جنازة ملاديتش.. جراح البوسنة تعود
جيل لم يعش الحرب لكنه يعيش نتائجها
- السيد التيجاني
- 7 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أوروبا, الاتحاد الأوروبي بلغراد, البوسنة, جنازة ملاديتش
لم تكن جنازة الجنرال الصربي البوسني راتكو ملاديتش، التي شهدتها بلغراد اليوم الإثنين 7 سبتمبر 2026، مجرد مراسم لدفن قائد عسكري سابق توفي أثناء قضائه حكماً بالسجن المؤبد. فقد تحولت المشاركة الواسعة ومظاهر التكريم العسكري إلى اختبار جديد لعلاقة صربيا بماضي حرب البوسنة، وأعادت إلى الواجهة جراح مسلمي البوسنة، كما فتحت مواجهة سياسية جديدة بين بلغراد والاتحاد الأوروبي.
وشيّع آلاف الأشخاص ملاديتش في العاصمة الصربية، وسط حضور شخصيات سياسية ومسؤولين وممثلين عن المؤسسة العسكرية والمحاربين القدامى، فيما أثارت مراسم التكريم ردود فعل غاضبة من أسر ضحايا الحرب ومسؤولي الاتحاد الأوروبي. وبحسب رويترز، فإن الجنازة كشفت استمرار الانقسام العميق في منطقة البلقان حول إرث حروب التسعينيات، بين من يعتبر ملاديتش بطلاً قومياً ومن يراه رمزاً للإبادة الجماعية وجرائم الحرب.
جنازة رجل أدين بالإبادة
تكتسب مراسم الدفن حساسيتها من شخصية ملاديتش نفسه. فقد أدانته المحكمة الدولية بارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بسبب دوره في مجزرة سربرنيتسا عام 1995 وحصار سراييفو وغيرها من الجرائم خلال حرب البوسنة.
وفي سربرنيتسا قُتل أكثر من 8 آلاف رجل وصبي من مسلمي البوسنة، في واحدة من أسوأ المجازر التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. أما حصار سراييفو، فقد امتد سنوات وترك آلاف الضحايا من المدنيين.
وتوفي ملاديتش في لاهاي أواخر أغسطس الماضي أثناء قضائه عقوبة السجن المؤبد. لكن موته لم يغلق ملفه السياسي أو التاريخي، بل بدا أن عودة جثمانه إلى صربيا أعادت فتح كل الملفات التي حاولت المنطقة تجاوزها منذ انتهاء الحرب.
ووفق وكالة أسوشيتد برس، فإن مراسم الدفن تضمنت مظاهر تكريم وحضوراً واسعاً، فيما بقي ملاديتش بالنسبة إلى قطاعات من القوميين الصرب شخصية تحظى بمكانة رمزية، رغم إدانته أمام المحكمة الدولية.
مسلمو البوسنة.. جرح لم يتحول إلى ذاكرة بعيدة
بالنسبة إلى أسر ضحايا سربرنيتسا، لم تكن جنازة ملاديتش حدثاً يتعلق بالماضي. فالصور التي أظهرت الحشود والرموز العسكرية أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤلماً: كيف يمكن بناء مصالحة حقيقية بينما لا يزال الرجل المسؤول عن قتل آلاف المسلمين يُحتفى به لدى جزء من المجتمع السياسي والقومي؟
وترى مجموعات تمثل أسر الضحايا، وبينها أمهات سربرنيتسا، أن المشكلة لا تتوقف عند حق عائلة ملاديتش في دفنه، وإنما في تحويل المناسبة إلى حدث سياسي ورمزي يمنح شرعية جديدة لرواية تنكر أو تقلل من حجم الجرائم.
وبحسب أسوشيتد برس، أدانت مجموعات الضحايا مظاهر تمجيد ملاديتش، واعتبرت أن الاحتفاء بشخص أدين بالإبادة يمثل إهانة للضحايا، بينما طالبت باتخاذ موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه تمجيد مجرمي الحرب.
وهنا تظهر إحدى أكبر التحديات التي تواجه البوسنة اليوم: فالضحايا لا يطالبون فقط بإحياء ذكراهم، بل أيضاً بالاعتراف المشترك بما حدث.
معركة الرواية
بعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية الحرب، لا تزال البوسنة والبلقان تعيشان انقساماً حاداً حول تفسير التاريخ.
