تصعيد دامٍ في اليمن.. معارك تعز والحديدة تهدد أمن باب المندب
في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق القتال
- السيد التيجاني
- 5 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- البحر الأحمر, الحديدة, الحرب اليمنية, اليمن, تعز
دخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري مع اندلاع مواجهات واسعة في مناطق غربي البلاد، خصوصاً في محافظتي تعز والحديدة، وسط تحركات ميدانية باتجاه الساحل المطل على البحر الأحمر.
وأدت المعارك، التي تصاعدت منذ الخميس، إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى ونزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق القتال واقترابه من مناطق استراتيجية مرتبطة بالملاحة الدولية.
وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن المواجهات تدور بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة أنصار الله الحوثيين، باستخدام الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيرة. وتركز جانب مهم من القتال في مديريات مقبنة وجبل حبشي غربي تعز، إلى جانب مناطق حيس والجراحي وجبل رأس في محافظة الحديدة.
حصيلة بشرية متباينة
تكشف التقارير الإعلامية عن ارتفاع كبير في عدد الضحايا، إلا أن الحصيلة تختلف من مصدر إلى آخر بسبب استمرار المعارك وصعوبة الوصول إلى مناطق الاشتباك.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية وطبية من الطرفين أن أكثر من 120 شخصاً قتلوا منذ الخميس، بينما تحدثت مصادر أخرى عن أكثر من 80 قتيلاً في حصيلة أولية للمعارك. وأفادت مصادر عسكرية وطبية بمقتل عشرات العناصر من القوات الحكومية والحوثيين، من دون وجود حصيلة نهائية مستقلة يمكن التحقق منها بشكل كامل حتى الآن.
وفي رواية أخرى، ذكرت وكالة شينخوا أن مواجهات الخميس في ريف تعز أسفرت عن مقتل 28 شخصاً، بينهم 13 من القوات الحكومية ونحو 15 من الحوثيين، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين. كما أعلنت القوات الحكومية إسقاط ثلاث طائرات مسيرة خلال المعارك.
ويعكس التفاوت بين هذه الأرقام اتساع رقعة العمليات وتعدد الجبهات التي شهدت اشتباكات خلال فترة زمنية قصيرة، فضلاً عن اعتماد كل طرف على مصادره الخاصة في الإعلان عن الخسائر.
لماذا تعود تعز إلى الواجهة؟
تمثل تعز إحدى أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا العسكرية اليمنية، ليس فقط بسبب موقعها السكاني، وإنما لارتباطها بشبكة طرق تصل المناطق الداخلية بالساحل الغربي.
وتبدو المعركة الحالية مرتبطة بمحاولة التأثير على الطريق الذي يصل مدينة تعز بمدينة المخا الساحلية. فقد أفادت مصادر عسكرية بأن الحوثيين حاولوا قطع هذا المسار أو الضغط عليه، بما قد يحد من قدرة القوات الحكومية على الحركة بين الداخل والساحل.
وتشير تقارير أخرى إلى أن القتال شمل مناطق مثل الكدحة والبرح والطوير والغباري، مع استخدام المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة. وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية شن هجمات مضادة واستعادة مواقع ومرتفعات في جبل حبشي.
وتكتسب المرتفعات أهمية خاصة في هذه المعركة، إذ إن السيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة الطرق المؤدية إلى الساحل والتحكم في خطوط الإمداد.
المخا وباب المندب.. الهدف الأبعد
لا تتوقف أهمية المعارك عند حدود تعز والحديدة، إذ ترتبط التطورات بموقع المخا وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وترى مصادر عسكرية يمنية أن الحوثيين يسعون إلى تعزيز مواقعهم باتجاه الساحل والمرتفعات المطلة على طرق الوصول إلى باب المندب. وإذا تمكن أي طرف من تثبيت وجود عسكري قوي في هذه المناطق، فإن ذلك قد يمنحه قدرة أكبر على الضغط على خطوط الملاحة أو تهديد المناطق الساحلية.
وكانت القوات اليمنية قد أعلنت في الأيام الماضية اعتراض تحركات وزوارق قالت إنها تابعة للحوثيين بالقرب من جزر حنيش وزقر. كما أعلنت في الأول من سبتمبر اعتراض أربعة زوارق انتحارية، بالتزامن مع تقارير عن إطلاق ثلاثة صواريخ باليستية باتجاه مناطق بين المخا والخوخة.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الملاحة في البحر الأحمر شديدة الحساسية نتيجة الهجمات السابقة على السفن والتوترات الإقليمية المتصلة بها.
