الهند تفتح مع روسيا مساراً اقتصادياً جديداً
شراكة الـ 100 مليار دولار
- dr-naga
- 23 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- التعاون الاقتصادي, الطاقة, الهند, الهند وروسيا, بوتين, روسيا, موسكو, نيودلهي
الرائد// في خطوة تعكس مرونة الدبلوماسية الهندية وقدرتها على تحقيق التوازن الاستراتيجي، فتحت نيودلهي وموسكو مساراً اقتصادياً جديداً عبر إطلاق برنامج تعاون اقتصادي طموح يمتد حتى عام 2030. ويأتي هذا التحول، الذي تُوج بزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للهند، بهدف تنويع الشراكة وتوسيعها لتهيئة محور مالي وتجاري صامد أمام الضغوط الدولية والرسوم الجمركية الغربية. تسعى هذه الحقبة الجديدة إلى القفز بحجم التبادل التجاري الثنائي إلى 100 مليار دولار، متجاوزةً أطر تجارة الطاقة التقليدية لتشمل البنية التحتية، والتكنولوجيا، والاستثمارات المتبادلة.
تبدأ الهند اليوم الأحد زيارة وزير خارجيتها سوبراهمانيام جايشانكار إلى موسكو في تحرك يركز على توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتكنولوجي، في وقت تحاول فيه نيودلهي الحفاظ على علاقاتها مع روسيا مع إبقاء قنواتها مفتوحة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.
وأعلنت وزارة الخارجية الهندية أن جايشانكار سيزور موسكو يومي 23 و24 أغسطس، حيث يشارك في رئاسة الدورة السابعة والعشرين للجنة الحكومية الهندية الروسية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، وهي آلية تبحث ملفات التجارة والطاقة والصناعة والدواء والأسمدة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات.
وتأتي الزيارة في ظرف اقتصادي حساس بالنسبة للهند، التي تسعى إلى المحافظة على إمدادات الطاقة والمواد الخام وتعزيز صادراتها، بينما تواجه البيئة التجارية العالمية مزيداً من القيود والرسوم وإعادة ترتيب سلاسل التوريد.
وقال جايشانكار خلال منتدى قادة العالم الاقتصادي في نيودلهي في 22 أغسطس إن سياسة الهند الخارجية يجب أن تضع مصالح المستهلك الهندي في مقدمة الحسابات، موضحاً أن بلاده تحتاج إلى إدارة علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة ودول الخليج وأوروبا بصورة متوازنة.
وتعكس هذه التصريحات طبيعة السياسة الهندية الحالية التي لا تتجه إلى التخلي عن علاقاتها التقليدية مع موسكو، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول هذه العلاقة إلى اعتماد اقتصادي أحادي. وتعمل نيودلهي على توسيع قاعدة شركائها التجاريين والاستثماريين، مستفيدة من موقعها كواحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً.
ويكتسب ملف الطاقة أهمية خاصة في العلاقات الهندية الروسية. فالتعاون بين البلدين في مجال النفط والغاز والأسمدة ظل من الملفات الرئيسية خلال السنوات الأخيرة، فيما تحاول الهند ضمان تدفق الطاقة بأسعار مناسبة لاقتصاد يبلغ عدد سكانه أكثر من 1.4 مليار نسمة.
وتواجه الحكومة الهندية في المقابل ضغوطاً مرتبطة بالتضخم. فقد أظهرت محاضر اجتماع البنك الاحتياطي الهندي في أغسطس أن صانعي السياسة النقدية يرون مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتكاليف المدخلات. وحذر محافظ البنك سانجاي مالهوترا من إمكانية انتقال هذه الضغوط إلى نطاق أوسع إذا استمرت أسعار الغذاء والطاقة في الارتفاع.