بالنسبة إلى البوشناق المسلمين، تمثل سربرنيتسا جريمة إبادة ثبتت قضائياً وتاريخياً. أما بعض التيارات القومية الصربية، فتقدم ملاديتش باعتباره قائداً عسكرياً دافع عن الصرب خلال الحرب، وتنتقد المحاكم الدولية باعتبارها تعاملت مع أطراف النزاع بمعايير غير متساوية.
لكن هذا الانقسام، وفق خبراء ومراقبين، هو أحد أهم أسباب فشل المصالحة الكاملة في البوسنة.
ويشير تقرير فايننشال تايمز إلى أن خبراء يشددون على ضرورة عدم التعامل مع مظاهر التأييد لملاديتش باعتبارها موقفاً لكل المجتمع الصربي، إذ توجد قطاعات واسعة داخل صربيا ترفض تمجيد جرائم الحرب وتنتقد تحويل المدانين بجرائم دولية إلى رموز وطنية.
وهذه نقطة أساسية في فهم المشهد؛ فالتغطية التي تضع المجتمع الصربي كله في خانة واحدة لا تخدم الحقيقة ولا المصالحة. آلاف المشيعين لا يمثلون بالضرورة ملايين المواطنين، كما أن المجتمع الصربي نفسه يشهد انقسامات سياسية وفكرية حول إرث الحرب.
النخب السياسية واستخدام ذاكرة الحرب
يرى محللون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الانقسام الشعبي، وإنما في قدرة النخب السياسية على استثمار ذاكرة الحرب.
ففي البلقان، لا تزال الهوية القومية أداة سياسية فعالة. ويمكن لذكرى الحرب أن تتحول بسرعة إلى وسيلة لحشد الناخبين أو تعزيز الشرعية أو توجيه الأنظار بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والسياسية.
وبحسب فايننشال تايمز، فإن حضور مسؤولين بارزين وشخصيات سياسية الجنازة منح الحدث بعداً يتجاوز الطابع العائلي أو الديني، وأثار نقاشاً حول حدود العلاقة بين الدولة ومظاهر تمجيد شخص أدين بجرائم حرب.
ويزداد هذا العامل أهمية في ظل التطورات السياسية الحالية في صربيا، حيث طلبت الحكومة اليوم حل البرلمان تمهيداً لانتخابات مبكرة، ما يجعل الخطاب القومي والرموز التاريخية أكثر حساسية في المنافسة السياسية المقبلة.
فوتشيتش بين القوميين وأوروبا
يواجه الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش معادلة سياسية معقدة.
فمن ناحية، يحتاج إلى الحفاظ على علاقاته مع التيارات القومية المؤثرة داخل المجتمع الصربي، ومن ناحية أخرى، تسعى بلغراد إلى الحفاظ على مسارها نحو الاتحاد الأوروبي.
وبحسب التقارير، حاول فوتشيتش النأي بنفسه شخصياً عن حضور الجنازة، لكنه لم يمنع تقديم الدعم اللوجستي الرسمي لنقل الجثمان وإقامة مراسم واسعة، وهو ما جعل منتقديه في أوروبا يعتبرون أن الدولة لم تحافظ على مسافة واضحة من الحدث.
وهذا التوازن بين الداخل القومي والخارج الأوروبي قد يصبح أكثر صعوبة في الفترة المقبلة.
مارتا كوس ترسل رسالة أوروبية حادة
أقوى رد أوروبي جاء من مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس، التي ألغت زيارة كانت مقررة إلى صربيا احتجاجاً على ما وصفته بتمجيد ملاديتش.
وأكدت كوس أن الطريق نحو الاتحاد الأوروبي يتطلب مواجهة الماضي، ومصالحة حقيقية، واحترام ضحايا جرائم الحرب، معتبرة أن الاحتفاء بشخص أدين بالإبادة وجرائم الحرب يتعارض مع القيم التي يقوم عليها المسار الأوروبي.
ولا يمثل إلغاء الزيارة مجرد احتجاج رمزي.
فمارتا كوس مسؤولة عن ملف توسع الاتحاد الأوروبي، وصربيا دولة مرشحة للعضوية. ولذلك فإن رسالتها تعني أن ملف الذاكرة وجرائم الحرب أصبح مرتبطاً مباشرة بالمستقبل السياسي الأوروبي لبلغراد.
