المواجهة بين إسرائيل وتركيا .. هذه عراقيل تمنع اندلاع صراع عسكري مباشر بين الطرفين
رفض ترامب يلجم رغبة نتنياهو في التصعيد
- abdelrahman
- 21 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, اسرائيل, الحرب بين تركيا واسرائيل, تركيا, تنافس علي سوريا, مطار ابو الظهور
تدخل العلاقات التركية–الإسرائيلية مرحلة هي الأكثر توتراً منذ سنوات، لكن الانتقال من مستوى التهديدات والتنافس الإقليمي إلى حرب مباشرة لا يزال احتمالاً صعباً، وإن لم يعد مستبعداً كما كان في السابق.
فالتطورات الأخيرة في سوريا، ولا سيما الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في شمال غربي سوريا ، كشفت أن أنقرة وتل أبيب باتتا تتحركان في مساحة أمنية واحدة، وأن أي خطأ في الحسابات يمكن أن يحول التنافس غير المباشر إلى مواجهة مفتوحة. وقد أكدت إسرائيل أنها استهدفت القاعدة لمنع انتشار عسكري تركي محتمل، بينما نفت أنقرة وجود قوات تركية هناك ووصفت الرواية الإسرائيلية بأنها ذريعة لتبرير ضرب سوريا.
السؤال الأكثر إثارة هو: هل أصبحت تركيا «الهدف التالي» بعد إيران؟ لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة على وجود قرار أمريكي–إسرائيلي معلن أو خطة عسكرية تستهدف تركيا.
صراع علي النفوذ
والأدق أن ما يحدث يمثل صراعاً على النفوذ والحدود الأمنية في سوريا أكثر من كونه مرحلة تمهيدية مؤكدة لحرب ضد الدولة التركية. إسرائيل تنظر بقلق إلى توسع الدور التركي في سوريا، خصوصاً مع دعم أنقرة للقيادة السورية الجديدة وتعاونها العسكري معها، بينما تعتبر تركيا أن أمن سوريا واستقرارها مرتبطان مباشرة بأمنها القومي.
وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية. فبعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، لم تعد إسرائيل تواجه البيئة نفسها التي اعتادت التعامل معها خلال السنوات الماضية.
ومن الثابت القول إن صعود تركيا كلاعب عسكري وسياسي رئيسي يفرض على إسرائيل إعادة حساباتها.
وتقول تقارير إن إسرائيل كانت قلقة تحديداً من احتمال تعزيز الوجود العسكري التركي في قاعدة أبو الظهور، وهو ما دفعها إلى ضرب المنشأة قبل وصول قوات تركية إليها، في رسالة واضحة إلى أنقرة بأن إسرائيل لن تقبل بتغيير قواعد الانتشار العسكري قرب مناطق تعتبرها ذات أهمية أمنية.
رسالة أبو الظهور
لكن القول إن الحرب أصبحت حتمية سيكون مبالغة. فهناك عدة عراقيل كبيرة أمام اندلاع مواجهة تركية–إسرائيلية شاملة.
أول هذه العراقيل هو الولايات المتحدة. واشنطن تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل حليف استراتيجي، لكن تركيا عضو محوري في حلف الناتو، والرئيس دونالد ترامب يحتفظ بعلاقة مباشرة مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
ولذلك فإن أي حرب تركية–إسرائيلية ستضع الإدارة الأمريكية أمام أزمة لا ترغب في حدوثها، لأنها قد تضطر إلى إدارة صراع بين طرفين يرتبطان بدرجات مختلفة بالولايات المتحدة. وقد عبّر المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك عن القلق من التصعيد الأخير، وبدأت واشنطن العمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
العائق الثاني هو عضوية تركيا في الناتو. صحيح أن المادة الخامسة لا تعني بصورة آلية أن جميع دول الحلف ستدخل حرباً نيابة عن تركيا، لكنها تمنح أنقرة مظلة ردع هائلة.
فالناتو يوضح أن المادة الخامسة تُفعّل عندما يتعرض عضو لهجوم مسلح، وبناءً على تقييم الحلف وطلب أو موافقة الدولة المعتدى عليها، كما أن المساعدة لا تعني بالضرورة دخول جميع الدول الحرب عسكرياً.
حسابات معقدة
وهذا يجعل حسابات إسرائيل أكثر تعقيداً. فالحرب مع تركيا لن تكون مواجهة مع دولة شرق أوسطية منفردة، وإنما أزمة داخل المنظومة الأمنية الغربية نفسها. وقد جدد قادة الناتو في قمة أنقرة في يوليو الماضي التزامهم بما وصفوه بالتعهد القوي بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة.
