بريطانيا تفتح أبواب المساجد في مواجهة الخوف

في محاولة لبناء تواصل مباشر بين المسلمين وغير المسلمين

فتحت أكثر من مئة مسجد في أنحاء بريطانيا أبوابها أمام الجمهور في 20 سبتمبر 2026 ضمن مبادرة «زر مسجدي»، في محاولة لبناء تواصل مباشر بين المسلمين وغير المسلمين في وقت يتزايد فيه القلق داخل بعض الجاليات المسلمة من جرائم الكراهية والخطاب المعادي للإسلام. وشملت المبادرة مساجد في لندن ومانشستر وغلاسكو، وقدمت للزائرين الطعام والمشروبات والمعارض الثقافية والنقاشات المفتوحة حول الإسلام وحياة المسلمين في بريطانيا.

وتأتي المبادرة في سياق اجتماعي وسياسي أكثر توتراً. فبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة «الغارديان» في 20 سبتمبر، تحدث قادة مسلمون عن حوادث اعتداء ومضايقات طالت مساجد ومصلين، وعن تأثير المعلومات المضللة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين صورة سلبية عن المسلمين. وأشار التقرير إلى أن بعض المساجد اختارت مواجهة الخوف بمزيد من الانفتاح بدلاً من الانكفاء على المجتمع المسلم.

ومن أبرز المشاركين في النقاش الدكتور وجيد أختر، أحد القيادات الإسلامية البريطانية، وصوفيا علام، التي تعمل في المجال المجتمعي، وقد شددا على أن التواصل المباشر بين المسلمين وغير المسلمين يمكن أن يساعد في تفكيك الصور النمطية التي تتغذى عليها الحملات المعادية للإسلام. كما شاركت شخصيات من أديان أخرى في دعم المبادرة، في إشارة إلى أن مواجهة الكراهية لا تنحصر في المسلمين وحدهم.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر في ضوء الجدل السياسي البريطاني حول الهجرة والإسلام والهوية الوطنية. ففي 19 سبتمبر نشر تيم دييب، من مؤسسة «سبايكد»، مقالاً ينتقد فيه ما وصفه بالتحديات التي يمثلها الإسلام للمجتمع البريطاني، وربط ذلك بالهجرة والعزلة الاجتماعية والنشاط السياسي الإسلامي. وهو طرح يعكس جانباً من الجدل المحافظ في بريطانيا، لكنه لا يمثل بالضرورة موقف المسلمين ولا إجماع المجتمع البريطاني.

وفي الاتجاه المقابل، تناولت صحيفة «الغارديان» القضية من منظور مختلف، إذ ركزت على تجربة المسلمين أنفسهم وعلى أثر جرائم الكراهية والخطاب المعادي للإسلام في حياتهم اليومية. وهذا التباين بين الخطابين مهم لفهم المشهد: فهناك من يركز على قضايا الاندماج والتطرف والأمن، بينما يرى مسلمون ومتعاطفون معهم أن المشكلة لا يمكن معالجتها من خلال النظر إلى المسلمين باعتبارهم قضية أمنية أو ثقافية فقط.

وتقدم مبادرة المساجد نموذجاً مختلفاً للاندماج؛ فهي لا تطلب من المسلم التخلي عن هويته حتى يصبح جزءاً من المجتمع، وإنما تقوم على تعريف الآخرين بهذه الهوية في إطار مفتوح. وهذه النقطة تتصل بنقاش أوسع في أوروبا حول معنى الاندماج: هل يعني أن يتخلى المهاجر أو المسلم عن مظاهر من ثقافته ودينه، أم يعني أن يتعلم لغة المجتمع وقوانينه ويشارك في مؤسساته مع الاحتفاظ بحرية المعتقد والممارسة التي يكفلها القانون؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في الوقت الذي تتخذ فيه بعض الحكومات الأوروبية إجراءات أكثر صرامة تجاه ما تسميه «الإسلام السياسي». ففي ألمانيا مثلاً أقر مجلس الوزراء في 16 سبتمبر خطة من عشر نقاط لمواجهة الإرهاب المرتبط بالتطرف الإسلامي، وتشمل تشديد مراقبة الأشخاص المصنفين باعتبارهم خطراً، وتعزيز مكافحة تمويل الإرهاب ومنع التطرف.

