زيارة رئيس أقليم أرض الصومال الانفصالي لواشنطن ولماذا يبدو الاعتراف الأمريكي مستبعدا؟

أوراق مهمة بيد مقديشيو لإفشال مساعي عرو

الرائد..في توقيت بالغ الحساسية يشهد فيه الممر الملاحي الدولي الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر اضطرابات أمنية غير مسبوقة، يتوجه رئيس إقليم “أرض الصومال” الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله “عِرّو”، إلى الولايات المتحدة في زيارة هي الأولى له منذ توليه منصبه.

وتحمل هذه الجولة في طياتها ملفات معقدة تمس مباشرة الأمن القومي للقرن الإفريقي والشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد واشنطن للإقدام على خطوة قد تعصف بالاستقرار الهش في المنطقة.

ومن المهم الإشارة هنا إلي  أن زيارة عرو لواشنطن  تأتي مدفوعة برغبة هرجيسا في استثمار “أوراق القوة” الجديدة التي اكتسبتها في أعقاب اعتراف إسرائيل رسميًا بـ”أرض الصومال” وتسعي لتحقيق حزمةمن الأهداف .

البناء علي خطوة الاعتراف الإسرائيلي

وفي مقدمة هذه الأهداف يأتي سعى الإقليم الانفصالي إلى إقناع المشرعين في الكونجرس ومسؤولي الإدارة الأمريكية بالبناء على الخطوة الإسرائيلية لتفكيك العزلة الدولية المفروضة عليه منذ إعلان انفصاله الأحادي عام 1991.

وتتجاوز أهداف الزيارة مجرد المباحثات الدبلوماسية التقليدية؛ إذ يحمل رئيس الإقليم معه “عرضاً جيوسياسياً” مغرياً لواشنطن يتضمن:صفقة القواعد العسكرية حيث سيبدي  الاستعداد الكامل لاستضافة قواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في مدينة وميناء “بربرة” الاستراتيجي المطل على خليج عدن.

كما يسعي الإقليمي الانفصالي لتقديم نفسه كشريك  الإقليم كـ”شريك أمني موثوق” مقتدر على مكافحة الإرهاب والقرصنة وتأمين جنوب البحر الأحمر، على خلاف الحكومة المركزية في مقديشو التي يصفها الإقليم بالهشاشة.

وسيقدم عرو خلال الزيارة العديد من الصفقات في مجال المعادن الاستراتيجية والتعدين لصالح الشركات الأمريكي  مقابل الاعتراف الدبلوماسي.

وهنا يطرح تساؤل نفسه ويتمثل في إمكانية إقدام واشنطن على الاعتراف بالإقليم الانفصالي حيث تبرز الحسابات والمعادلات  للجم هذه الخطوة ، فعلى الرغم من تزايد الأصوات داخل بعض مراكز الأبحاث والأوساط السياسية الأمريكية التي ترى في الشراكة مع أرض الصومال “ضرورة جيوسياسية” لمواجهة النفوذ الإيراني والصيني وضمان أمن الإمدادات في ظل أزمة مضيق هرمز،

اعتراف أمريكي مستبعد

إلا أن خطوة الاعتراف الرسمي الأمريكي لا تزال مستبعدة في المدى القريب إذ تدرك واشنطن أن مغامرة الاعتراف الرسمي بالإقليم الانفصالي ستضرب الاستقرار الهش في مقتل؛ حيث  ستؤدي إلى تغذية النزاعات العرقية، وإضعاف جهود مكافحة حركة “الشباب” المسلحة، فضلاً عن فتح الباب أمام سيناريوهات تفتيت دول إفريقية أخرى، وهو ما يتعارض مع المبدأ المستقر للاتحاد الإفريقي بشأن احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار وبالتالي، يُتوقع أن تكتفي واشنطن بتعزيز “التعاون الأمني العملياتي غير المباشر” دون منح اعتراف قانوني صريح..

وفي هذا السياق يتردد الجدل حول رد فعل الحكومة الصومالية علي هذه التحركات حيث تتابع الحكومة الفيدرالية في مقديشيو هذه التحركات بقلق بالغ وغضب شديد، وتعتبر أي تعاطٍ دولي مع الإقليم كدولة مستقلة مساساً سافراً بسيادتها ووحدة أراضيها المعترف بها أممياً.

ومن المتوقع أن تبني الصومال ردها على عدة محاور:التصعيد الدبلوماسي: استدعاء السفراء، وتقديم احتجاجات رسمية لدى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، والتلويح بقطع العلاقات مع أي دولة تقدم على خطوة تمس وحدتها.

وستسعي الحكومة الصومالية كذلك الي  تفعيل التحالفات الإقليمية فضلا عن  تعزيز التنسيق العسكري والدبلوماسي مع حلفائها الإقليميين، لا سيما تركيا ومصر، لتثبيت السيادة الصومالية ومواجهة الأطماع الخارجية “مثل الاتفاق الإثيوبي السابق مع الإقليم”

.كما تلوح مقديشيو  بورقة المخاوف الأمنية حيث ستعمل علي التحذير من أن دفع الإقليم نحو الانفصال سيجبر مقديشو على مراجعة تفاهماتها الأمنية، مما قد يتيح مساحات أوسع للجماعات المتطرفة لتهديد السلم الإقليمي.

الموقف العربي والإسلامي

ومن هنا يجب التأكيد أن  مساعي أرض الصومال الانفصالية  لا تحظي بأي دعم حقيقي في الفضاءين العربي والإسلامي؛ بل على العكس، تقف الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية – وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا – في جبهة صلبة وموحدة تدعم بقوة وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية واستقلالها.

ويرجع هذا الرفض العربي والإسلامي الحاسم إلى عدة اعتبارات استراتيجية اهمها امن واستقرار البحر الأحمرإذ  ترى العواصم العربية أن إنشاء كيان انفصالي متحالف مع إسرائيل عند مدخل البحر الأحمر يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي واختراقاً خطيراً للعمق العربي.

ولا يمكن هنا تجاهل مبدأ وحدة الدول حيث  ترفض الدول الإسلامية الكبرى شرعنة الحركات الانفصالية لتجنب إشاعة الفوضى في النظام الإقليمي.التضامن الأخوي: يرتبط الصومال “العضو في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي” بعلاقات وطيدة ودعم تنموي وعسكري مستمر من هذه الدول لحماية مؤسساته الفيدرالية وتطهير أراضيه من الإرهاب

.لذا يمكن القول إن زيارة رئيس أرض الصومال لواشنطن  تأتي في إطار محاولة لتوظيف التوترات الدولية المستعرة في مياه المنطقة لصالح أجندة الانفصال، غير أن هذا الطموح يصطدم بجدار سميك من الرفض العربي والإسلامي، وحسابات أمريكية معقدة تخشى أن يكون ثمن الاعتراف هو تفجير شامل لمنطقة القرن الإفريقي برمته.

اترك تعليقا