تَعِزّ تتحول إلى بؤرة نزوح ومواجهة إنسانية في اليمن

مع تصاعد المواجهات العسكرية على عدة جبهات

تتسع الأزمة الإنسانية في اليمن مع تصاعد المواجهات العسكرية على عدة جبهات، وارتفاع أعداد النازحين إلى أكثر من 280 ألف شخص خلال موجة التصعيد الأخيرة، وسط تحذيرات أممية من أن الطرق المغلقة والمخاطر الأمنية أصبحت تمنع وصول المساعدات إلى أعداد كبيرة من المدنيين.
وفي تطور يعكس اتساع الأزمة، حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان صدر الجمعة 30 أكتوبر، من تدهور أوضاع أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء يقيمون في اليمن، معظمهم من الصومال وإثيوبيا والسودان، بالتزامن مع تراجع التمويل الإنساني وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.
وتكتسب التطورات أهمية إضافية لأن اليمن لم يعد يواجه أزمة نزوح داخلية فقط، بل أصبح أيضاً بلداً يستقبل لاجئين من القرن الأفريقي، بينما يضطر بعض سكانه واللاجئين الموجودين فيه إلى البحث عن ملاذات جديدة خارج البلاد.
أولاً:  تَعِزّ تتحمل النصيب الأكبر من النزوح
تتركز المواجهات في مناطق غرب وجنوب تعز، إلى جانب جبهات الساحل الغربي ولحج والحديدة.
ووفق تحديث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 180,312 شخصاً نزحوا بين الأول من أغسطس والثالث من أكتوبر، قبل أن تتواصل موجات النزوح خلال الأسابيع التالية.
وتشير بيانات التتبع إلى أن تعز تستضيف النسبة الأكبر من النازحين، تليها لحج وعدن.
وتواجه الأسر النازحة صعوبات في الوصول إلى الغذاء والمياه والمأوى، بينما تعاني الطرق الرئيسية من الإغلاق أو المخاطر الأمنية.
والأخطر أن بعض الأسر اضطرت إلى النزوح مرة ثانية بعد أن كانت قد استقرت في مناطق استقبال سابقة.
ثانياً: المستشفيات تقترب من نقطة الانهيار
في تقرير نشرته رويترز يوم 29 أكتوبر، تناولت الوكالة أوضاع المستشفيات في تعز، مشيرة إلى نقص الأدوية والأكسجين والوقود ومواد التخدير، مع ارتفاع أعداد المصابين جراء المعارك.
ونقلت عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المستشفيات تعاملت مع ما يصل إلى 700 مصاب من ضحايا الحرب خلال أسبوع واحد.
كما أشار التقرير إلى أن أكثر من 40% من المنشآت الصحية اليمنية كانت مغلقة أو تعمل بصورة جزئية قبل موجة التصعيد الأخيرة.
ومن الشهادات الإنسانية التي أوردها التقرير حالة أمل الصبري، وهي امرأة حامل أصيبت بطلق ناري في العمود الفقري أثناء وجودها في منزلها، وأصبح التدخل الجراحي محفوفاً بالمخاطر على جنينها.
وتكشف هذه الشهادة أن آثار الحرب لا تقتصر على القتلى والجرحى، بل تمتد إلى النساء الحوامل والأطفال والمرضى الذين تتعطل فرص علاجهم بسبب إغلاق الطرق ونقص الإمكانات.
ثالثاً: المفوضية تحذر من أزمة اللاجئين الأفارقة
في إحاطة صحفية بجنيف يوم 30 أكتوبر، قال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن يواجهون ظروفاً متدهورة بسبب تصاعد القتال والانهيار الاقتصادي ونقص الموارد وصعوبة الوصول الإنساني.
وأشار إلى أن مخيم خرز في محافظة لحج، الذي يستضيف نحو 9500 لاجئ من الصومال وإثيوبيا، تأثر بالقصف القريب وقيود الحركة، ما أدى إلى تعطيل بعض الخدمات.
