شهادات حية لضحايا المذبحة اليابانية في ماليزيا

من أكثر صفحات الحرب العالمية الثانية قتامة

بين أمواج الشواطئ النائية ورماد القرى المحترقة، تقبع واحدة من أكثر صفحات الحرب العالمية الثانية قتامة في جنوب شرق آسيا؛ إنها مأساة “سوك تشينغ” لعام 1942. فبينما كان العالم يتابع صراع العمالقة، نفذ الجيش الإمبراطوري الياباني حملة تطهير عرقية وإبادة جماعية ممنهجة حصدت أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء في ماليزيا وسنغافورة تحت شعار “التطهير عبر التنظيف”. ورغم مرور أكثر من ثمانية عقود على ذاك الرعب، إلا أن هذه المذبحة لم تتحول إلى مجرد حبر على ورق التاريخ؛ بل لا تزال جرحاً حياً ونازفاً في الوجدان الماليزي، يغذيه صراع مستمر بين جيل يكافح لتوثيق شهادات الناجين الأخيرة قبل أن يغيبهم الموت، ومواقف سياسية يابانية تتردد بين الإنكار الدبلوماسي ورفض تقديم اعتذار قانوني وعادل يداوي آلام الماضي.

جرح لم يندمل:  الذاكرة الحية 

مرّ أكثر من ثمانية عقود، لكن سيو تشاو دي لا تزال تتذكر اليوم الذي استلقت فيه على الأرض بلا حراك وسط جثث القتلى، وقد منعها الخوف من فتح عينيها.

قالت سيو وهي الآن في التسعينيات من عمرها، وهي تستذكر المذبحة التي دمّرت قريتها خلال الاحتلال الياباني لملايا: “جدتي وشقيقاتي وعمتي وأمي — طعنهن جميعا الجنود اليابانيون حتى الموت”.

في 8 ديسمبر 1941، غزت القوات اليابانية ما كان يُعرف آنذاك بملايا، لتبدأ بذلك فترة احتلال ياباني استمرت ثلاث سنوات وثمانية أشهر. وخلال الاحتلال، نفذت القوات اليابانية مذابح “سوك تشينغ” الوحشية التي استهدفت المجتمع المحلي.

وفي 18 مارس 1942، نفذت القوات اليابانية مذبحة عشوائية في قرية يوي لانغ لانغ (جيلوندونغ) في مدينة تيتي بولاية نيغري سمبيلان، ثم أضرمت النار في القرية.

ووفقا لأرقام جمعها المجتمع الصيني المحلي، قُتل في ذلك اليوم 1474 مدنيا أعزل، ما جعلها المذبحة الأكثر دموية بحق المدنيين في يوم واحد خلال الاحتلال الياباني لملايا.

كانت سيو لا تزال طفلة آنذاك. وتتذكر أنه في ذلك اليوم، خدع الجنود اليابانيون سكان القرية ودفعوهم إلى التجمع في مدرسة عند مدخل القرية، قبل اقتيادهم بعيدا في مجموعات تضم كل منها أكثر من اثني عشر شخصا.

واقتيدت سيو، مع والدتها وجيرانها وآخرين، إلى منزل في القرية.

وقالت سيو: “كانت أمي راكعة عندما طعنوها. ارتمت فوقي لتحميني. وطعنني الجنود اليابانيون في ساقي، وضربوا رأس عمي بفأس”.

وفي أثناء حديثها، رفعت سيو ساق سروالها، لتكشف عن ندبة خلّفها هذا الهجوم الذي وقع قبل أكثر من ثمانية عقود.

واستطردت سيو في حديثها وقالت إنه بعد ذلك بوقت قصير، عاد بعض الجنود اليابانيين وأخذوا يحركون أكتاف سكان القرية الممددين على الأرض واحدا تلو الآخر، للتحقق مما إذا كان أي منهم لا يزال على قيد الحياة.

وتذكّرت سيو قائلة: “لم أجرؤ على التحرك أو فتح عيني”. وبينما ذهب الجنود لتفتيش منازل أخرى، ساعدتها امرأة مسنّة من المنزل المجاور على الفرار.

وأضافت: “بعد التفتيش، أضرم الجنود اليابانيون النار في المنازل مرة أخرى”. وسرعان ما اجتاحت النيران القرية بأكملها.

ولم تكن مذبحة يوي لانغ لانغ حادثة منفردة.

قال أونغ ليونغ كيت، وهو مؤرخ ماليزي من أصل صيني في ولاية نيغري سمبيلان: “كانت المجتمعات الصينية في أنحاء ملايا مرتبطة ارتباطا وثيقا بمقاومة الصين للعدوان الياباني. إن حملات جمع التبرعات والعروض الخيرية ومتطوعي نانيانغ الذين عادوا إلى الصين لدعم المجهود الحربي، كانت جميعها أمورا لفتت انتباه القوات اليابانية بشكل كبير”.

وأوضح أونغ أن القوات اليابانية نفذت حملات اعتقال جماعية ومذابح واسعة النطاق في سنغافورة وملايا، عُرفت باسم “الفرز” أو “سوك تشينغ”، واستهدفت بشكل رئيسي ذوي الأصول الصينية المشتبه في دعمهم أنشطة مناهضة لليابان.

وأضاف: “في الواقع، كان من بين الضحايا أيضا مسنّون ونساء وأطفال. بل كان من الممكن أن يصبح الناس أهدافا للمذابح لمجرد أنهم يعيشون في قرى اعتبرتها القوات اليابانية ‘مشبوهة’ “.

ووفقا للسجلات التاريخية، نفذت القوات اليابانية خلال مارس 1942 وحده أكثر من 20 مذبحة في أنحاء ولاية نيغري سمبيلان، قُتل فيها نحو 5000 شخص. وأشار باحثون في ماليزيا وسنغافورة إلى أن العدد الفعلي للقتلى ربما كان أكبر بسبب عدم وجود سجلات مكتوبة كاملة.