ورغم هذه المخاطر، رفع البنك الاحتياطي الهندي توقعاته لنمو الاقتصاد خلال السنة المالية إلى 6.7 بالمئة، في إشارة إلى أن المؤسسة النقدية لا تزال ترى قدرة كبيرة للاقتصاد الهندي على مواصلة التوسع، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام تشديد السياسة النقدية إذا أصبحت الضغوط التضخمية أكثر اتساعاً.
وتمنح زيارة جايشانكار موسكو أهمية إضافية لملفات تتجاوز النفط. فالهند وروسيا تعملان على تطوير التعاون في الصناعات والتكنولوجيا والأدوية والمواد الكيميائية والأسمدة والتعدين، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بأمن الإمدادات وقدرة الهند على تقليل تعرضها للصدمات الخارجية.
وفي المقابل، لا يعني توسيع التعاون مع موسكو أن الهند تتجه إلى سياسة مواجهة مع الغرب. فقد أكد جايشانكار في حديثه الأخير أن السياسة الخارجية الهندية تقوم على إدارة علاقات متعددة في وقت واحد، مشيراً إلى أهمية روسيا والخليج والولايات المتحدة وغيرها بالنسبة للمصالح الهندية.
ويرى محللون أن هذا النهج ينسجم مع التحول الأوسع في السياسة الاقتصادية الهندية، حيث تسعى نيودلهي إلى استخدام علاقاتها المتعددة للحصول على أفضل شروط ممكنة في الطاقة والتكنولوجيا والتجارة، بدلاً من الانضمام الكامل إلى محور اقتصادي واحد.
وتظهر أهمية هذه الاستراتيجية أيضاً في العلاقة الهندية مع دول الخليج، التي أصبحت شريكاً رئيسياً للهند في الطاقة والاستثمار والتجارة. ولذلك فإن استمرار التواصل مع موسكو لا ينفصل عن شبكة أوسع من العلاقات التي تحاول نيودلهي بناءها في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
لكن التحدي أمام الحكومة الهندية يتمثل في المحافظة على هذه المرونة في ظل تغير البيئة الدولية. فارتفاع أسعار النفط يمكن أن يدعم مصالح بعض الشركاء التجاريين لكنه في الوقت نفسه يضغط على الاقتصاد الهندي المستورد للطاقة، كما أن استمرار التوترات التجارية العالمية قد يفرض على نيودلهي إعادة حسابات صادراتها ووارداتها.
ومن المنتظر أن تبحث اللجنة الحكومية خلال اجتماعاتها في موسكو كيفية زيادة حجم التجارة والاستثمارات الثنائية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والعلوم والطاقة والصناعة. ولذلك فإن أهمية الزيارة لا تكمن في بعدها السياسي فقط، وإنما في محاولة تحويل العلاقة الهندية الروسية إلى شراكة اقتصادية أكثر تنوعاً.
وتسعى الهند من خلال هذا المسار إلى الحفاظ على علاقتها التاريخية مع موسكو، مع تطوير علاقات موازية مع الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وآسيا. وهذا النهج يمنح نيودلهي مساحة أكبر للمناورة الاقتصادية، لكنه يتطلب قدرة عالية على إدارة المصالح المتعارضة بين شركائها في مرحلة تتزايد فيها المنافسة على الطاقة والأسواق والتكنولوجيا.
المصادر:
وزارة الخارجية الهندية، زيارة وزير الخارجية سوبراهمانيام جايشانكار إلى روسيا، 23 و24 أغسطس 2026.
وزارة الخارجية الهندية، اجتماعات اللجنة الحكومية الهندية الروسية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، أغسطس 2026.
وكالة «تايمز أوف إنديا»، تفاصيل زيارة جايشانكار إلى موسكو، 23 أغسطس 2026.
وكالة رويترز، محاضر اجتماع البنك الاحتياطي الهندي ومخاطر التضخم والنمو، 19 أغسطس 2026.
«إيكونوميك تايمز»، تصريحات جايشانكار حول السياسة الهندية تجاه روسيا والخليج والولايات المتحدة، 22 أغسطس 2026.