بنغلاديش تواجه أزمة صحية تهدد جيلاً

دخل تفشي الحصبة في البلاد مرحلة شديدة الخطورة

دخل تفشي الحصبة في بنغلاديش مرحلة شديدة الخطورة، بعدما أعلنت السلطات الصحية تسجيل 999 وفاة مشتبه بها وأكثر من 166 ألف حالة مشتبه بها منذ مارس 2026، بينها قرابة 20 ألف حالة مؤكدة.

وتتركز الإصابات بصورة خاصة بين الأطفال، فيما تواجه المستشفيات ضغطاً كبيراً نتيجة مضاعفات المرض، ومنها الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ.

ولا تبدو الأزمة مجرد تفشٍ موسمي لمرض معروف؛ فالبيانات تكشف خللاً في منظومة الوقاية نفسها.

فقد تراجعت نسبة تغطية الأطفال بالتطعيم من 93% عام 2024 إلى 86% في 2025، بعد أن عطلت الاضطرابات السياسية حملات التحصين الروتينية، إلى جانب مشكلات في الإمداد والشراء. وهذا يعني أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكم سنوات من الثغرات، وليس حدثاً صحياً منفصلاً.

وتتعاون الحكومة مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف والتحالف العالمي للقاحات «جافي» في حملة طوارئ استهدفت ملايين الأطفال، وبدأت بالفئة العمرية من ستة أشهر إلى خمس سنوات قبل توسيع نطاقها على مستوى البلاد.

ورغم وصول الحملة إلى ما يقارب 20 مليون طفل، يؤكد خبراء الصحة أن الحملات الطارئة لا يمكن أن تحل محل برنامج تطعيم روتيني مستقر.

وتكشف الأزمة أيضاً مشكلة اجتماعية أعمق. فالأسرة الفقيرة هي الأكثر تضرراً عندما يصاب طفل بمرض يمكن الوقاية منه؛ إذ تتحمل تكلفة الانتقال والعلاج، وقد تضطر أحد الوالدين إلى ترك العمل لرعاية الطفل.

ومع امتلاء المستشفيات وظهور نقص في بعض المستلزمات، تصبح الفجوة بين الأسر القادرة على الوصول إلى العلاج وتلك التي تعيش في المناطق الأشد فقراً أكثر وضوحاً.

ويزداد الضغط بسبب تزامن الحصبة مع انتشار حمى الضنك، ما يضع النظام الصحي أمام أزمتين في الوقت نفسه.

وتحدث أطباء عن اكتظاظ المستشفيات ونقص بعض المستلزمات، بينما تضطر عائلات إلى التنقل بين أكثر من منشأة بحثاً عن الرعاية أو اللقاح.

سياسياً، تحاول الأطراف تحميل بعضها مسؤولية الانقطاع السابق في برامج التطعيم. لكن تحويل القضية إلى تبادل اتهامات قد يؤخر معالجة المشكلة الأساسية: إعادة بناء منظومة تطعيم تستطيع الوصول بصورة منتظمة إلى الأطفال في المدن والقرى والمناطق الأكثر فقراً، مع نظام دقيق لتتبع الجرعات والمخزون.

وتكشف تجربة بنغلاديش مفارقة مهمة؛ فالبلد حقق خلال عقود تقدماً كبيراً في مؤشرات صحة الأطفال، لكن المكاسب يمكن أن تتراجع بسرعة عندما تتعرض الخدمات الأساسية للاضطراب السياسي أو الإداري. وهذا درس لا يخص بنغلاديش وحدها، بل دولاً نامية كثيرة تعتمد على استمرارية البرامج الصحية أكثر من اعتمادها على حملات الطوارئ.

والتوقع الأقرب أن تنخفض الإصابات إذا استمرت حملة التطعيم المكثفة ووصلت إلى الأطفال الذين فاتتهم الجرعات، لكن الخطر لن ينتهي بمجرد تراجع أعداد الحالات. فالعودة إلى معدلات تغطية مرتفعة ومستقرة ستكون الاختبار الحقيقي، خصوصاً أن الأطفال الذين لم يحصلوا على التطعيم خلال الفترات السابقة يشكلون فجوة قابلة لإعادة إشعال التفشي.

وتحمل الأزمة كذلك رسالة اقتصادية واضحة: الاستثمار في الوقاية أقل كلفة من علاج تفشٍ واسع. فالمدارس المتوقفة، والمستشفيات المزدحمة، وأيام العمل التي تفقدها الأسر، وتكاليف العلاج، كلها أعباء لا تظهر في أرقام وفيات المرض لكنها تضغط على الاقتصاد والمجتمع.

وبذلك أصبحت الحصبة في بنغلاديش اختباراً لقدرة الدولة على استعادة الثقة في الخدمات العامة بعد الاضطرابات السياسية. وإذا نجحت السلطات في تحويل حملة الطوارئ إلى إعادة بناء طويلة الأجل لبرنامج التحصين، فقد تتحول الأزمة إلى نقطة إصلاح؛ أما إذا عادت معدلات التطعيم إلى التراجع بعد انتهاء الحملة، فإن البلاد ستبقى معرضة لتفشيات جديدة لمرض كان يمكن تجنبه إلى حد كبير.

*المصادر:
-وكالة «أسوشيتد برس»، تقرير تفشي الحصبة في بنغلاديش، 10 سبتمبر 2026.
وكالة «رويترز»، تقرير عن أزمة الحصبة وفجوات التطعيم في بنغلاديش، 9 سبتمبر 2026.
منظمة الصحة العالمية واليونيسف والتحالف العالمي للقاحات «جافي»، المعلومات الواردة في التغطية الدولية حول حملة التطعيم الطارئة، سبتمبر 2026.

اترك تعليقا