بلجيكا تعيد قضية غزة إلى اختبار العدالة الأوروبية

ملف الطلبة الفلسطينيين من غزة إلى الواجهة في بلجيكا

الرائد// عاد ملف الطلبة الفلسطينيين من غزة إلى الواجهة في بلجيكا، بعدما وجه رؤساء عشر جامعات بلجيكية في 14 سبتمبر رسالة مفتوحة إلى الحكومة ينتقدون فيها استمرار تعطيل إجلاء 13 طالباً وباحثاً فلسطينياً حصلوا على منح دراسية للدراسة في جامعات البلاد، معتبرين أن إبقاءهم عالقين في منطقة حرب لا يمكن تبريره باعتبارات الهجرة وحدها.

الطلاب الثلاثة عشر لم يصلوا إلى الجامعات عن طريق طلب لجوء، وإنما جرى اختيارهم عبر لجان مستقلة ضمن برامج منح أكاديمية، وبعضهم لديه ترتيبات دراسية وسكن جامعي جاهزة. وتقول الجامعات إنهم سيقيمون في مساكن الطلبة، وليس في مراكز استقبال طالبي اللجوء، وإن تخصصاتهم تشمل مجالات يمكن أن تفيد إعادة إعمار غزة مستقبلاً.

وتكشف الأزمة انقساماً داخل الحكومة الائتلافية البلجيكية. فقد دفع وزير الخارجية ماكسيم بريفو باتجاه إجلاء الطلبة، بينما تعارض وزيرة اللجوء والهجرة آنلين فان بوسويت الخطوة، محذرة مما تصفه باحتمال «تأثير الدومينو» على ملفات الهجرة. ووفق تقارير بلجيكية، ارتبط الخلاف أيضاً بمطالب سياسية تتعلق بسياسة الترحيل ومراكز الإعادة، وهو ما دفع بريفو إلى سحب مقترحه بعد عدم التوصل إلى توافق داخل الحكومة.

لكن رؤساء الجامعات يرون أن وضع الطلبة في إطار أزمة الهجرة يغيّر طبيعة القضية. فالجامعات تؤكد أن هؤلاء أشخاص اختيروا بسبب مستواهم الأكاديمي، وأنهم يريدون العودة إلى غزة بعد إتمام دراستهم للمساهمة في إعادة البناء. وذهب رؤساء الجامعات إلى القول إن العقبات التي يجري الاستناد إليها ليست مستحيلة الحل، وإنما تعكس في جانب منها غياب الإرادة السياسية.

وتزداد حساسية الملف لأن القضية لا تتعلق بالطلبة الثلاثة عشر وحدهم. وتشير تقديرات منظمات غير حكومية إلى وجود نحو 1500 فلسطيني في غزة حصلوا على حق الدخول إلى بلجيكا، معظمهم في إطار لمّ شمل الأسر، لكن قدرتهم على الخروج من القطاع ما زالت محدودة للغاية. ومن ثم فإن الحكومة تخشى أن يؤدي إنشاء مسار خاص للطلبة إلى مطالب مماثلة من فئات أخرى.

هذه الحجة الحكومية ليست بلا أساس من الناحية السياسية؛ فالحكومات الأوروبية تواجه ضغوطاً متزايدة من الأحزاب المحافظة التي تريد تشديد إجراءات الهجرة والحد من الاستثناءات. وفي بلجيكا تحديداً، أصبح ملف الهجرة أحد عناصر التوتر داخل الائتلاف الحاكم، وبالتالي فإن قراراً إنسانياً محدوداً يمكن أن يتحول إلى قضية سياسية أكبر.

لكن الجانب الآخر من المعادلة لا يقل أهمية. فإذا كان الطالب قد حصل على منحة أكاديمية واستوفى الشروط المطلوبة، فإن منعه من الوصول إلى جامعته بسبب جنسيته أو بسبب الخوف من أن يشكل دخوله سابقة لآخرين يطرح سؤالاً حول مبدأ المساواة في الوصول إلى التعليم. وتقول الجامعات إن القضية تمس في جوهرها الحق في التعليم والبحث العلمي، وليس فقط ملف الهجرة.

كما أن القضية تحمل بعداً أوسع بالنسبة للمسلمين والفلسطينيين في أوروبا. فخلال السنوات الأخيرة ازدادت حدة النقاش الأوروبي حول غزة، وانقسمت المجتمعات الأوروبية بين من يرى أن التضامن مع الفلسطينيين قضية حقوق إنسان، ومن يخشى أن يؤدي اتساع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين إلى تعقيد ملفات الأمن والهجرة والاندماج. ولذلك أصبح التعامل مع الفلسطينيين القادمين من غزة اختباراً عملياً لقدرة الدول الأوروبية على الفصل بين الموقف السياسي من الحرب وبين الحقوق الفردية للأشخاص المتضررين منها.

واللافت أن الجامعات نفسها أصبحت طرفاً سياسياً وأخلاقياً في القضية. فرؤساء عشر جامعات لم يكتفوا بالمطالبة الإدارية بإجلاء الطلبة، بل اتهموا أطرافاً في الحكومة باستخدامهم كورقة تفاوض في الخلافات المتعلقة بالهجرة. وهذه لهجة قوية تكشف اتساع الفجوة بين قطاع أكاديمي يعتبر استقبال الطلبة جزءاً من مسؤوليته الإنسانية، وحكومة مطالبة بحسابات أمنية وسياسية أوسع.

ومن الناحية المستقبلية، قد تتحول القضية إلى سابقة أوروبية مهمة. فإذا قررت بلجيكا إجلاء الطلبة، فقد تجد نفسها أمام مطالب بتوسيع الآلية لتشمل حالات إنسانية وأكاديمية أخرى. أما إذا أبقتهم خارج البلاد، فقد تتعرض لضغوط من الجامعات والمنظمات الحقوقية، خصوصاً مع بدء العام الدراسي وضياع فرص أكاديمية حصل هؤلاء عليها بصورة تنافسية.

والأهم أن القضية تضع أوروبا أمام سؤال يتجاوز غزة: هل تستطيع الدول الأوروبية الحفاظ على سياسة هجرة مشددة من دون أن تجعلها تطغى على الاعتبارات الأكاديمية والإنسانية الفردية؟ بالنسبة للطلبة الثلاثة عشر، لا يبدو السؤال نظرياً؛ فمستقبلهم الدراسي يتوقف على قرار سياسي تتداخل فيه الحرب والهجرة والعلاقات مع فلسطين، بينما تؤكد الجامعات أن أماكنهم ما زالت مفتوحة لهم.

المصادر:

رؤساء الجامعات البلجيكية، الرسالة المفتوحة بشأن الطلبة الفلسطينيين، 14 سبتمبر 2026.

وكالة الصحافة الفرنسية، موقف الجامعات البلجيكية من إجلاء 13 طالباً من غزة، 14 سبتمبر 2026.

صحيفة «بروكسل تايمز»، تفاصيل أزمة الطلبة الفلسطينيين الحاصلين على منح، سبتمبر 2026.

وكالة بلغا، تفاصيل الخلاف داخل الحكومة البلجيكية، 14 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا