جنوب لبنان يدخل موجة نزوح جديدة تُهجّر آلاف العائلات

وسط ظروف معيشية بالغة القسوة

الرائد// مع تجدد القصف واتساع رقعة الاستهداف، يدخل جنوب لبنان موجة نزوح جديدة تُهجّر آلاف العائلات من بلداتها وقراها تحت وطأة النيران، ليعيد المشهد الإنساني المأساوي فرض نفسه كعنوان أبرز للأزمة الراهنة وسط ظروف معيشية بالغة القسوة.

عاد النزوح إلى بلدات جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، في تطور يهدد بإعادة إنتاج أزمة نزوح واسعة في منطقة لم تتعافَ بعد من موجات القتال السابقة. وأفادت تقارير اليوم الاثنين بأن عائلات غادرت عدداً من البلدات الجنوبية مع استمرار الغارات والاستهدافات.

وتكتسب التطورات أهميتها من كونها لا تتعلق بحادث أمني منفرد، بل بمسار ميداني متصاعد يضغط مباشرة على السكان المدنيين ويعيد الجنوب إلى دائرة عدم الاستقرار.

وتشير المعطيات المنشورة اليوم إلى استمرار عمليات تجريف وإحراق للمنازل في مناطق جنوبية، بالتزامن مع استعداد إسرائيلي لاحتمال استمرار التصعيد أو العودة إلى عمليات عسكرية أوسع.

ويضع ذلك الحكومة اللبنانية أمام مشكلة تتجاوز الجانب الأمني. فعودة النزوح تعني أعباء جديدة على البلديات والمرافق الصحية والاجتماعية، في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية عميقة.

كما أن تكرار النزوح يضرب أي محاولة لإعادة الحياة الاقتصادية إلى الجنوب. فالزراعة والتجارة والخدمات المحلية تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار حتى يستطيع السكان العودة والاستثمار وإعادة بناء منازلهم ومصالحهم.

والأخطر أن النزوح المتجدد قد يتحول إلى حالة طويلة الأمد إذا لم تتوافر ضمانات أمنية تسمح للسكان بالعودة. وهذا يرفع تكلفة الأزمة على الدولة اللبنانية والمجتمع المحلي، ويزيد الحاجة إلى المساعدات الخارجية.

سياسياً، يكشف التصعيد أيضاً هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة. فغياب آلية قادرة على منع تجدد العمليات العسكرية يجعل أي تهدئة معرضة للانهيار عند أول تصعيد.

وتزداد حساسية الوضع لأن لبنان يحاول في الوقت نفسه تعزيز سلطة الدولة على الجنوب وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الرسمية، بينما ترى إسرائيل أن استمرار وجود قدرات مسلحة لحزب الله يمثل تهديداً لأمنها.

وبذلك يجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى بين مسارين متعارضين: مشروع لبناني لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وحسابات أمنية إسرائيلية مرتبطة بقدرات حزب الله، في حين يبقى السكان الحلقة الأضعف في المعادلة.

ولا يمكن اعتبار موجة النزوح الحالية مجرد نتيجة جانبية للصراع. فهي أصبحت عاملاً سياسياً واقتصادياً بحد ذاته، لأن استمرارها يمكن أن يغير التركيبة السكانية والاقتصادية في قرى الجنوب ويؤخر إعادة الإعمار.

والتطور الأخطر خلال الأيام المقبلة سيكون حجم المناطق التي ستتوسع إليها عمليات الإخلاء، وما إذا كانت ستبقى محدودة أم تتحول إلى نزوح واسع النطاق.

أما بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية، فالتحدي العاجل هو حماية المدنيين وتأمين مراكز استقبال ومساعدات، بالتوازي مع الضغط الدبلوماسي لمنع تحول التصعيد إلى مواجهة مفتوحة.

وتؤكد أحداث اليوم أن المشكلة الجنوبية لم تعد مجرد ملف حدودي، وإنما أصبحت اختباراً لقدرة لبنان على حماية سكانه واستعادة الاستقرار في منطقة تدفع منذ سنوات ثمناً باهظاً للصراعات الإقليمية.

المصدر:

صحيفة «الشرق الأوسط»

اترك تعليقا