العراق يستعيد صادرات النفط.. الخصومات وممر هرمز يعيدان المشترين

صادرات أغسطس تقفز مع عودة المشترين الآسيويين

استعاد “العراق” جزءاً مهماً من تدفقات صادراته النفطية خلال أغسطس، بعدما قفزت الشحنات إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.35 مليون برميل يومياً في يوليو، في تعافٍ لافت بعد أشهر من الاضطرابات التي قيدت قدرة بغداد على الوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وجاءت الزيادة مدفوعة بعاملين رئيسيين: الخصومات الكبيرة التي قدمتها شركة تسويق النفط العراقية «سومو» على بعض الشحنات، وتحسن قدرة الناقلات العراقية على عبور “مضيق هرمز” بعد حصول عدد منها على موافقة إيرانية للمرور.

وتشير بيانات الشحن ومصادر في القطاع إلى أن صادرات سبتمبر مرشحة لمزيد من الارتفاع مع عودة المشترين الصينيين والهنود إلى السوق العراقية.

انتعاش تقوده الخصومات..

كان النفط العراقي من بين أكثر الخامات تأثراً بالاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر “مضيق هرمز” منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، إذ يعتمد “العراق” بدرجة كبيرة على موانئه الجنوبية لتصدير الخام إلى الأسواق العالمية، وأدى شبه توقف حركة السفن عبر المضيق إلى تقليص الصادرات العراقية بصورة حادة، رغم استمرار وجود إنتاج نفطي في الحقول.

وبحلول مايو، كانت تدفقات الإنتاج والتصدير قد تراجعت إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، لكن الصورة تغيرت خلال أغسطس، فقد سمحت “إيران” لعدد من الناقلات العراقية بالمرور عبر “مضيق هرمز”، بينما ساعدت الخصومات السعرية الكبيرة التي قدمتها «سومو» على إعادة جذب المشترين.

وبحسب بيانات نقلتها رويترز، عرضت الشركة شحنات من خام البصرة للتحميل في أغسطس بخصومات تراوحت بين 25 و30 دولاراً للبرميل على أساس التسليم على ظهر السفينة، ما منح المصافي وشركات التجارة حافزاً قوياً لتحمل مخاطر الشحن والاستفادة من انخفاض تكلفة شراء الخام.

ولم يكن ارتفاع الصادرات انعكاساً لعودة الطلب العالمي وحدها، بل ارتبط أيضاً بتحسن اقتصاديات شراء الخام العراقي بالنسبة إلى المصافي، فقد استفادت شركات مثل «بتروتشاينا» وشركات تجارة كبرى من الأسعار المخفضة، بينما عادت المصافي الآسيوية، خصوصاً في “الصين” و”الهند”، إلى شراء كميات أكبر من خام البصرة الثقيل عالي الكبريت.

وتشير بيانات الشحن إلى أن شركة «ريلاينس إندستريز» الهندية تلقت نحو 4 ملايين برميل، في حين اشترت شركات تكرير صينية أكثر من 16 مليون برميل لتسليمها خلال سبتمبر، ومع ذلك، فإن الارتفاع المسجل في أغسطس لا يعني أن صادرات “العراق” عادت إلى مستوياتها الطبيعية.

فقد وضعت تقديرات شركتي «فورتكسا» و«كبلر» صادرات الخام العراقي خلال الشهر عند نحو 2.3 مليون و2.17 مليون برميل يومياً على التوالي، وهي مستويات أعلى بوضوح من يوليو، لكنها لا تزال أقل كثيراً من مستويات ما قبل الحرب التي تجاوزت 3.3 مليون برميل يومياً، ولذلك فإن ما يحدث يمثل تعافياً جزئياً أكثر منه عودة كاملة إلى الوضع السابق.

الإيرادات تحت الضغط..

تكتسب عودة الصادرات أهمية خاصة بالنسبة إلى “العراق” بسبب الاعتماد الكبير للموازنة والاقتصاد على النفط. ووفق البنك الدولي، شكّل النفط في عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع، كما يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، مع بقاء حصتها فوق 90% من الإيرادات الحكومية خلال السنوات المقبلة في ظل محدودية القاعدة الضريبية غير النفطية.

ويعني ذلك أن ارتفاع حجم الصادرات يمنح بغداد دعماً مهماً، لكنه لا يضمن بالضرورة زيادة مماثلة في الإيرادات، فالخصومات الكبيرة التي قدمتها «سومو» ساعدت على إعادة المشترين إلى السوق، لكنها تعني في الوقت نفسه أن العراق يبيع بعض شحناته بأقل من الأسعار المرجعية المتاحة في ظروف أكثر استقراراً، وبالتالي، فإن تحسن عدد البراميل المصدرة يمكن أن يتزامن مع ضغط على الإيراد المحقق من كل برميل.

وتبرز هنا مفارقة مهمة في سوق النفط العراقي: الاضطرابات التي قيدت حركة التصدير جعلت “العراق” مضطراً إلى تقديم حوافز أكبر للمشترين، بينما سمحت عودة بعض طرق الشحن بتوسيع الكميات المباعة، ومن ثم فإن التعافي الحالي يجمع بين زيادة الحجم وتنازل سعري جزئي، وليس مجرد استفادة من ارتفاع الطلب العالمي.

