العيش منفردًا يفتح فجوة اقتصادية جديدة في المجتمع الياباني
تراجع الزواج وارتفاع متوسط العمر يكشفان قصور منظومة اجتماعية بُنيت على نموذج الأسرة ذات الدخلين
- محمود الشاذلي
- 9 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الأسر الفردية, التقاعد, الشيخوخة, الضمان الاجتماعي, الفقر, اليابان, نيكاي
تتجه اليابان نحو تحول اجتماعي عميق قد يجعل العيش المنفرد النمط الأكثر حضورًا داخل المجتمع، لكنه يضع ملايين الأشخاص أمام مخاطر مالية لا تواجهها الأسر التي تتقاسم الدخل والنفقات.
وفي قراءة نشرتها صحيفة «نيكاي» برزت قضية الفجوة التي قد تتكون خلال سنوات العمل ثم تتسع بعد التقاعد، عندما يعتمد الشخص الذي يعيش وحده على معاشه ومدخراته من دون دخل شريك أو دعم عائلي منتظم.
44.3% من الأسر قد تضم شخصًا واحدًا
تقدر مؤسسة أبحاث السكان والضمان الاجتماعي في اليابان أن يصل عدد الأسر الفردية إلى 23.3 مليون أسرة في عام 2050، لتشكل 44.3% من إجمالي الأسر، ارتفاعًا من 38% في عام 2020. كما يُتوقع أن يزيد عدد كبار السن الذين يعيشون بمفردهم بنحو 47% خلال الفترة نفسها.
وتكشف هذه التوقعات أن المسألة لم تعد اختيارًا شخصيًا يتعلق بنمط الحياة فقط، بل أصبحت جزءًا من البنية السكانية الجديدة للبلاد. فتراجع معدلات الزواج والإنجاب، بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر، يقلل حجم شبكات الدعم العائلية التي اعتمد عليها المجتمع طويلًا.
تكلفة الحياة لا تُقسم بالتساوي
تستفيد الأسرة ذات الدخلين من توزيع نفقات السكن والطاقة والطعام، كما يمكن أن يعوض دخل أحد الشريكين فقدان الآخر لوظيفته أو تراجع قدرته على العمل. أما الشخص المنفرد فيتحمل النفقات الثابتة وحده، ويصبح أكثر تعرضًا لأي صدمة صحية أو مهنية.
وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المنشورة في مسح اليابان لعام 2026 أن معدل الفقر النسبي في البلاد بلغ 15.4%، متجاوزًا متوسط المنظمة البالغ 11.5%. وبلغ معامل جيني لعدم المساواة 0.338، مقابل متوسط 0.317، فيما ظل متوسط الدخل الأسري المتاح أدنى من نظيره في دول المنظمة.
ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها أن جميع المقيمين منفردين فقراء، لكنها تؤكد أن التحول يحدث داخل اقتصاد يعاني أصلًا مستويات مرتفعة نسبيًا من الفقر وعدم المساواة، ما يزيد أهمية تصميم حماية مخصصة للأسر ذات الدخل الواحد.
المخاطر تتراكم حتى التقاعد
تظهر المشكلة بصورة أشد بعد الخروج من سوق العمل. فالمعاش الفردي قد لا يكون كافيًا لتغطية الإيجار والرعاية الصحية والخدمات اليومية، خصوصًا مع زيادة سنوات الحياة المتوقعة. كما أن العاملين في وظائف غير منتظمة أو منخفضة الأجر يكونون أقل قدرة على تكوين مدخرات طويلة الأجل.
وبحلول 2050، يتوقع أن يمثل من تزيد أعمارهم على 65 عامًا نحو 46.5% من جميع الأسر الفردية. وتجمع هذه الشريحة بين دخل ثابت محدود واحتياجات صحية ورعائية متنامية، مع احتمال غياب الأقارب القادرين على المساعدة.
سياسة اجتماعية لا تفترض وجود أسرة
يفرض الواقع الجديد مراجعة طريقة احتساب الضرائب والمعاشات ومساعدات السكن والرعاية طويلة الأجل. فاستمرار ربط الأمان الاقتصادي بوجود زوج أو أبناء يعني أن فئة متزايدة ستتحمل مخاطر أعلى لمجرد أنها تعيش بمفردها.
ويتمثل التحدي أمام طوكيو في بناء نظام يتعامل مع الفرد كوحدة مستقلة، ويضمن له حماية كافية طوال دورة حياته. وتهم هذه التجربة دولًا أخرى في آسيا وأوروبا تشهد بدورها انخفاض الزواج والمواليد وارتفاع أعداد المقيمين منفردين.
المصادر: صحيفة «نيكاي» (8 سبتمبر 2026)، المعهد الوطني الياباني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي، ومسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لليابان 2026.