هل تتحول الجنازة إلى عقوبة سياسية؟
لا يتوقع مراقبون أن يؤدي الحدث وحده إلى إنهاء مسار صربيا نحو الاتحاد الأوروبي، لكنه قد يزيد من تعقيد علاقة بلغراد ببروكسل.
فالانضمام إلى الاتحاد لا يعتمد فقط على الإصلاحات الاقتصادية أو تحديث القوانين، بل يرتبط أيضاً بالديمقراطية وسيادة القانون والعلاقات الإقليمية والمصالحة.
ولهذا فإن السؤال الأوروبي أصبح أكثر وضوحاً: كيف يمكن لدولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد أن تتقدم في مسار المصالحة بينما تشهد عاصمتها مظاهر تكريم لرجل أدين بالإبادة الجماعية؟
وبحسب رويترز، فإن إلغاء زيارة كوس جاء في ظل اعتراض أوروبي واضح على مظاهر التكريم التي صاحبت إعادة جثمان ملاديتش إلى بلغراد.
روسيا والبوسنة.. أبعاد تتجاوز الجنازة
كما أن حضور شخصيات مرتبطة بقيادة صرب البوسنة والسفير الروسي منح المناسبة أبعاداً سياسية إضافية.
فالبوسنة نفسها لا تزال تعيش حالة من الهشاشة السياسية، بينما تواصل قيادة جمهورية صرب البوسنة استخدام خطاب قومي قوي، ما يجعل أي حدث يتعلق بملاديتش قابلاً للتحول إلى أزمة إقليمية.
أما روسيا، فتحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطاعات سياسية وقومية في صربيا وجمهورية صرب البوسنة، ولذلك يُنظر إلى الحضور الروسي في مثل هذه المناسبات في إطار أوسع يتعلق بالمنافسة السياسية بين موسكو والاتحاد الأوروبي في منطقة البلقان.
اتفاق دايتون أوقف الحرب لكنه لم ينهِ الصراع على التاريخ
عندما وُقعت اتفاقية دايتون عام 1995، نجحت في وقف الحرب، لكنها لم تنجح في خلق رواية وطنية مشتركة.
فالنظام السياسي البوسني بُني على توازن بين البوشناق والكروات والصرب، وهو ما ساعد في منع عودة الحرب، لكنه أبقى الانقسام القومي جزءاً أساسياً من الحياة السياسية.
ولهذا، بعد مرور 31 عاماً على نهاية الحرب، لا تزال المدارس ووسائل الإعلام والسياسة تحمل روايات مختلفة حول ما حدث.
وهنا يرى كثير من الباحثين أن البوسنة تواجه مشكلة تتجاوز العدالة القضائية.
فالمحاكم تستطيع إدانة الأفراد، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير الذاكرة الجماعية.
جيل لم يعش الحرب لكنه يعيش نتائجها
أحد أكبر التحديات يتمثل في الأجيال الجديدة.
كثير من الشباب في البوسنة لم يشهدوا الحرب، لكنهم تربوا داخل مجتمعات ما زالت منقسمة حولها. أبناء وأحفاد الضحايا يحملون روايات أسرهم عن الحصار والقتل والتهجير، بينما ينشأ شباب آخرون داخل بيئات تقدم روايات مختلفة تماماً.
ولهذا فإن معركة الذاكرة أصبحت تدور في:
المدارس والمناهج التعليمية.
وسائل الإعلام.
الخطاب السياسي.
شبكات التواصل الاجتماعي.
النصب التذكارية والمناسبات العامة.
وهذا ما يجعل جنازة ملاديتش أكثر من حدث سياسي عابر، لأنها تقدم للأجيال الجديدة صورة جديدة عن كيفية تعامل المجتمع والدولة مع شخصية أدانتها محكمة دولية.
أوروبا وصعود القومية.. توقيت يزيد المخاوف
تأتي قضية ملاديتش في توقيت حساس لأوروبا.
فالقارة تشهد صعوداً ملحوظاً لليمين والقوميات المتشددة، وحقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج تاريخية في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، الأمر الذي أثار قلقاً واسعاً في ألمانيا وأوروبا بشأن عودة الخطابات القومية المتطرفة إلى الواجهة السياسية.
ولا يعني ذلك وجود علاقة مباشرة بين حزب ألماني وملاديتش، لكن السياق الأوروبي العام يفسر حساسية رد الفعل.