نزوح جديد يضاعف الأزمة الإنسانية
على الجانب الإنساني، دفعت المعارك آلاف المدنيين إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً. وأعلنت الجهات الحكومية المختصة في تعز نزوح 917 أسرة من مناطق متفرقة، خصوصاً في مديريتي مقبنة وجبل حبشي.
وتوزعت عمليات النزوح على قرى ومناطق شهدت قصفاً واشتباكات، فيما توجهت بعض الأسر إلى مواقع ومخيمات أخرى داخل المحافظة. وأكدت مصادر محلية أن النازحين يواجهون نقصاً في الغذاء والمياه ومواد الإيواء، مع احتمال ارتفاع الأعداد إذا استمر القتال.
وفي محافظة الحديدة، تحدثت تقارير عن نزوح 57 أسرة، تضم نحو 400 شخص، من مناطق في مديريات حيس والجراحي وجبل رأس، نتيجة القصف والخوف من توسع العمليات العسكرية.
ولا تبدو موجة النزوح الحالية حدثاً منفصلاً عن مسار الأشهر الماضية. فقد أظهرت بيانات منظمة الهجرة الدولية أن تعز والحديدة ظلتا من المناطق التي سجلت تحركات سكانية مرتبطة بالصراع خلال صيف 2026. وخلال الفترة من 16 إلى 22 أغسطس، سجلت المنظمة 180 أسرة نازحة في تعز و16 أسرة في الحديدة، ضمن عمليات النزوح التي جرى رصدها في ذلك الأسبوع.
مخيمات النازحين تحت الضغط
تزداد صعوبة الوضع لأن بعض المناطق التي تستقبل الفارين من القتال كانت تضم أصلاً نازحين بسبب جولات سابقة من الحرب.
وتشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى استمرار حركة النزوح داخل تعز ومناطق الساحل الغربي خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك مديريات مثل مقبنة وجبل حبشي والمخا وحيس. وهذا يعني أن بعض الأسر تضطر إلى مغادرة مناطق نزحت إليها سابقاً، وهو ما يزيد العبء على المخيمات والمجتمعات المضيفة.
وتحذر طبيعة التطورات الحالية من إمكانية ظهور موجة نزوح متكررة إذا استمرت الاشتباكات بالقرب من القرى والمخيمات، خصوصاً مع محدودية الموارد الإنسانية في اليمن.
هل تتوسع المعارك؟
السؤال الأبرز الآن يتعلق بمدى قدرة التصعيد على الانتقال من مواجهات محدودة إلى عملية عسكرية أوسع على الساحل الغربي.
المؤشرات الميدانية تظهر أن القتال لم يعد محصوراً في نقطة واحدة، بل امتد بين جبهات في تعز والحديدة، مع استخدام وسائل قتالية متنوعة وتحركات تستهدف الطرق والمواقع المرتفعة.
وترى تحليلات عسكرية أن أي تقدم حوثي باتجاه المخا أو المناطق القريبة منها قد يغير طبيعة المعركة، بسبب الموقع البحري للمدينة وقربها من باب المندب. وفي المقابل، فإن القوات الحكومية تبدو حريصة على منع حدوث اختراق باتجاه الساحل، وهو ما يفسر تعزيز مواقعها وشن هجمات مضادة خلال الساعات الماضية.
صراع محلي بأبعاد إقليمية
تتجاوز أهمية جبهة تعز والحديدة الصراع اليمني الداخلي، بسبب ارتباط الساحل الغربي بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية.
وتكتسب تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن منع السيطرة على باب المندب أهمية سياسية في هذا السياق، إذ تنظر الحكومة اليمنية إلى المعركة باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع لمنع الحوثيين من تثبيت نفوذ عسكري على الممر البحري.
وفي المقابل، فإن استمرار العمليات بالقرب من الساحل يضيف عاملاً جديداً إلى أزمة إقليمية معقدة أصلاً، خصوصاً في ظل استمرار المخاوف بشأن أمن السفن التجارية وخطوط النقل البحري.
وبذلك تبدو معارك تعز والحديدة اختباراً جديداً لموازين القوى على الأرض. فالمواجهة لا تدور فقط حول السيطرة على قرى أو مواقع عسكرية، وإنما حول الطرق التي تربط تعز بالساحل، والمخا كميناء استراتيجي، والمرتفعات التي تفتح الطريق نحو البحر الأحمر.
ومع استمرار القتال، يبقى المدنيون الخاسر الأكبر، إذ تأتي موجة النزوح الجديدة في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية طويلة الأمد. وإذا لم تتوقف العمليات أو تُفتح قنوات للتهدئة، فإن التصعيد قد يتحول إلى جولة أوسع تزيد من تعقيدات الحرب اليمنية وتضع الساحل الغربي وباب المندب مجدداً في قلب التوتر الإقليمي.