حماية حقوق المرأة بين المواثيق الدولية والخصوصية الثقافية
حدود التوافق والاختلاف الاختبار الأهم
- abdelrahman
- 6 نوفمبر، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, الحياة الخاصة, الدين ومواجهة الانحرافات, حقوق المرأة, حماية المرأة من العنف
الرائد ..تتجاوز قضية حماية المرأة من العنف حدود النقاشات القانونية والاجتماعية، لتطرح تساؤلات أعمق تتعلق باختلاف المرجعيات الدينية والثقافية، وتباين الرؤى بشأن مفهوم الأسرة، وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وحدود تدخل المؤسسات في الحياة الخاصة.
وفي هذا الإطار، تكتسب المناقشات التي أجراها المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، بالتعاون مع المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان، أهمية خاصة؛ إذ لا تقتصر على بحث آليات حماية النساء والأطفال من العنف والانتهاكات، بل تمتد إلى قضية أكثر حساسية، تتمثل في كيفية التوفيق بين الالتزامات الحقوقية الدولية والخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع المصري.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين المبادئ الإنسانية المشتركة التي ترفض الظلم والاعتداء، وبين التصورات الاجتماعية والفلسفية التي قد تختلف من مجتمع إلى آخر، بما يضمن ألا تتحول جهود حماية المرأة إلى ساحة للصدام الثقافي أو فرض نموذج اجتماعي بعينه.
الإسلام والعنف.. تصحيح المفاهيم
تطرح بعض الخطابات الحقوقية الغربية تصورات تربط بين القيم الأسرية والدينية المحافظة واستمرار العنف ضد المرأة، مستندة في ذلك إلى قضايا مثل القوامة والطاعة الزوجية وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة، وأدوار كل من الرجل والمرأة.
غير أن هذا الربط، إذا اتخذ طابع التعميم، يفتقر إلى الموضوعية؛ فوجود ممارسات عنيفة داخل بعض المجتمعات المسلمة لا يعني أن الإسلام يمثل مصدرها أو يقرها، مثلما لا يجوز تحميل المسيحية أو الليبرالية مسؤولية كل ممارسة منحرفة تقع داخل المجتمعات الغربية.
فالتعاليم الإسلامية تؤكد كرامة الإنسان، وتقرر مبدأ المسؤولية والتكليف، وتدعو إلى إقامة العلاقة الزوجية على المودة والرحمة وحفظ الحقوق، مصداقًا لقوله تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، وقوله سبحانه: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
ومن ثم، لا يجوز اتخاذ مفاهيم القوامة أو المسؤولية الأسرية ذريعة للإيذاء أو الإهانة أو الاستبداد، كما لا يصح اختزال هذه المفاهيم في تفسيرات ثقافية تتجاهل طبيعة المرجعية الإسلامية ومقاصدها.
الدين و الانحرافات
لا يمكن إنكار وجود ممارسات خاطئة داخل بعض البيئات الأسرية في المجتمعات الإسلامية، تشمل العنف الجسدي والنفسي، والحرمان من الحقوق المالية، والإكراه، واستغلال السلطة داخل الأسرة، بل قد يلجأ البعض إلى تأويلات دينية غير منضبطة لتبرير هذه الانتهاكات.
لكن المعالجة العادلة تقتضي الفصل بين التعاليم الدينية والممارسات الاجتماعية، وبين النصوص ومختلف التفسيرات البشرية لها، حتى لا تتحول الأخطاء الفردية أو التقاليد الموروثة إلى اتهام شامل لمنظومة دينية وثقافية بأكملها.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن الخصوصية الثقافية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإنكار معاناة النساء أو التقليل من خطورة الاعتداءات الأسرية، أو حماية مرتكبيها تحت شعارات الحفاظ على الأسرة والمجتمع.
فكرامة المرأة وحقها في الأمان والحماية من الظلم ليستا محل مساومة، ولا يجوز أن تكون المرجعية الدينية أو الاجتماعية غطاءً لأي انتهاك.
النموذج الغربي ليس وصفة عالمية
من أبرز الإشكاليات التي ينبغي مناقشتها في المؤتمرات والحوارات الحقوقية الدولية افتراض أن تبني النموذج الاجتماعي الغربي يمثل الطريق الوحيد لتحقيق المساواة وحماية المرأة.
فالمجتمعات تختلف في تصوراتها للأسرة، وتوزيع المسؤوليات بين الزوجين، والعلاقة بين الحقوق الفردية والواجبات الأسرية، ولا يعني اختلاف هذه التصورات بالضرورة وجود انتقاص من حقوق المرأة أو كرامتها.
