تركيا وتحولات علاقاتها مع أمريكا والتوجه لشنغهاي مع تباطؤ الاقتصاد

اتجاه السياسة الخارجية التركية

الرائد// أثارت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن إمكانية انتقال بلاده إلى عضوية كاملة في منظمة شنغهاي للتعاون نقاشاً واسعاً حول اتجاه السياسة الخارجية التركية، في وقت تحاول فيه أنقرة توسيع خياراتها الدولية من دون التخلي عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها مع أوروبا.

وقال أردوغان في 2 سبتمبر 2026 إن تركيا مستعدة للنظر في رفع مستوى علاقاتها مع المنظمة التي تقودها الصين وروسيا إلى عضوية كاملة، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني انسحاب تركيا من منظومتها الغربية أو تغيير التزاماتها داخل الناتو. وجاءت التصريحات بعد مشاركته في قمة المنظمة في بيشكيك بصفته شريك حوار.

وتعكس الخطوة سياسة تركية تقوم على توسيع هامش الحركة بدلاً من الاختيار الحصري بين الغرب والشرق. فأنقرة عضو في الناتو، وتسعى منذ عقود إلى تطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه كثفت تعاونها مع الصين وروسيا وآسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة اتصال بين أوروبا وآسيا.

البعد الاقتصادي

تأتي هذه التحركات الخارجية في وقت يواجه فيه الاقتصاد التركي مرحلة دقيقة. فقد نما الاقتصاد بنسبة 2.3 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، وهي نسبة جاءت دون توقعات المحللين البالغة 2.9 في المئة، بحسب بيانات نقلتها رويترز في 31 أغسطس.

وكان الطلب المحلي قد انكمش، بينما سجل الاقتصاد نمواً أقوى في الزراعة والغابات والصيد وقطاع المعلومات والاتصالات. وأشار الخبير الاقتصادي خلوصي بورومجكجي إلى أن ضعف الطلب المحلي أصبح أكثر وضوحاً، فيما ساهم صافي الطلب الخارجي في دعم النمو بنحو 0.6 نقطة مئوية

وتواجه تركيا في الوقت نفسه تضخماً مرتفعاً وسياسة نقدية متشددة، بينما تتجه الحكومة إلى إعلان برنامج اقتصادي متوسط الأجل جديد في السابع من سبتمبر.

ويرى محللون أن هذا الوضع يجعل العلاقات الاقتصادية الخارجية أكثر أهمية بالنسبة إلى أنقرة، سواء من خلال الاستثمارات الآسيوية أو توسيع التجارة أو الحصول على تمويل لمشروعات البنية التحتية.

مضيق بين الشرق والغرب

ولا يقتصر الانفتاح التركي على منظمة شنغهاي. ففي الرابع من سبتمبر وقعت أنقرة اتفاق تعاون مع البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية لتمويل مشروعات بيئية وحضرية، وفي مقدمتها مشروع بقيمة تقارب 400 مليون يورو لتطوير معالجة مياه الصرف وتنظيف بحر مرمرة.

وقال وزير البيئة التركي مراد كوروم إن المرحلة الأولى ستتركز على رفع قدرة محطات المعالجة البيولوجية، فيما أشار نائب رئيس البنك الآسيوي أجاي بوشان باندي إلى أن تركيا أصبحت من أكبر وجهات استثمارات المؤسسة.

ويعطي هذا التعاون بعداً اقتصادياً للمسار التركي نحو آسيا، إذ لا تبدو أنقرة مهتمة فقط بالعلاقات السياسية مع الصين وروسيا، وإنما تسعى أيضاً إلى جذب التمويل والاستثمارات من المؤسسات الآسيوية.

الولايات المتحدة تضغط على القطاع المالي التركي

في المقابل، تواجه تركيا اختباراً أكثر حساسية في علاقتها بواشنطن. ففي 4 سبتمبر فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على بنك غولدن غلوب للاستثمار في تركيا وشركتين تابعتين له، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران والحرس الثوري.

وقالت واشنطن إن المؤسسات التركية ساعدت في تحويل عائدات نفط إيرانية إلى أموال وذهب، بينما رفض البنك الاتهامات وأعلن عزمه اتخاذ إجراءات قانونية. وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها المرة الأولى في هذه الحملة التي تستهدف فيها الولايات المتحدة مؤسسة مالية في دولة عضو بحلف الناتو.

وتضع هذه العقوبات أنقرة أمام معادلة معقدة: فهي تريد زيادة التعاون مع آسيا، لكنها لا تستطيع تجاهل النظام المالي الغربي الذي ما زال يمثل جزءاً أساسياً من تجارتها وتمويلها الخارجي.

الدلالة السياسية

لا تعني تصريحات أردوغان أن تركيا اتخذت قراراً بالابتعاد عن الغرب. والأدق أنها تعكس استمرار سياسة تعدد الشراكات التي تبنتها أنقرة خلال السنوات الماضية.

فتركيا تحاول الاحتفاظ بعضويتها في الناتو، بينما تفتح في الوقت نفسه قنوات أوسع مع روسيا والصين وآسيا الوسطى. وهذا النهج يمنحها مساحة أكبر للتفاوض، لكنه يحمل مخاطر أيضاً، خصوصاً إذا تحولت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى صراع اقتصادي أكثر حدة.

كما أن العقوبات الأمريكية الأخيرة على مؤسسة تركية تظهر حدود هذه السياسة؛ فالمناورة بين مراكز القوة العالمية تصبح أكثر صعوبة عندما تتداخل التجارة والطاقة والتمويل والأمن.

التوقعات

من المرجح أن تواصل أنقرة خلال المرحلة المقبلة توسيع علاقاتها مع المؤسسات الآسيوية ومنظمة شنغهاي، من دون اتخاذ خطوة سريعة نحو التخلي عن الناتو. وستظل السياسة التركية قائمة على محاولة الاستفادة من موقع البلاد بين المنظومتين الغربية والآسيوية.

أما اقتصادياً، فإن التحدي سيكون أكبر. فتباطؤ النمو وضعف الطلب المحلي، إلى جانب التضخم، يعني أن الحكومة تحتاج إلى استثمارات خارجية وأسواق جديدة، لكن العقوبات الأمريكية يمكن أن تزيد تكلفة التعاملات المالية التركية إذا توسعت لتشمل مؤسسات أخرى.

وبذلك تبدو تركيا أمام مرحلة دقيقة: كلما وسعت علاقاتها مع الشرق ازدادت قدرتها على تنويع الشركاء، لكنها في المقابل تحتاج إلى إبقاء قنواتها الاقتصادية والمالية مع الغرب مفتوحة. وهذه المعادلة ستحدد إلى حد كبير مدى نجاح سياسة أنقرة في السنوات المقبلة.

المصادر

رويترز، 2 سبتمبر 2026، تصريحات رجب طيب أردوغان بشأن إمكانية عضوية تركيا الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون.

رويترز، 31 أغسطس 2026، بيانات نمو الاقتصاد التركي في الربع الثاني وتحليل الخبير الاقتصادي خلوصي بورومجكجي.

رويترز، 4 سبتمبر 2026، اتفاق تركيا مع البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ومشروع تنظيف بحر مرمرة.

رويترز، 4 سبتمبر 2026، العقوبات الأمريكية على بنك غولدن غلوب التركي وشركاته التابعة.

اترك تعليقا