تونس وأزمة هجرة الشباب

القضية الاجتماعية الأبرز

الرائد/ أصبحت ظاهرة هجرة الشباب في تونس خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تشغل المجتمع والدولة، مع استمرار أعداد من الشباب في البحث عن فرص تعليمية ومهنية خارج البلاد، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية دفعت جزءًا منهم إلى اعتبار الهجرة طريقًا لتحسين المستقبل.

ولا ترتبط الظاهرة فقط بالبطالة، رغم أنها تمثل أحد أسبابها الرئيسية، بل تتداخل معها عوامل أخرى مثل ضعف الثقة في قدرة المؤسسات على توفير فرص عادلة، والفجوة بين التعليم وسوق العمل، ورغبة كثير من الشباب أصحاب الشهادات الجامعية في الحصول على فرص تتناسب مع مؤهلاتهم.

وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن دول شمال إفريقيا تشهد تحولات كبيرة في أنماط الهجرة، حيث لم تعد الهجرة مرتبطة فقط بالفقر، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بتطلعات الشباب نحو تحسين مستوى الحياة، واكتساب خبرات جديدة، والوصول إلى بيئات عمل أكثر استقرارًا.

وتوضح بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن فئة الشباب تواجه تحديات كبيرة في سوق العمل، خاصة بين خريجي الجامعات، حيث لا تتطابق أعداد المتخرجين دائمًا مع احتياجات الاقتصاد، وهو ما يؤدي إلى فترات طويلة من البحث عن العمل أو التفكير في الهجرة.

ويرى الباحث التونسي منصف وناس، المتخصص في علم الاجتماع، أن الهجرة الشبابية أصبحت تعكس أزمة أوسع تتعلق بعلاقة الجيل الجديد بالدولة والمجتمع، موضحًا أن جزءًا من الشباب لا يبحث فقط عن دخل أعلى، بل عن الإحساس بالاستقرار والقدرة على بناء مستقبل واضح.

كما تشير دراسات البنك الدولي إلى أن تحسين فرص العمل للشباب في المنطقة العربية يتطلب إصلاحات تتعلق بالتعليم، وتشجيع القطاع الخاص، وتطوير المهارات الرقمية والمهنية، لأن المشكلة لا تكمن في عدد الوظائف فقط، بل في طبيعة المهارات المطلوبة.

وفي المقابل، يرى خبراء أن الهجرة ليست دائمًا خسارة للدول، إذ يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا ارتبطت بسياسات تستفيد من خبرات المهاجرين وتحويلاتهم المالية، وتشجع عودة الكفاءات أو استمرار ارتباطها بالمشروعات الوطنية.

وتعمل تونس على تطوير برامج للتشغيل والتدريب المهني، ودعم ريادة الأعمال، وتشجيع الشباب على تأسيس مشاريع خاصة، إلا أن المنظمات الاجتماعية تشير إلى أن نجاح هذه البرامج يتطلب معالجة أعمق لمشكلات الإدارة، والتمويل، والبيروقراطية، والثقة بين الشباب والمؤسسات.

كما أن ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط تمثل تحديًا إنسانيًا وأمنيًا، حيث تعرض كثير من الشباب لمخاطر الغرق والاستغلال من شبكات التهريب، وهو ما دفع منظمات دولية إلى الدعوة إلى توفير مسارات قانونية للهجرة، وتحسين فرص التنمية المحلية.

ويرى محللون أن مستقبل هذه الظاهرة في تونس سيعتمد على قدرة الدولة على خلق علاقة جديدة مع الشباب، تقوم على المشاركة والثقة وتوفير الفرص، لأن معالجة الهجرة لا تكون فقط بمنعها، بل بجعل البقاء خيارًا مقبولًا وممكنًا.

المصادر:

المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، المعهد الوطني للإحصاء في تونس، البنك الدولي، منظمة العمل الدولية، ودراسات اجتماعية حول الشباب والهجرة في شمال إفريقيا.
:::