السعودية وواشنطن: شراكة استراتيجية أم صفقة أمريكية مشروطة؟
«صفقات متعددة الملفات»
- dr-naga
- 7 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- «صفقات متعددة الملفات», الاستثمار, التطبيع, التطبيع مع إسرائيل, السعودية, الطاقة, امريكا, ترامب, شراكة استراتيجية, صفقة أميركية, واشنطن
الرائد// تكشف التطورات الأخيرة أن العلاقة السعودية الأميركية لا تسير في اتجاه واحد كما قد توحي عبارات «الشراكة الاستراتيجية»، وإنما تقوم على تفاوض صعب يحاول فيه كل طرف تعظيم مصالحه. فالرياض تريد التكنولوجيا النووية، والتعاون الدفاعي، والاستثمارات الأميركية، وضمانات أمنية أكثر وضوحاً، بينما تريد واشنطن في المقابل مكاسب اقتصادية واستراتيجية وسياسية، وفي مقدمتها دفع السعودية نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقات إبراهيم.
والتطور الأوضح جاء في يوليو الماضي، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التعاون النووي المدني مع السعودية لن يمضي قدماً بالشكل الذي تريده الرياض ما لم توافق المملكة على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وكانت المفارقة أن اتفاق التعاون النووي الأميركي السعودي كان قد أُعلن قبله بيوم واحد، ما جعل الشرط الأميركي الجديد يبدو وكأنه إعادة ربط للملف النووي بصفقة سياسية أوسع.
وهذه ليست قراءة سعودية أو عربية فقط. فقد رأى أندرو ليبر وجين داربي مينتون، الباحثان في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن ربط الاتفاق النووي بالتطبيع الإسرائيلي يمكن أن يجعل الصفقة كلها معرضة للتعثر، خصوصاً أن الرياض لم تُبدِ استعداداً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية.
ازدواجية في السياسة الأمريكية
وتقدم الباحثة جين داربي مينتون ملاحظة أكثر أهمية من مجرد الخلاف السياسي؛ إذ ترى أن الاتفاق النووي الحالي يبتعد عن «المعيار الذهبي» الذي كانت الولايات المتحدة تفضله في اتفاقات التعاون النووي، لأنه لا يلزم السعودية صراحة بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة المعالجة، ولا يفرض عليها اعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهنا تظهر ازدواجية في السياسة الأمريكية. فواشنطن التي ترفع عادة شعار منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط وافقت في الاتفاق المعلن في يوليو على صيغة تسمح للسعودية بمسار نحو التخصيب، ثم حاولت بعد ذلك استخدام الاتفاق نفسه كورقة ضغط سياسية مرتبطة بإسرائيل.
وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في تصريحات نشرت اليوم، أن السعودية تستعد لمنح الوكالة صلاحيات رقابية أوسع تشمل مراقبة أنشطة حساسة مثل تحويل اليورانيوم وتخصيبه وإعادة معالجة الوقود، رغم أن المملكة لم تعتمد البروتوكول الإضافي بصيغته الكاملة. وهذا يعني أن الرياض تحاول في الوقت نفسه الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية وتقديم ضمانات دولية تحول دون اتهام برنامجها بالتحرك نحو السلاح النووي.
الجانب السياسي هو الأكثر حساسية.
فواشنطن لا تنظر إلى العلاقة مع الرياض باعتبارها ملفاً أمنياً أو اقتصادياً منفرداً. التطبيع السعودي الإسرائيلي ظل جزءاً من التصور الأميركي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط منذ إدارة جو بايدن، وعاد بقوة في عهد ترامب. ويشير تحليل حديث لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن التصور الأميركي للصفقة الأوسع جمع بين ضمانات أمنية للسعودية، وتكنولوجيا متقدمة، وتعاون نووي، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
ترامب والفرص السعودية
ويذهب آرون ديفيد ميلر، الباحث في كارنيغي والدبلوماسي الأميركي السابق، إلى أن ترامب ينظر إلى العلاقة مع السعودية من زاوية شديدة المعاملاتية، وأن الرئيس الأميركي مهتم بالفرص الاقتصادية وبإبرام صفقة سعودية إسرائيلية يمكن أن تمنحه مكسباً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً. ويرى ميلر أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يريد بدوره تثبيت صورة السعودية باعتبارها قوة دولية مستقلة وشريكاً رئيسياً لواشنطن، وليس مجرد دولة تابعة للسياسة الأميركية.
وهذا التوصيف مهم لأنه يفسر جانباً من التوتر الحالي: الرياض لا ترفض التعاون مع الولايات المتحدة، لكنها ترفض أن تتحول الشراكة إلى آلية تفرض عليها خيارات استراتيجية لا تتوافق مع حساباتها الإقليمية.
ويؤكد مركز «تشاتام هاوس» هذا الاتجاه في تحليل نشره في أغسطس، مشيراً إلى أن السعودية ما زالت تعتبر الولايات المتحدة شريكها الاستراتيجي الرئيسي، لكنها تقول لواشنطن بوضوح إن هذه الشراكة لا ينبغي أن تكون مشروطة بانضمام المملكة إلى اتفاقات إبراهيم.
التطبيع مع إسرائيل
أما داخل السعودية، فإن الحساب مختلف. فالتطبيع مع إسرائيل ليس قراراً خارجياً بسيطاً، لأن الرياض تدرك حساسية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام العربي والإسلامي، كما تدرك أن منح إسرائيل مكسباً دبلوماسياً كبيراً من دون تقدم ملموس نحو الدولة الفلسطينية يمكن أن يضعف صورتها الإقليمية.
