الذكاء الاصطناعي يصعب من مهمة الحصول على فرصة عمل
رغم تراجع معدلات البطالة عالميا
- abdelrahman
- 12 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, الامم المتحدة, التحول الرقمي, الذكاء الاصطناعي, منظمة العمل الدولية
الرائد : أطلقت منظمة العمل الدولية صرخة تحذير من أن تحسن بعض مؤشرات البطالة بين الشباب يخفي أزمة أعمق في سوق العمل، مع تزايد صعوبة حصول ملايين الشباب على وظائف مستقرة ولائقة، وارتفاع عدد الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يحصلون على تدريب، في وقت تتغير فيه طبيعة الوظائف بفعل التكنولوجيا والتحولات الاقتصادية.
وقالت منظمة العمل الدولية في تقرير جديد لها ، بالتزامن مع اليوم الدولي للشباب، إن معدل بطالة الشباب عالمياً يتجه إلى الارتفاع، وإن الطريق إلى العمل اللائق أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجيل الجديد.
وأكدت المنظمة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الوظائف المتاحة، وإنما بجودة الوظائف وقدرتها على توفير دخل وأمان ومستقبل مهني.
تحذيرات منظمة العمل الدولية جاءت في توقيت رمزي، إذ اختارت الأمم المتحدة يوم 12 أغسطس للاحتفال باليوم الدولي للشباب تحت شعار «سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة».
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الشباب في مختلف أنحاء العالم يشتركون في تطلعات تتعلق بالكرامة والمشاركة والفرص، محذراً من أن عدم اليقين الاقتصادي والإدماج الرقمي وتغير المناخ تتجاوز حدود الدول وتتطلب استجابة منسقة.
لكن المشكلة الأكثر عمقاً تظهر في الدول النامية، حيث لا يكفي قياس البطالة الرسمية لمعرفة حجم أزمة الشباب.
الشباب والاقتصاد غير الرسمي
فالكثير من الشباب يعملون في الاقتصاد غير الرسمي أو في وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة، وبالتالي قد يظهرون إحصائياً كعاملين رغم أنهم لا يمتلكون دخلاً كافياً أو حماية اجتماعية أو مساراً مهنياً واضحاً.
وتزداد أهمية هذه المشكلة في أفريقيا، حيث يدخل ملايين الشباب سوق العمل كل عام.
وتوضح منظمة العمل الدولية أن معدلات البطالة وحدها لا تعكس الصورة الكاملة في القارة، لأن نسبة كبيرة من الشباب تضطر إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي أو تخرج من سوق العمل أصلاً بسبب ضعف فرص الحصول على وظيفة مناسبة.
تنوع الاقتصادات الإفريقية
وتُظهر برامج المنظمة الحالية أن خلق وظائف منتجة للشباب أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالتحول الهيكلي وتنويع الاقتصادات الأفريقية
وهنا تكمن المفارقة: أفريقيا تمتلك واحدة من أصغر التركيبات السكانية عمراً في العالم، وهو ما يمكن أن يكون ميزة اقتصادية هائلة، لكن هذه الميزة قد تتحول إلى عبء إذا لم تستطع الاقتصادات توفير وظائف كافية ومهارات مناسبة.
ووفي هذا السياق تقول منظمة العمل الدولية إن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يغيران طبيعة المهارات المطلوبة، ما يجعل التعليم التقليدي وحده غير كافٍ لضمان انتقال الشباب من الدراسة إلى العمل.
وتؤكد المنظمة أن المهارات الرقمية والتفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات أصبحت عناصر أساسية في سوق العمل الجديد.
ويرى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى المساعدة، بل قوة اجتماعية قادرة على قيادة التحول. إلا أن هذه الرؤية تصطدم بمشكلة عملية: لا يمكن مطالبة الشباب بالابتكار والمشاركة السياسية والاجتماعية بينما يواجه جزء كبير منهم صعوبة في الوصول إلى وظيفة مستقرة أو تعليم مناسب أو اتصال رقمي جيد.
فجوة بين الخطاب السياسي وسياسات التشغيل
وتكشف الأزمة كذلك عن فجوة بين الخطاب السياسي وسياسات التشغيل. فكثير من الحكومات تتحدث عن ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة باعتبارها الحل لمشكلة البطالة، لكن إنشاء مشروع صغير لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن اقتصاد قادر على إنتاج وظائف مستقرة. فالشاب يحتاج إلى تمويل وأسواق وتدريب وبنية رقمية وقانونية، وليس مجرد دعوة إلى بدء مشروع.
وفي الاقتصادات النامية، تصبح المسألة أكثر حساسية لأن ضعف فرص العمل يمكن أن يدفع الشباب إلى الهجرة أو الاقتصاد غير الرسمي أو الانسحاب من سوق العمل. وهذا يعني أن تكلفة البطالة لا تظهر فقط في معدلات الفقر، وإنما في فقدان المهارات وتراجع الإنتاجية وتأجيل تكوين الأسر وزيادة الضغوط الاجتماعية.
وتحذر تجربة السنوات الأخيرة من التعامل مع قضية الشباب باعتبارها ملفاً اجتماعياً منفصلاً. فالأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية تربطان مستقبل الشباب مباشرة بالتحول الاقتصادي والتعليم الرقمي والمناخ والتنمية المستدامة. وهذا يعني أن سياسة تشغيل الشباب لا يمكن أن تنجح إذا لم تترافق مع سياسة صناعية وزراعية ورقمية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.
وتبرز هنا أهمية الاستثمار في المهارات. فالدول التي تركز على تدريب الشباب في مجالات الطاقة الجديدة والتكنولوجيا والصناعة والخدمات الرقمية يمكن أن تستفيد من التحولات الاقتصادية العالمية، بينما قد تجد الدول التي تكتفي بتخريج أعداد كبيرة من الطلاب دون ربط التعليم باحتياجات السوق نفسها أمام موجات متواصلة من البطالة المقنعة.
كما أن الحكومات مطالبة بإعادة النظر في جودة الوظائف وليس أعدادها فقط. فوظيفة منخفضة الأجر بلا حماية اجتماعية أو استقرار لا تقدم للشاب المسار الذي يحتاج إليه لبناء حياته، وقد تؤدي إلى استمرار الفقر رغم انخفاض معدل البطالة رسمياً.
الاستثمار في المهارات
ولهذا فإن الرسالة الأهم في تقرير منظمة العمل الدولية اليوم ليست أن الشباب بلا مستقبل، وإنما أن المستقبل لن يأتي تلقائياً. الدول التي ستستثمر في المهارات وتوسيع الإنتاج ودمج الشباب في الاقتصاد الرسمي ستكون قادرة على تحويل التركيبة السكانية الشابة إلى قوة نمو، بينما قد تواجه الدول التي تفشل في ذلك تكلفة اقتصادية واجتماعية متراكمة.
ومن هنا يمكننا القول :، إن الاحتفال الدولي بالشباب في 2026 يأتي وسط مفارقة واضحة: العالم يمتلك جيلاً أكثر اتصالاً بالتكنولوجيا وأكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة، لكنه يواجه سوق عمل أكثر اضطراباً وأقل ضماناً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس إقناع الشباب بأن لديهم مستقبلاً، بل بناء اقتصاد يستطيع فعلاً أن يمنحهم هذا المستقبل.