كما أوضح أن المدارس والخدمات القانونية وخدمات استخراج الوثائق توقفت في بعض المواقع، بينما استمرت المساعدات الغذائية والصحية والمياه بجهود مشتركة مع السلطات المحلية.
وأضاف أن المفوضية لم تحصل سوى على 19% من التمويل المطلوب لعملياتها في اليمن لعام 2026، البالغ 194 مليون دولار.
وهنا تظهر مشكلة تتجاوز النزوح اليمني: فالمهاجرون واللاجئون الذين وصلوا إلى اليمن بحثاً عن الأمان أصبحوا معرضين لمخاطر الحرب نفسها، بينما لا تتوافر لهم بالضرورة شبكات حماية أو موارد تسمح لهم بمغادرة مناطق الخطر.
رابعاً: الطرق البحرية تتحول إلى مسارات خطرة
رغم تصاعد القتال، لم تتوقف حركة الهجرة من القرن الأفريقي إلى اليمن.
ووفق المفوضية، وصل أكثر من 134 ألف مهاجر وطالب لجوء عبر البحر إلى اليمن خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بزيادة تقارب 22% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.
وفي المقابل، عبر نحو 4200 شخص البحر إلى جيبوتي والصومال هرباً من اليمن منذ سبتمبر.
كما أفادت المفوضية بأن 139 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم في أكتوبر أثناء محاولتهم الوصول إلى اليمن عبر البحر قبالة سواحل جيبوتي.
ويكشف ذلك عن مفارقة إنسانية: أشخاص يهربون من الحروب والفقر في القرن الأفريقي إلى اليمن، ثم يجدون أنفسهم في بلد يعاني حرباً وانهياراً اقتصادياً، ليضطر بعضهم إلى محاولة العودة أو مواصلة الرحلة في ظروف أشد خطورة.
خامساً: ماذا تقول الأطراف السياسية عن التصعيد؟
في إحاطته أمام مجلس الأمن يوم 9 أكتوبر، قال المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إن البلاد عادت إلى حرب واسعة النطاق، وإن المواجهات امتدت إلى عدة جبهات.
وأشار إلى تقدم قوات أنصار الله على الساحل الغربي باتجاه المخا ومناطق باب المندب، وإلى إطلاق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عملية عسكرية مضادة قالت إنها استعادت خلالها مواقع في المنطقة.
وشدد غروندبرغ على أن استمرار التصعيد العسكري يهدد فرص التسوية السياسية ويزيد المخاطر على المدنيين والممرات البحرية. 
ومن المهم هنا التمييز بين الموقفين:
•الحكومة اليمنية والقوات الموالية لها تقدم عملياتها باعتبارها استعادة للمناطق التي سيطرت عليها قوات أنصار الله.
•أنصار الله تقدم تحركاتها العسكرية باعتبارها جزءاً من مواجهة القوات الحكومية والتحالفات الداعمة لها.
لكن الروايات العسكرية الصادرة عن الأطراف المتحاربة لا تكفي وحدها لإثبات السيطرة النهائية على المناطق المتنازع عليها، ولذلك ينبغي الاستناد إلى تقارير مستقلة وميدانية للتحقق من التغيرات على الأرض.
سادساً: المخاوف الإقليمية تتجاوز الحدود اليمنية
تكتسب المعارك في الساحل الغربي أهمية استراتيجية بسبب قربها من مضيق باب المندب، الذي يمثل ممراً رئيسياً للتجارة الدولية ونقل الطاقة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار القتال في هذه المنطقة قد يزيد مخاطر الملاحة ويؤثر على وصول المساعدات والسلع إلى اليمن.
كما أن امتداد المواجهات إلى مناطق قريبة من الحدود السعودية يضيف بعداً أمنياً إقليمياً للأزمة.