وقد أشار تحليل كارنيغي في مارس إلى أن القيادة السعودية كانت قبل التصعيد الإقليمي متمسكة بموقف مفاده أن التطبيع مع إسرائيل لا يمكن أن يمضي من دون مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية، وأن الرأي العام السعودي تجاه إسرائيل شديد السلبية. ويرى التحليل أن قرب الرياض من واشنطن يصبح أكثر صعوبة عندما تقترن السياسة الأميركية بدعم إسرائيل وسياساتها الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تستجيب السعودية ببساطة للضغط الأميركي؟
فالرياض لديها بدائل وشبكة علاقات أوسع مما كانت عليه قبل عقد. الصين أصبحت شريكاً اقتصادياً رئيسياً، وروسيا طرف مهم في سوق الطاقة، وتركيا شريك متنامٍ في الصناعات الدفاعية، كما وقعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس اتفاقاً دفاعياً ثلاثياً في مكة، وهو تطور يعكس رغبة متزايدة في بناء قدرة أمنية متعددة الأطراف.
ولا يعني ذلك أن السعودية تريد استبدال الولايات المتحدة بالصين أو روسيا. هذه قراءة مبسطة. الأرجح أن الرياض تريد شيئاً أكثر تعقيداً: الاحتفاظ بالعلاقة الأمنية والتكنولوجية مع واشنطن، مع منع هذه العلاقة من التحول إلى احتكار أميركي للخيارات الاستراتيجية السعودية.
وهنا يصبح مفهوم «الابتزاز» بحاجة إلى استخدام دقيق. لا توجد أدلة تسمح بالقول إن السياسة الأميركية تجاه السعودية تقوم رسمياً على الابتزاز. لكن توجد وقائع موثقة تجعل من المشروع الحديث عن استخدام واشنطن أدوات تفاوضية ضاغطة؛ أبرزها ربط امتيازات نووية وتقنية ترغب فيها الرياض بقرار سياسي يتعلق بإسرائيل. وهذا فرق مهم بين الوصف السياسي والتحليل القائم على الأدلة.
الجانب الاقتصادي
والأمر نفسه ينطبق على الجانب الاقتصادي. فالاتفاقات الأميركية السعودية تفتح سوقاً ضخمة أمام الشركات الأميركية في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية. وتقول تحليلات أميركية إن الاتفاق النووي نفسه يمكن أن يكون مربحاً للشركات الأميركية، بينما يحذر خبراء عدم الانتشار من أن تخفيف القيود النووية يخلق مخاطر أوسع من مجرد المكاسب التجارية.
وفي المقابل، تحصل السعودية على ما تعتبره مكاسب استراتيجية حقيقية: التكنولوجيا الأميركية، التدريب، السلاح المتقدم، التعاون النووي، والاستثمار، إضافة إلى محاولة الوصول إلى ترتيبات أمنية أكثر وضوحاً.
لذلك فإن الصورة الأكثر توازناً ليست أن أميركا «تستغل» السعودية فحسب، ولا أن البلدين يدخلان في شراكة متكافئة تماماً. الحقيقة أقرب إلى مساومة استراتيجية بين قوتين غير متساويتين في الأدوات، لكن لكل منهما أوراق ضغط حقيقية.
“واشنطن تمتلك التكنولوجيا والسلاح والنفوذ المالي والدبلوماسي، بينما تمتلك الرياض الطاقة والاستثمار والموقع الجغرافي والثقل الديني والسياسي في العالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن قدرتها على تنويع الشراكات الدولية”.
ولهذا من المرجح أن تستمر المفاوضات في صيغة «صفقات متعددة الملفات» بدلاً من اتفاق واحد شامل. وقد تحاول الرياض فصل التعاون النووي والدفاعي عن التطبيع الإسرائيلي، بينما ستسعى الإدارة الأميركية إلى إبقاء الملفات مترابطة حتى تحصل على تنازل سعودي في القضية الإسرائيلية.
والتطور الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة هو: هل تستطيع السعودية الحصول على التكنولوجيا والضمانات الأمنية الأميركية من دون تقديم التطبيع الذي تريده واشنطن؟ إذا نجحت، فستكون قد أثبتت قدرة أكبر على إعادة تعريف العلاقة مع القوة العظمى. وإذا اضطرت في النهاية إلى تقديم تنازلات سياسية واسعة مقابل التكنولوجيا والأمن، فسيكون ذلك دليلاً على استمرار الوزن الكبير للأدوات الأميركية في صناعة القرار السعودي.
وفي كلتا الحالتين، فإن العلاقة لم تعد علاقة «نفط مقابل أمن» بالمعنى القديم. إنها تتحول إلى تفاوض معقد حول الأمن والتكنولوجيا والطاقة والاستثمار وإسرائيل وفلسطين وموقع السعودية في النظام الدولي الجديد.
المصادر والتحليلات: وكالة رويترز، 23 و24 يوليو و7 سبتمبر 2026؛ مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أندرو ليبر وجين داربي مينتون؛ آرون ديفيد ميلر، كارنيغي؛ تشاتام هاوس، تحليل 5 أغسطس 2026؛ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؛ جمعية الحد من التسلح؛ الوكالة الدولية للطاقة الذرية.