فأوروبا التي بنت جزءاً كبيراً من مشروعها السياسي على تجاوز الحروب القومية والعرقية تجد نفسها اليوم أمام عودة أسئلة الهوية والقومية والذاكرة.
ومن هنا، يصبح تمجيد قائد أدين بالإبادة في قلب دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قضية تتجاوز حدود البلقان.
ما الذي يقوله الخبراء؟
يمكن تلخيص أبرز قراءات الخبراء والمراقبين للمشهد في ثلاث نقاط:
أولاً: لا تعميم على المجتمع الصربي.
فوجود آلاف في الجنازة لا يعني أن كل الصرب يؤيدون تمجيد ملاديتش. وبحسب فايننشال تايمز، هناك أصوات صربية معارضة ترى أن مجرمي الحرب لا ينبغي أن يتحولوا إلى قدوة وطنية.
ثانياً: المشكلة سياسية أكثر من كونها جنائزية.
فدفن ملاديتش بحد ذاته ليس القضية الأساسية، وإنما حجم الرمزية الرسمية والعسكرية والسياسية التي صاحبت الحدث.
ثالثاً: المصالحة تحتاج إلى اعتراف مشترك.
وهذا ربما يكون التحدي الأصعب. إذ لا يمكن للمصالحة أن تتقدم بسهولة بينما لا يزال طرف يرى شخصاً مجرم حرب، ويراه طرف آخر بطلاً قومياً.
التحدي الأكبر أمام مسلمي البوسنة
بالنسبة إلى مسلمي البوسنة، فإن القضية ليست فقط الحفاظ على ذكرى سربرنيتسا.
التحدي الحقيقي هو منع تحول مرور الزمن إلى وسيلة لتخفيف مسؤولية التاريخ.
فكلما ابتعدت الحرب زمنياً، يصبح هناك خطر من إعادة تفسير الأحداث سياسياً، أو تقديم المسؤولين عنها باعتبارهم شخصيات وطنية بعيداً عن أحكام المحاكم وحقائق الجرائم.
ولهذا تواصل أسر الضحايا الدفاع عن الذاكرة باعتبارها جزءاً من العدالة.
لكن هذه المهمة أصبحت أكثر صعوبة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر روايات إنكار الإبادة والمعلومات المضللة بسرعة، وتصل إلى أجيال لم تشهد الحرب.
بين قبر ملاديتش ومقابر سربرنيتسا
ربما تكمن الصورة الأوضح للأزمة في المفارقة بين مكانين.
في بلغراد، تجمع الآلاف لوداع رجل ما زال كثيرون يرونه بطلاً.
وفي سربرنيتسا، لا تزال عائلات تبحث عن رفات ضحايا الحرب وتحيي ذكراهم عاماً بعد عام.
وبين المكانين تقع مشكلة البلقان الحقيقية: ليس فقط ما حدث، وإنما عدم الاتفاق حتى اليوم على كيفية تذكر ما حدث.
مستقبل العلاقة مع أوروبا
من المرجح أن تستمر تداعيات جنازة ملاديتش في العلاقة بين صربيا والاتحاد الأوروبي خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع إلغاء زيارة مفوضة التوسع الأوروبية.
وقد تستخدم بروكسل الحادثة للتأكيد على أن الطريق الأوروبي لا يتعلق فقط بالاقتصاد والقوانين، وإنما أيضاً بالقدرة على مواجهة الماضي.
أما في البوسنة، فمن المرجح أن تعيد الجنازة تنشيط النقاش حول سربرنيتسا والمناهج التعليمية والذاكرة الجماعية ومكافحة إنكار جرائم الحرب.
وفي النهاية، تكشف جنازة راتكو ملاديتش حقيقة صعبة: إيقاف الحرب لا يعني بالضرورة انتهاءها في الذاكرة.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زال مسلمو البوسنة يحملون آثار المجازر، وما زالت المجتمعات المختلفة تتصارع على رواية التاريخ، بينما تواجه أوروبا سؤالاً جديداً حول قدرتها على حماية قيم المصالحة في زمن عودة القومية.
وبحسب رويترز، ووكالة أسوشيتد برس، وفايننشال تايمز، فإن جنازة ملاديتش لم تغلق فصلاً من تاريخ البلقان، بل أعادت فتح واحد من أكثر فصوله إيلاماً، وأثبتت أن العدالة القضائية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لإنهاء حرب تستمر آثارها في السياسة والذاكرة والهوية.