لكن لا ينبغي اختزال الصراع اليمني في أمن الملاحة أو المواجهة الإقليمية؛ فهناك ملايين المدنيين الذين تتأثر حياتهم مباشرة بإغلاق الطرق وتعطل المستشفيات وارتفاع أسعار الغذاء والوقود.
سابعاً: قراءة متوازنة لمواقف الخبراء والمنظمات
يمكن استخلاص ثلاث قراءات مختلفة من المواقف والتقارير المنشورة:
القراءة الإنسانية:
المفوضية السامية للاجئين ترى أن استمرار القتال، مع ضعف التمويل وتقييد الوصول، يهدد حياة النازحين واللاجئين معاً. وتطالب بفتح الطرق وتأمين وصول المساعدات.
القراءة السياسية:
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ يحذر من أن اتساع العمليات العسكرية يعقد فرص العودة إلى العملية السياسية، وأن معالجة الصراع تحتاج إلى دعم إقليمي ودولي منسق.
القراءة الميدانية:
بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية وتقارير الصليب الأحمر تكشف أن تعز أصبحت مركزاً للضغط على الخدمات الطبية والإنسانية، وأن استمرار المعارك يؤدي إلى موجات نزوح جديدة حتى بين أسر سبق أن نزحت.
وتتفق هذه القراءات على أن وقف التصعيد شرط أساسي لتحسين الوضع الإنساني، لكنها تختلف في طبيعة المعالجة المطلوبة: وقف العمليات العسكرية، وفتح الطرق، وضمان التمويل، وتوفير ضمانات للوصول الإنساني.
ثامناً: ما الذي ينتظر اليمن؟
هناك أربعة ملفات تستحق المتابعة خلال الأسابيع المقبلة:
1.تطورات السيطرة العسكرية على جبهات تعز والساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب.
2.قدرة المستشفيات على مواصلة العمل مع نقص الوقود والأدوية والأكسجين.
3.تحرك الدول المانحة لتعويض النقص الكبير في تمويل المفوضية والعمليات الإنسانية.
4.مصير اللاجئين والنازحين الذين يحاولون مغادرة مناطق القتال، ومدى قدرة جيبوتي والصومال على استقبال موجات جديدة.
الخلاصة
الأزمة اليمنية الحالية ليست مجرد جولة جديدة من المواجهات العسكرية، بل أزمة متعددة الطبقات تشمل النزوح والجوع وانهيار الخدمات الصحية وتزايد المخاطر على اللاجئين والمهاجرين.
وتتحمل الأطراف المتحاربة مسؤوليات مختلفة عن استمرار العمليات العسكرية والمخاطر التي يتعرض لها المدنيون، فيما تواجه الحكومة المعترف بها دولياً تحدياً يتعلق بتوفير الخدمات وتأمين المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
أما المجتمع الدولي، فلا يكفي أن يصدر تحذيرات إنسانية، بل يحتاج إلى ضمان وصول المساعدات وتوفير التمويل والضغط من أجل حماية المدنيين.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول المعارك حول الساحل الغربي وتعز إلى مرحلة أوسع من الحرب، أم تنجح الاتصالات الدولية والإقليمية في فرض ترتيبات توقف التصعيد قبل اتساع الكارثة الإنسانية؟
المصادر والمراجع
1.المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إحاطة ماثيو سالتمارش، 30 أكتوبر 2026.
2.الأمم المتحدة، تقرير الوضع الإنساني في اليمن، 30 أكتوبر 2026.
3.مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تحديث التصعيد والنزوح في اليمن، تحديث 29 أكتوبر 2026.
4.اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بيانات الإصابات والاحتياجات الطبية في اليمن، نقلتها رويترز، 29 أكتوبر 2026.
5.المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، إحاطة مجلس الأمن، 9 أكتوبر 2026.
6.وكالة رويترز، تقرير المستشفيات في تعز، 29 أكتوبر 2026.
7.وكالة الأناضول، إحاطة المفوضية بشأن اللاجئين في اليمن، 30 أكتوبر 2026.

اترك تعليقا