لكن الخلط بين مكافحة العنف والتطرف من جهة، والحياة الدينية العادية للمسلمين من جهة أخرى، يظل من القضايا الحساسة. فالمسجد الذي يفتح أبوابه للطلاب والجيران والباحثين والصحفيين يقدم صورة عملية عن الفرق بين المؤسسة الدينية التي تمارس نشاطاً مجتمعياً مشروعاً وبين الجماعات التي تتورط في العنف أو التحريض. ولهذا يمكن أن يكون التواصل المباشر أداة للوقاية من سوء الفهم بقدر ما هو وسيلة للتعريف بالإسلام.

وتتزامن المبادرة البريطانية أيضاً مع استمرار صعود أحزاب أوروبية تضع الهجرة والإسلام ضمن قضاياها السياسية الرئيسية. ففي السويد، أظهرت نتائج الانتخابات التي تناولتها رويترز في 17 سبتمبر تراجعاً لحزب ديمقراطيي السويد، وهو حزب معروف بموقفه المتشدد تجاه الهجرة، مع ملاحظة الوكالة أن الناخبين من أصول مهاجرة كانوا من الفئات التي تحركت انتخابياً في مواجهة مقترحاته المتعلقة بالهجرة. وهذه واقعة سياسية محددة لا تعني انتهاء الخلاف حول الهجرة أو الإسلام في السويد.

ومن منظور المسلمين البريطانيين، فإن فتح المساجد أمام المجتمع يطرح مسألة أعمق من العلاقات العامة. فالجالية المسلمة أصبحت جزءاً مستقراً من المجتمع البريطاني، وتضم أجيالاً ولدت وتعلمت وعملت في بريطانيا. لذلك فإن السؤال لم يعد فقط كيف يندمج المهاجر الجديد، بل كيف تتعامل الدولة والمجتمع مع مواطنين بريطانيين مسلمين يريدون المشاركة في الحياة العامة من دون أن يُطلب منهم الاختيار بين مواطنتهم وهويتهم الدينية.

كما أن مشاركة شخصيات من الجاليات اليهودية والمسيحية وغيرها في المبادرة تحمل دلالة مهمة؛ إذ يمكن أن تتحول العلاقات بين الأديان من بيانات موسمية إلى تعاون محلي مستمر، خصوصاً في المدن التي تضم أحياء متعددة الثقافات. وهذا النوع من العمل لا يلغي الخلافات الفكرية والسياسية، لكنه يوفر قناة للحوار المباشر عندما تتصاعد الحملات الإعلامية أو تنتشر معلومات غير صحيحة على الإنترنت.

وتظل هناك أسئلة مشروعة لا ينبغي تجاهلها: كيف يمكن للمساجد أن تضمن الشفافية المالية والإدارية؟ وكيف تواجه أي خطاب متطرف داخل المؤسسات الدينية؟ وكيف تحافظ في الوقت نفسه على استقلالها الديني؟ كما أن المجتمع الأوسع يواجه أسئلة مقابلة حول كيفية منع التمييز ضد المسلمين، وحماية المساجد من الاعتداء، وعدم تحويل الجرائم التي يرتكبها أفراد إلى حكم جماعي على ملايين المسلمين.

ولهذا فإن ما حدث في بريطانيا في 20 سبتمبر يتجاوز فعالية اجتماعية ليصبح اختباراً لنموذج من نماذج التعايش الأوروبي. فالمسجد هنا لا يقدم نفسه باعتباره جزيرة منفصلة عن المجتمع، والمجتمع غير المسلم مدعو إلى رؤية المسلمين بعيداً عن الصور التي تصنعها الحملات السياسية أو شبكات التواصل. وبينما يستمر الجدل حول الهجرة والتطرف والهوية، تبدو قيمة هذه المبادرات في أنها تنقل النقاش من الحديث عن المسلمين إلى الحديث معهم، ومن الصورة النمطية إلى التجربة المباشرة.

المصادر والتواريخ:

صحيفة الغارديان، تقرير «لماذا تفتح المساجد البريطانية أبوابها للجمهور»، 20 سبتمبر 2026

وزارة الداخلية الألمانية، خطة الحكومة لمواجهة الإرهاب والتطرف الإسلامي، 16 سبتمبر 2026.

رويترز، تقرير الانتخابات السويدية وتراجع حزب ديمقراطيي السويد، 17 سبتمبر 2026.

تيم دييب، «تحدي الإسلام للمجتمع البريطاني»، سبايكد، 19 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا