتعاقبة—لم تستطع محو أو إنهاء هذا التيار. والسبب الوثائقي في ذلك هو أن الإخوان ليسوا مجرد تنظيم سياسي مغلق، بل هم “ظاهرة مجتمعية وفكرية متجذرة” في نسيج الطبقة المتوسطة والمؤسسات الحضرية والريفية العربية.

– ​فشل مقاربة “الأمننة الكلية”: يُثبت الكتاب أن الإصرار الإستراتيجي على التعاطي مع الإسلام السياسي من منظور “أمني واستئصالي” محض قد أثبت فشله؛ إذ إنه يُغذي أسباب الاستقطاب والتطرف، ويدمر التماسك الاجتماعي للدول، ويُعطل فرص التحول الديمقراطي والاستقرار الحقيقي في المنطقة.

​2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية :

– ​خلاصات أوراق التقييم الإستراتيجي بالخارجية الأمريكية ولندن: يورد فرامبتون خلاصات تقارير أمنية غربية متأخرة تؤكد أن اختزال تجربة التيار الإسلامي في “فزاعة الإرهاب” كان يهدف دوماً لخدمة أهداف سياسية تكتيكية، وأن العواصم الغربية تُدرك في وثائقها المغلقة أن هذا التيار يظل شريكاً حتمياً في أي معادلة استقرار واستقلال وطني مستقبلية بالشرق الأوسط.

– ​التقديرات الأمنية الصهيونية النهائية: يرصد الفصل الاعتراف الضمني في الأدبيات الاستخباراتية الإسرائيلية بأن “العقدة العقائدية” التي يحملها التيار الإسلامي تجاه الكيان الصهيوني ورفض التطبيع هي المكون الأكثر عصياناً على التفكيك أو الترويض، مما يجعل استمرار حث الأنظمة على الحظر والشيطنة خياراً إسرائيلياً دائمياً لإبقاء الجبهات العربية مريضة بالانقسام الداخلي.

​الحصاد والتوصية الوطنية..

​تُتوج خاتمة هذا الكتاب الأطروحة الأساسية لـدراستنا بكامل الأمانة العلمية والدليل الوثائقي الملموس. إن شهادة الأكاديمي الغربي الدكتور مارتن فرامبتون الصادرة عن جامعة هارفارد تُثبت لكل ذي عقل في مصر والعالم العربي أن:

– ​خطاب الكراهية والشيطنة فكرة شريرة ومصنوعة: إن تحويل الاختلاف السياسي والفكري مع التيار الإسلامي أو جماعة الإخوان المسلمين إلى “عداء وجودي واستئصال مطلق” لم يكن مصلحة وطنية يوماً، بل كان هندسة إستراتيجية رعتها الدوائر الصهيونية والأمريكية لتفكيك الجبهة الوطنية وتفتيت المجتمع.

– ​استنزاف القوى الوطنية لخدمة الاحتلال: إن إشغال الشعب والنخب في صراعات بينية، وتخوين أبناء الوطن لبعضهم البعض، حقق لإسرائيل أمنها الإستراتيجي بأقل التكاليف؛ حيث تحول مركز التهديد في الذهنية العامة من “الاحتلال الصهيوني التوسعي” إلى “أخيك في الوطن”.

– ​طريق التعافي الوطنية: إن الخروج من هذه الفخ الهندسي الإستراتيجي لا يكون إلا بجشجاعة التوافق الوطني، ووقف خطابات الشيطنة والكراهية المتبادلة، والعودة إلى المساحة الوطنية الجامعة التي تتسع لجميع أبناء مصر والعالم العربي على قاعدة المواطنة، ودولة القانون، وحرية الفكر، والاصطفاف لحماية قضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها الحق الفلسطيني.

—

كمال الجندي – كاتب
شيطنة الإخوان: هندسة صهيونية-أمريكية لتفكيك الوطن..
(مراجعة تحليلية لكتاب “الإخوان المسلمون والغرب” الصادر عن جامعة هارفارد)..

اترك تعليقا