أما العائق الثالث فهو حجم تركيا وقدراتها العسكرية والجغرافية. إسرائيل تمتلك تفوقاً نوعياً في مجالات عديدة، خصوصاً سلاح الجو والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، لكن تركيا دولة كبيرة ذات عمق جغرافي وسكاني واقتصادي وعسكري، ولديها قدرة على خوض صراع طويل بصورة تختلف جذرياً عن طبيعة المواجهات الإسرائيلية مع خصوم أصغر حجماً.
لهذا السبب، فإن إسرائيل تستطيع توجيه ضربات محدودة إلى مواقع داخل سوريا أو منع انتشار عسكري تعتبره خطراً، لكنها ستفكر مرات عدة قبل الانتقال إلى ضرب الأراضي التركية نفسها. وفي المقابل، لا تبدو أنقرة راغبة في الدخول في حرب شاملة يمكن أن تهدد اقتصادها ومصالحها وعلاقاتها الغربية.
تنافس علي سوريا
العامل الرابع هو سوريا نفسها. فأنقرة وتل أبيب تتنافسان على شكل الدولة السورية الجديدة ومستقبلها الأمني. تركيا تريد سوريا مستقرة وقادرة على العمل مع أنقرة، وتعتبر وجودها العسكري والتدريبي جزءاً من هذه المعادلة، بينما تسعى إسرائيل إلى منع ظهور قوة سورية أو إقليمية يمكن أن تشكل تهديداً على حدودها. ولذلك فإن سوريا تمثل حالياً أكثر ساحات الاحتكاك احتمالاً بين الطرفين، وليس الأراضي التركية أو الإسرائيلية بالضرورة.
ومن اللافت أن واشنطن تحاول تحديداً منع هذا الاحتكاك. فقد اعتبرت الإدارة الأمريكية الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور «تصعيداً غير ضروري»، في مؤشر إلى أن واشنطن لا تريد أن تتحول سوريا إلى نقطة اشتعال بين حليفين أمريكيين.
أما الحديث عن أن إسرائيل تستطيع خوض الحرب وحدها ضد تركيا، فهو يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، وتمتلك قدرات عسكرية متقدمة، لكنها تدرك أن حرباً طويلة مع دولة بحجم تركيا ستختلف عن العمليات العسكرية المحدودة التي خاضتها ضد خصوم إقليميين آخرين. كما أن استمرار الحرب قد يفرض ضغوطاً سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة على إسرائيل، ويضع الولايات المتحدة أمام اختبار صعب.
خطاب أ
وفي المقابل، فإن تركيا لا تبحث عن مواجهة مباشرة على الأرجح. خطاب أردوغان أصبح أكثر حدة تجاه إسرائيل، وقد حذر في يونيو/حزيران من أن الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان وصلت إلى مرحلة تهدد تركيا نفسها. لكن الخطاب السياسي الحاد يمكن أن يكون أيضاً أداة ردع وضغط تفاوضي، وليس بالضرورة إعلاناً عن الاستعداد للحرب.
السيناريو الأكثر احتمالاً خلال المرحلة المقبلة هو حرب أعصاب وتنافس غير مباشر داخل سوريا: تحركات عسكرية، رسائل تحذير، ضغوط دبلوماسية، محاولة كل طرف فرض خطوط حمراء، وربما حوادث محدودة قد يتم احتواؤها عبر واشنطن. أما السيناريو الأخطر فهو وقوع خسائر تركية مباشرة نتيجة ضربة إسرائيلية، أو استهداف إسرائيلي لموقع توجد فيه قوات تركية بالفعل، بما قد يدفع أنقرة إلى الرد، فتجد إسرائيل نفسها أمام معادلة جديدة.
خطاب أكثر حدة
وبالتالي، فإن تركيا ليست بالضرورة «الهدف التالي» على لائحة عسكرية أمريكية–إسرائيلية، لكن من الواضح أنها أصبحت المنافس الإقليمي الذي تضعه إسرائيل في حساباتها الأمنية بقوة أكبر. والتصعيد الأخير في سوريا يؤكد أن مرحلة التنافس بين أنقرة وتل أبيب انتقلت من البيانات السياسية إلى الاحتكاك العسكري غير المباشر.
الخلاصة أن احتمال اندلاع مواجهة محدودة أو حادث عسكري مباشر بين تركيا وإسرائيل أصبح أعلى من السابق، بينما تبقى احتمالات الحرب الشاملة منخفضة في المدى المنظور.
فعضوية تركيا في الناتو، والعلاقة الأمريكية مع أنقرة، وحجم القدرات التركية، والمصالح الأمريكية في منع انهيار سوريا، كلها عوامل تجعل تكلفة الحرب مرتفعة جداً. ولذلك يبدو أن المعركة القادمة، إذا تصاعدت، ستكون على الأرجح معركة نفوذ وخطوط حمراء في سوريا، لا حرباً شاملة بين أنقرة وتل أبيب.