الجزائر تنقل محافظ البنك المركزي إلى “المالية”

محمد الأمين لبّو لم يتولَّ منصب محافظ المركزي إلا فترة قصيرة

الرائد- أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعديلاً وزارياً محدوداً نقل بموجبه محمد الأمين لبّو من منصب محافظ بنك الجزائر إلى وزارة المالية،

في خطوة لافتة بسبب قصر الفترة التي قضاها في قيادة البنك المركزي.

وأعلنت الرئاسة الجزائرية التعديل في الأول من سبتمبر، فيما تسلّم لبّو مهامه رسمياً وزيراً للمالية في الثاني من سبتمبر خلفاً لعبد الكريم بوزرد.

وتكتسب الخطوة أهمية اقتصادية أكبر من حجم التعديل الوزاري نفسه، لأن لبّو لم يتولَّ منصب محافظ البنك المركزي إلا في فبراير 2026، ما يعني أن الرئاسة قررت الاستفادة من خبرته النقدية في موقع ستكون أمامه ملفات مالية وميزانية أكثر مباشرة.

ولم تعلن السلطات حتى الآن اسم خلفه في قيادة بنك الجزائر، وهو فراغ مؤقت ستكون له دلالة في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي التغيير في وقت تحاول فيه الجزائر إدارة معادلة صعبة تجمع بين الإنفاق الحكومي المرتفع والحاجة إلى المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، مع استمرار اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز.

وكانت الحكومة قد اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع الاستثمار العام والدعم والإنفاق الاجتماعي، بالتوازي مع محاولات زيادة الاستثمار الأجنبي وتنويع النشاط الاقتصادي بعيداً عن المحروقات.

ويرى تقرير وكالة Ecofin المنشور في الثاني من سبتمبر أن انتقال لبّو إلى وزارة المالية يضعه أمام مهمة تعزيز المالية العامة وتقليل اعتماد الدولة على إيرادات المحروقات.

ويعكس ذلك أن الاختيار لم يكن مجرد تدوير إداري، بل يرتبط على الأرجح بالحاجة إلى شخص لديه معرفة مباشرة بالسياسة النقدية وسوق الصرف والقطاع المصرفي في موقع إدارة المالية العامة.

وكان لبّو قد وصل إلى بنك الجزائر في فبراير في مرحلة وصفها تحليل متخصص نشر في مارس بأنها شديدة التعقيد نقدياً واقتصادياً ومؤسسياً.

وهذا المسار المهني يجعل انتقاله إلى وزارة المالية ذا أهمية خاصة، لأنه يجمع للمرة الأولى في الفترة الأخيرة بين الخبرة المباشرة في إدارة السياسة النقدية والمسؤولية عن المالية الحكومية.

وتحتاج الجزائر في المرحلة المقبلة إلى معالجة ثلاث قضايا مترابطة: ضبط الإنفاق العام، حماية استقرار الدينار، وتحويل عائدات الطاقة إلى استثمارات منتجة تستطيع خلق مصادر دخل خارج قطاع المحروقات.

كما أن ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط والغاز يظل عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تمويل برامجها الاجتماعية والاستثمارية.

وتشير الخطوة أيضاً إلى محاولة تعزيز التنسيق بين السياسة المالية والنقدية. لكن نجاح هذا المسار سيتوقف على الشخص الذي سيخلف لبّو في بنك الجزائر وعلى مدى قدرة المؤسسات المالية على الحفاظ على استقلالية قراراتها النقدية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تمويل النمو مع المحافظة على استقرار الأسعار وسوق الصرف.

تاريخياً، شهد الاقتصاد الجزائري مراحل متكررة من الاعتماد على ارتفاع أسعار الطاقة لتمويل الإنفاق، ثم التعرض لضغوط مالية عندما تنخفض الأسعار. وقد دفعت صدمة أسعار النفط في 2014 الجزائر إلى البحث بصورة أكثر جدية عن تنويع الاقتصاد وتقليص هشاشته أمام تقلبات السوق العالمية، لكن النتائج بقيت متفاوتة.

أما التوقع الأقرب، فهو أن يركز لبّو في المرحلة الأولى على إدارة التوازن بين الإنفاق الحكومي والإيرادات، وعلى الملفات المصرفية والاستثمارية، بينما سيشكل تعيين محافظ جديد لبنك الجزائر الاختبار الأهم لمدى اتساق السياسة المالية مع السياسة النقدية. وإذا تمكنت الحكومة من استخدام الإيرادات الطاقية لزيادة الاستثمار الإنتاجي بدلاً من توسيع الإنفاق الجاري فقط، فقد يتحول التعديل إلى جزء من إعادة ترتيب أوسع للسياسة الاقتصادية الجزائرية؛ أما إذا بقي الاقتصاد شديد الارتباط بالمحروقات، فسيظل هامش المناورة المالية مرتبطاً إلى حد كبير بأسعار الطاقة العالمية.

اترك تعليقا