كما أن المجتمعات الغربية نفسها تواجه تحديات خطيرة تتعلق بالعنف الأسري والاعتداء الجنسي والاستغلال والاتجار بالبشر، وهو ما يؤكد أن امتلاك التشريعات الحديثة أو تبني الخطاب الحقوقي لا يكفي وحده لضمان الحماية الفعلية.
لذلك، ينبغي أن تستند المقارنات الدولية إلى معايير موضوعية، تشمل معدلات العنف، وفاعلية أجهزة العدالة، وسهولة وصول الضحايا إلى الحماية، وكفاءة مؤسسات الدعم، بدلًا من تصنيف المجتمعات وفق خلفياتها الدينية والثقافية أو افتراض تفوق نموذج اجتماعي على آخر بصورة مطلقة.
الأسرة ليست ساحة للصراع
إن حماية المرأة من العنف لا تعني بالضرورة تبني تصورات اجتماعية تقوم على تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها علاقة صراع وتنافس دائم على السلطة.
فالأسرة في التصور الإسلامي تقوم على السكن والمودة والرحمة، وعلى التكامل في المسؤوليات والتعاون في بناء الحياة المشتركة، مع حفظ الحقوق والواجبات المتبادلة.
ومن الخطأ استخدام شعار استقرار الأسرة لإجبار المرأة على تحمل الإيذاء أو الاستمرار في علاقة تعرضها للخطر، مثلما أنه ليس من الموضوعية اعتبار كل اختلاف في توزيع الأدوار والمسؤوليات الأسرية شكلًا من أشكال التمييز أو العنف.
والأولوية هنا يجب أن تكون لحماية الحقوق الفعلية، ودعم الإصلاح الأسري عندما يكون ممكنًا وآمنًا، والتدخل القانوني الحاسم عندما يقع الاعتداء أو تصبح حياة أحد أفراد الأسرة أو سلامته مهددة.
ماذا نريد من المؤسسات المصرية؟
وفي هذا السياق تحتاج مصر إلى مقاربة متوازنة في تعاملها مع المبادرات والبرامج الحقوقية الدولية، تقوم على الانفتاح على الخبرات العالمية، دون إغفال المرجعية الدينية والثقافية للمجتمع، ويمكن أن ترتكز على أربعة مسارات رئيسية:
- أولًا: الحماية الفعلية: توفير آليات آمنة للإبلاغ عن العنف، وضمان المساعدة القانونية والاجتماعية والنفسية للنساء والأطفال، وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية على التدخل الفعال.
- ثانيًا: الشراكة المجتمعية والدينية: إشراك المؤسسات الدينية وعلماء الشريعة والمتخصصين في شؤون الأسرة في إعداد برامج التوعية، بما يضمن اتساق السياسات الاجتماعية مع المرجعية الثقافية للمجتمع.
- ثالثًا: تصحيح المفاهيم: مواجهة التفسيرات والممارسات التي تُستخدم لتبرير الإيذاء أو الحرمان من الحقوق، مع التمييز الواضح بين الأحكام الشرعية والتقاليد الاجتماعية الخاطئة.
- رابعًا: الشفافية والتقييم: إخضاع البرامج والمشروعات الحقوقية لمعايير واضحة من التقييم والمراجعة، ونشر البيانات والدراسات المتعلقة بنتائجها، بما يسمح بقياس أثرها الحقيقي على حياة النساء والأطفال، بعيدًا عن التبني التلقائي لأي توصيات دولية دون دراسة مدى ملاءمتها للواقع المصري.
شراكة لا صدام
ومن هنا ، فإن الدفاع عن حقوق المرأة لا يتطلب التخلي عن القيم الإسلامية أو التنكر للخصوصية الثقافية، كما أن التمسك بالمرجعية الدينية لا يبرر الصمت عن العنف أو التساهل مع انتهاك الحقوق.
فالمعيار الحقيقي لأي سياسة حقوقية هو قدرتها على حماية كرامة المرأة، وصون حقها في الأمان والعدالة، ومواجهة الظلم داخل الأسرة وخارجها، دون تحويل الاختلافات الثقافية والدينية إلى مبرر للتمييز أو الإقصاء.
ومن هنا، فإن الحوار بين المؤسسات المصرية والدولية ينبغي أن يقوم على الشراكة المتكافئة وتبادل الخبرات، لا على افتراض امتلاك طرف واحد الحقيقة المطلقة أو حق فرض تصوره على الآخرين.
فالمطلوب ليس الاختيار بين حماية المرأة واحترام الخصوصية الثقافية، وإنما بناء معادلة عادلة تجمع بينهما، وتؤكد أن مكافحة العنف مسؤولية إنسانية ومجتمعية مشتركة، وأن احترام التنوع الثقافي لا يتعارض مع حماية الحقوق، بل ينبغي أن يكون جزءًا من الطريق إلى تحقيقها.