تفاهمات أمريكية إيرانية تربك نتنياهو

في ظل تحديات إقليمية غير مسبوقة

تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية نقاشًا متزايدًا في الأوساط السياسية والإعلامية عقب الحديث عن تفاهمات بين واشنطن وطهران، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوات تعكس تحولًا في طريقة إدارة الولايات المتحدة لملف إيران، أم أنها مجرد اختلاف تكتيكي لا يمس جوهر التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل.

ورأت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن إسرائيل انتقلت من موقع “الشريك الكامل” في إدارة المواجهة مع إيران إلى طرف أقل تأثيرًا في مسار المفاوضات، معتبرة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه تحديًا غير مسبوق في التأثير على القرار الأمريكي، خصوصًا مع انطلاق مسار تفاوضي تتولاه واشنطن بصورة مباشرة.

في المقابل، أشارت رويترز، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين سابقين ودبلوماسيين ومحللين، إلى أن نتنياهو بنى جزءًا مهمًا من حضوره السياسي على قدرته في التأثير داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، إلا أن التطورات الأخيرة أثارت تساؤلات حول مدى استمرار هذا النفوذ، مع تأكيد الإدارة الأمريكية في الوقت ذاته أن التزامها بأمن إسرائيل لم يتغير.

يرى أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي جون ميرشايمر أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تشهد مراجعات مستمرة ترتبط بالمصالح الإستراتيجية لواشنطن، موضحًا أن الإدارات الأمريكية قد تختلف مع الحكومات الإسرائيلية في ملفات محددة دون أن يعني ذلك انهيار التحالف بين الجانبين.

أما الباحث الأمريكي كينيث بولاك، الزميل في معهد المؤسسة الأمريكية لأبحاث الشرق الأوسط، فيرى أن أي تفاهم مع إيران يظل مرتبطًا بهدف احتواء التوتر ومنع اندلاع مواجهة واسعة، وليس بالضرورة إعادة صياغة التحالفات التقليدية.

ويعتقد الباحث في شؤون الشرق الأوسط مايكل سينغ أن الولايات المتحدة تحاول تحقيق توازن بين دعم إسرائيل ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة قد تؤثر في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

من جانبه، يرى الباحث الإيراني علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن أي تفاهم أمريكي إيراني يمنح فرصة لتقليل احتمالات التصعيد العسكري، لكنه يظل هشًا وقابلًا للانهيار إذا غابت الثقة المتبادلة.

ردود الفعل الدولية

رحبت عدة عواصم أوروبية بأي مسار دبلوماسي يخفف التوتر في الشرق الأوسط، معتبرة أن الحوار يبقى الخيار الأقل كلفة مقارنة بالمواجهة العسكرية.

وأكدت الأمم المتحدة مرارًا دعمها للمفاوضات التي تهدف إلى خفض التصعيد، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالحلول السياسية.

أما روسيا والصين فقد أعربتا في مناسبات مختلفة عن دعمهما للحلول الدبلوماسية، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وتجنب استخدام القوة.

المواقف الإقليمية

تراقب دول الخليج التطورات بحذر، إذ ترى بعض العواصم أن نجاح أي تفاهم قد ينعكس إيجابًا على أمن الملاحة والطاقة، بينما تبقى هناك مخاوف من أن يؤدي تخفيف الضغوط على إيران إلى زيادة نفوذها الإقليمي.

أما إسرائيل، فتواصل التأكيد على ضرورة منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وتعتبر أن أي اتفاق يجب أن يتضمن ضمانات صارمة وآليات رقابة فعالة.

ماذا لو صحت هذه التقديرات؟

إذا ثبت أن واشنطن أصبحت تمنح الأولوية للتفاهم مع إيران على حساب التنسيق التقليدي مع إسرائيل، فقد يشهد الشرق الأوسط تغيرًا في أساليب إدارة الأزمات، مع زيادة الاعتماد على القنوات الدبلوماسية بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

كما قد تتجه دول المنطقة إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها بما يتوافق مع التوازنات الجديدة، مع تنامي أهمية الوساطات الإقليمية والدولية.

ماذا تستفيد الدول العربية؟

يرى مؤيدو هذا السيناريو أن الدول العربية قد تحقق عدة مكاسب، أبرزها:

انخفاض احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة.

تعزيز أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.

استقرار أسواق الطاقة وتقليل التقلبات الاقتصادية.

زيادة فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

توسيع مساحة الحلول السياسية للأزمات الإقليمية.

في المقابل، يرى معارضون أن أي تقارب أمريكي إيراني قد يمنح طهران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يفرض تحديات أمنية وسياسية على بعض الدول العربية.

بين المؤيد والمعارض

يؤكد المؤيدون أن الحوار والدبلوماسية يحققان نتائج أكثر استدامة من المواجهة العسكرية، وأن خفض التصعيد يصب في مصلحة استقرار المنطقة.

أما المعارضون، فيعتبرون أن أي تفاهم لا يتضمن قيودًا واضحة وآليات رقابة صارمة قد يمنح إيران مزيدًا من الوقت لتعزيز قدراتها ونفوذها، بما قد ينعكس على موازين القوى الإقليمية.

حتى الآن، لا توجد أدلة قاطعة على حدوث تحول إستراتيجي دائم في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لكن المؤشرات الحالية تعكس اختلافًا في إدارة الملف الإيراني أكثر من كونها تغييرًا في طبيعة التحالف بين واشنطن وتل أبيب. وستظل نتائج المفاوضات، ومدى التزام الأطراف بها، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر استقرارًا أو نحو جولة جديدة من التوترات.