ولا تزال أهوال ما حدث قبل 84 عاما حاضرة بوضوح في ذاكرة سيو. لكنها قالت إن هذا الفصل من التاريخ ظل لفترة طويلة محطّ استخفاف أو حتى إنكار في اليابان.

وأضافت سيو: “طوال هذه السنوات، ومهما روينا القصة من مرات، يبدو أن ذلك لا يُحدِث أي فرق. يقول اليابانيون إنهم لم يقتلوا الناس في ملايا. إنهم يرفضون الاعتراف بذلك”.

وقد سردت سيو وناجون آخرون تجاربهم في مقابلات أُجريت معهم في مناسبات عديدة، في حين سافر بعض الناجين إلى اليابان للإدلاء بشهاداتهم بشأن الفظائع التي شهدوها.

وبالنسبة للمؤرخين، يُعد الحفاظ على مثل هذه الشهادات أمرا بالغ الأهمية، نظرا لتناقص أعداد الشهود الذين ما يزالون على قيد الحياة.

وقال تان تشي سنغ، المحاضر البارز في التاريخ بجامعة العلوم الماليزية: “يتعيّن على أي من الدول والمجتمعات أن يواجهوا بصدق حروب العدوان التي شنّوها في الماضي وما ألحقته تلك الحروب من أذى بالمدنيين”.

وأشار تان إلى أن “بيان موراياما” الصادر عن الحكومة اليابانية عام 1995 أعرب صراحة عن الندم وقدم اعتذارا عن الحكم الاستعماري الياباني والعدوان الياباني.

وأضاف تان: “السؤال هو إذا ما كان من الممكن أن تنعكس هذه المبادئ باستمرار وعلى المدى الطويل في تعليم التاريخ، وفي إتاحة الوصول إلى المحفوظات، وأثناء البحث في أحداث تاريخية محددة”.

وفي عام 1984، أنشأت قاعة الجمعية الصينية في ولاية نيغري سمبيلان لجنة لجمع المواد التاريخية المتعلقة بمعاناة المجتمع الصيني في نيغري سمبيلان خلال الاحتلال الياباني. ووثقت اللجنة روايات الناجين وعائلات الضحايا، وجمعتها في مجلد نُشر عام 1988.

وعندما سُئلت سيو عن رأيها في موقف اليابان تجاه هذا التاريخ، التزمت الصمت. واستقرت عيناها على نسخة من الكتاب.

وقالت سيو ببطء: “كل ما فيه صحيح. كل ما في هذا الكتاب هو الحقيقة. خذوا هذا الكتاب إلى طوكيو وأروهم إياه”.

الخلاصة: فصول الإبادة: مجازر الشواطئ وحرق القرى
اقترفت القوات اليابانية مجازر وحشية لا تزال تفاصيلها تدون في أرشيفات التاريخ الماليزي، ومن أبرزها:
إعدامات الشواطئ الجماعية: كان يُساق الضحايا إلى الشواطئ النائية (مثل شاطئ تشانغي)، ويربطون معاً في مجموعات، ثم تفتح عليهم نيران الرشاشات. ومن ينجو من الرصاص كان يُطعن بالحراب (الرواخي) ويُلقى في البحر.
مذبحة باريت سولونغ (ماليزيا): تعد من الأبشع في التاريخ العسكري؛ حيث تم أسر مئات الجنود الجرحى من القوات الحليفة (الـماليزية والأسترالية والهندية) وعُذبوا بطرق سادية، ثم أُطلق عليهم الرصاص وحُرقت جثثهم لإخفاء معالم الجريمة.
إبادة القرى الريفية: امتدت الحملة إلى الولايات الماليزية المختلفة (مثل نيغري سمبيلان وجوهر)، حيث كان الجنود اليابانيون يقتحمون القرى، ويغلقون الأبواب والنوافذ على السكان من نساء وأطفال وشيوخ، ثم يضرمون النار في البيوت ليحترق الجميع أحياء.
حصيلة الضحايا: تضارب الأرقام وضخامة الفاجعة
لا تزال الحصيلة الدقيقة للضحايا محل جدل تاريخي بسبب قيام الجيش الياباني بتدمير السجلات والوثائق قبل استسلامه في عام 1945. تشير السجلات اليابانية الرسمية وقتها إلى أن عدد القتلى كان حوالي 5,000 شخص، لكن المؤرخين وشهادات الناجين يؤكدون أن العدد الحقيقي يتراوح بين 25,000 إلى 50,000 ضحية في ماليزيا وسنغافورة، وثقوا في مقابر جماعية تم اكتشاف العديد منها لاحقاً بعد انتهاء الحرب.
في الختام، تظل مذبحة “سوك تشينغ” شاهداً حياً على أن الجروح التي تخلفها الحروب لا تندمل بمجرد توقيع معاهدات السلام أو استسلام الجناة. إن نضال الذاكرة الماليزية ضد النسيان، وإصرار المؤرخين على نبش المقابر الجماعية وتدوين روايات الناجين، ليس مجرد رغبة في تقليب مواجع الماضي، بل هو صرخة إنسانية تطالب بالعدالة والاعتراف التاريخي الكامل. وستبقى هذه المأساة درساً أبدياً للأجيال المتعاقبة، يذكرهم بأن السلام الحقيقي بين الأمم لا يُبنى على إنكار الفظائع أو تسويتها بالتعويضات المادية، بل بمواجهة التاريخ بشجاعة، والاعتذار الصادق للضحايا الذين ما زالت أرواحهم تنتظر إنصافاً لم يأتِ بعد.

اترك تعليقا