وتزداد أهمية هذا التوازن مع استمرار الضغوط على المالية العامة، فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن “العراق” يواجه عجزاً مالياً مرتفعاً على المدى المتوسط نتيجة صلابة الإنفاق الجاري وتراجع الإيرادات النفطية، بينما تمثل الرواتب والمعاشات جزءاً متزايداً من إجمالي الإنفاق، وتحد هذه التركيبة من قدرة الحكومة على امتصاص أي انخفاض جديد في أسعار النفط أو صادرات الخام، كما أن عودة الصادرات ترتبط مباشرة بسياسة العراق داخل «أوبك+».

فقد سعت بغداد خلال العام الحالي إلى الحصول على مساحة إنتاجية أكبر تعكس قدراتها، في وقت تواجه فيه ضغوطاً مالية وحاجة إلى الاستفادة من الاستثمارات الجديدة في قطاع النفط، وتظل زيادة الإنتاج مرتبطة بالتزامات “العراق” تجاه اتفاقات «أوبك+»، فيما تشير التطورات الأخيرة إلى أن المنظمة وحلفاءها يتجهون إلى الإبقاء على سياسة الإنتاج الحالية خلال أكتوبر، مع استمرار مناقشة مستويات الإنتاج والطاقات الأساسية لعام 2027.

اختبار ما بعد التعافي..

لا تتوقف أهمية ارتفاع الصادرات عند أرقام أغسطس وسبتمبر، بل تمتد إلى قدرة “العراق” على جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على تدفقات إنتاج مستقرة، فقد شهد القطاع النفطي اهتماماً متجدداً من شركات دولية كبرى، في وقت تسعى فيه “بغداد” إلى تطوير حقولها وزيادة الطاقة الإنتاجية.

لكن تحويل الاستثمارات والاتفاقات إلى إنتاج فعلي يتطلب بنية تحتية موثوقة للتصدير، واستقراراً سياسياً وقانونياً، وقدرة على التعامل مع مخاطر الملاحة التي كشفتها أزمة “مضيق هرمز”، وتظل البنية التحتية واحدة من أبرز نقاط الضعف، فاعتماد الجزء الأكبر من صادرات “العراق” على موانئ الجنوب يجعل تدفقات الخام شديدة الحساسية لأي اضطراب في الخليج أو “مضيق هرمز”.

وقد أظهرت أزمة 2026 أن امتلاك احتياطيات وإنتاج مرتفعين لا يكفي وحده لضمان الإيرادات، إذا تعذر نقل النفط إلى المشترين، ولذلك تعمل بغداد على تطوير خيارات إضافية للتصدير، بما في ذلك مشاريع لربط مناطق الإنتاج بمسارات تصدير بديلة، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بالمسار البحري الجنوبي.

لكن التحدي الأكبر يظل اقتصادياً وليس نفطياً فقط، فارتفاع الصادرات يوفر “للعراق” فرصة لالتقاط الأنفاس المالية، لكنه لا يعالج مشكلة الاعتماد الهيكلي على الخام، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن ضعف القطاعات غير النفطية، إلى جانب مشكلات الكهرباء والمياه والسيولة، يحد من قدرة الاقتصاد على خلق نمو مستدام خارج قطاع الطاقة.

كما يرى صندوق النقد أن ضعف الإيرادات غير النفطية وارتفاع الإنفاق الجاري يزيدان من تعرض المالية العامة لصدمات أسعار النفط، ومن هنا، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى “بغداد” لا يتعلق فقط بعدد البراميل التي ستصدرها خلال سبتمبر، وإنما بكيفية استخدام العائدات الناتجة عنها.

فإذا تحولت زيادة التدفقات إلى تمويل للبنية التحتية والكهرباء والصناعة والزراعة والنقل والخدمات، فإنها قد تصبح جزءاً من استراتيجية لتقليل الاعتماد على النفط، أما إذا اتجهت الإيرادات الإضافية أساساً إلى توسيع الإنفاق الجاري، فستظل المالية العراقية معرضة للدورة نفسها: ارتفاع الأسعار أو الصادرات يؤدي إلى زيادة الإنفاق، ثم تأتي أي صدمة نفطية لتكشف هشاشة النموذج من جديد.

وتبدو التوقعات قصيرة الأجل أكثر إيجابية، مع مؤشرات على استمرار زيادة الشحنات في سبتمبر واستمرار اهتمام المشترين الآسيويين بالخام العراقي، لكن استمرار هذا التحسن سيبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية: قدرة الناقلات على الوصول إلى موانئ “العراق” والخروج منها، استمرار جاذبية الأسعار والخصومات، وعدم تعرض البنية التحتية النفطية لمزيد من الاضطرابات.

وبذلك يمثل ارتفاع صادرات أغسطس تطوراً إيجابياً “للعراق”، لكنه لا يرقى بعد إلى تحول هيكلي في قطاع النفط أو الاقتصاد، فالبلاد استعادت جزءاً من تدفقاتها بفضل مزيج من الخصومات وتحسن مسارات الشحن، بينما لا تزال الصادرات دون مستويات ما قبل الحرب.

وإذا نجحت “بغداد” في استغلال هذه النافذة لتعزيز البنية التحتية وتنويع الاقتصاد وتحسين إدارة الإيرادات، فقد تتحول عودة الصادرات من مجرد تعافٍ مؤقت إلى خطوة في مسار أكثر استدامة، أما إذا بقي النفط المصدر الرئيسي لتمويل الدولة، فستظل كل زيادة في الصادرات مكسباً قصير الأجل أمام مشكلة اقتصادية أعمق لم تُحل بعد.

اترك تعليقا