السعودية تحافظ على استقرار التضخم
وسط المتغيرات الإقليمية والدولية
- dr-naga
- 12 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد السعودية, الأسواق العالمية, التضخم في السعودية, السعودية, المتغيرات الإقليمية والدولية
الرائد// أكد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي، في اجتماع عقد أمس الأحد 6 سبتمبر ونشرت تفاصيله اليوم الاثنين، أن الاقتصاد السعودي يواصل إظهار قدرة على الصمود أمام المتغيرات الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى استمرار التضخم عند مستويات منخفضة عالميًا. وسجل معدل التضخم السنوي 1.8 بالمئة في يوليو 2026، محافظًا على المستوى نفسه للشهر الثالث على التوالي.
وجاءت هذه البيانات في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية ضغوطًا جديدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة التجارة في المنطقة. فقد ارتفع خام برنت اليوم الاثنين إلى نحو 96.80 دولار للبرميل، بعد زيادة أسبوعية بلغت 7.8 بالمئة، مع تراجع حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ مايو.
وتكتسب الأرقام السعودية أهمية خاصة لأن المملكة تدخل هذه المرحلة وهي في طور إعادة تشكيل اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط. ويشير مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية إلى أن التقرير الربعي لوزارة الاقتصاد والتخطيط ناقش آفاق النمو والفرص المتاحة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
تعليقات الخبراء
المحلل الاستراتيجي للأسواق والمنتجات في شركة «برايماري فيجن» أسامة رزفي يرى أن سوق النفط لا يزال يواجه فجوة بين التصريحات الرسمية حول عودة التدفقات وبين بيانات الشحن الفعلية. ويعتبر أن انخفاض صادرات الخليج ونقص إمدادات الديزل يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، مع انتقال جزء من هذه الضغوط إلى المستهلكين وارتفاع الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات.
وهذا التحليل يضع الاقتصاد السعودي أمام مفارقة مهمة: ارتفاع أسعار النفط يوفر دعمًا للإيرادات العامة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يزيد تكلفة النقل والطاقة والسلع عالميًا، بما يفرض ضغوطًا تضخمية على الاقتصادات المستوردة.
لكن السعودية تتمتع بميزة تختلف عن كثير من الاقتصادات العربية؛ فهي منتج كبير للطاقة وفي الوقت ذاته تنفق بكثافة على البنية التحتية والسياحة والتقنية والصناعة والخدمات. ولذلك فإن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يوفر دعمًا ماليًا للمشروعات، بينما انخفاض التضخم المحلي يمنح الأسر والشركات قدرًا أكبر من الاستقرار.
القراءة الاقتصادية
اللافت في البيانات السعودية أن التضخم بقي عند 1.8 بالمئة، رغم الظروف الخارجية، وهو مستوى منخفض جدًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى. ويعني ذلك أن الارتفاعات العالمية في تكاليف الطاقة والشحن لم تنتقل حتى الآن إلى الأسعار المحلية بالدرجة نفسها.
ويرتبط ذلك جزئيًا بطبيعة الاقتصاد السعودي وسياسات دعم واستقرار بعض أسعار الخدمات والطاقة، إلى جانب قوة الإنفاق والاستثمار الحكومي. لكن استمرار هذه المعادلة سيعتمد على مدة اضطراب الأسواق العالمية.
وهنا تظهر أهمية ما يحدث في النفط. فقد توقعت مجموعة «إيه إن زد» أن يؤدي استمرار المواجهة في المنطقة إلى الحد من صادرات النفط من الشرق الأوسط حتى نهاية 2026، قبل عودة التدفقات إلى مستوياتها السابقة في بداية 2027.
إذا تحقق هذا السيناريو، فقد تستفيد السعودية ماليًا من ارتفاع أسعار النفط، لكن تكاليف الواردات وسلاسل الإمداد قد تصبح أكثر ضغطًا على الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن استمرار التضخم المحلي عند 1.8 بالمئة سيكون اختبارًا لقدرة السياسة الاقتصادية السعودية على عزل السوق المحلية نسبيًا عن موجات التضخم المستوردة.
البعد الأوسع
الخبر لا يتعلق بالتضخم وحده. فالسعودية تحاول في السنوات الأخيرة تحويل طبيعة النمو الاقتصادي بحيث تصبح قطاعات السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار محركات مستقلة نسبيًا عن النفط.
وهذا ما يجعل اجتماع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية مهمًا؛ إذ لم يركز فقط على المؤشرات الحالية، بل ناقش فرص تعزيز تنافسية الاقتصاد في ظل المتغيرات الجيوسياسية
ويرى الاتجاه الاقتصادي الأوسع أن قدرة السعودية على الحفاظ على التضخم منخفضًا، بالتزامن مع استمرار الاستثمار، تمنحها وضعًا أفضل من دول تواجه ارتفاعًا في الأسعار مع ضعف النمو. لكن الخطر يكمن في استمرار اضطرابات الطاقة والنقل لفترة طويلة، لأن ذلك قد يرفع تكلفة المشروعات ويضغط على الإنفاق الاستثماري الخاص.
التوقعات
خلال الأشهر المقبلة ستكون ثلاثة مؤشرات حاسمة: أسعار النفط، كلفة الشحن، والتضخم المحلي. وإذا بقي النفط مرتفعًا بينما ظل التضخم السعودي قريبًا من مستواه الحالي، فستمتلك الرياض مساحة مالية أكبر لمواصلة مشروعات التنويع الاقتصادي.
أما إذا امتدت أزمة الملاحة والطاقة إلى نهاية العام، فقد تبدأ آثارها في الظهور بصورة أوضح في تكاليف الواردات والخدمات. وفي هذه الحالة سيكون نجاح السعودية في الحفاظ على تضخم منخفض اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة اقتصادها الجديد على امتصاص الصدمات الخارجية.
المصادر: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي ووزارة الاقتصاد والتخطيط
رويترز «اقتصاد الشرق مع بلومبرغ»