الجزائر تدخل على خط الأزمة بين النيجر وتشاد.. وساطة سياسية وحسابات أمنية
جولة أحمد عطاف في النيجر وتشاد تستهدف احتواء التوترات الإقليمية
- محمود الشاذلي
- 5 نوفمبر، 2026
- تقارير وترجمات
تتحرك الجزائر على أكثر من مسار لتعزيز حضورها السياسي والأمني في منطقة الساحل الأفريقي، في ظل تصاعد التوترات بين النيجر وتشاد، وتزايد التهديدات التي تواجه المنطقة بفعل نشاط الجماعات المسلحة وشبكات الاتجار بالمخدرات والهجرة غير الشرعية.
وفي هذا الإطار، أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف جولة دبلوماسية شملت النيجر وتشاد يومي الثلاثاء والأربعاء، حملت رسائل سياسية تتعلق بتعزيز العلاقات الثنائية، واحتواء الخلافات الإقليمية، ودعم التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.
وخلال زيارته إلى نيامي، سلم عطاف رسالة خطية إلى رئيس النيجر عبد الرحمن تشياني، كما أجرى في نجامينا مباحثات مع نظيره التشادي أحمد كوغري، تناولت تطورات العلاقات الثنائية والمشروعات المشتركة، فضلاً عن مستجدات الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء.
وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية أن الجولة تأتي في إطار التزام الجزائر بدعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز التنسيق مع دول المنطقة، وتقييم مستوى التقدم في البرامج والمشروعات المشتركة.
خلافات النيجر وتشاد تدفع الجزائر للتحرك
وتأتي الجولة في توقيت حساس، بعد تصاعد الخلاف بين نيامي ونجامينا على خلفية اتهامات وجهتها السلطات النيجرية إلى تشاد بشأن مقتل مدنيين اثنين في ضربة بطائرة مسيرة داخل الأراضي النيجرية، مع اتهام فرنسا بالمساعدة في الهجوم، وهو ما نفته السلطات التشادية.
وتشير تقديرات مراقبين إلى أن الجزائر تسعى إلى احتواء الأزمة من خلال الوساطة المباشرة، والحفاظ على قنوات الاتصال بين الطرفين، تجنباً لتحول الخلاف إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار في منطقة تعاني بالفعل من تحديات أمنية معقدة.
وفي هذا السياق، أوضح بكاري سامبي، مدير «معهد تمبكتو» للأبحاث الأفريقية، أن الجزائر تتبنى نهجاً يقوم على الدبلوماسية الثنائية والتواصل المباشر بين العواصم، بدلاً من الاعتماد على المبادرات الإقليمية التقليدية التي تراجعت فاعليتها خلال السنوات الأخيرة.
انتشار الجيش الجزائري يثير تساؤلات
ولا تقتصر التحركات الجزائرية على الجانب السياسي، إذ تشهد العلاقات مع النيجر تطوراً في التعاون العسكري، بعدما اتفق البلدان على إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى الأراضي النيجرية لحماية المصالح المشتركة.
وبدأت وحدات جزائرية الانتشار في شمال النيجر اعتباراً من 26 أكتوبر الماضي، في خطوة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والأمنية، خاصة مع الحديث عن احتمالات إقامة قاعدة عسكرية جزائرية هناك، وهي احتمالات لم تؤكدها السلطات رسمياً.
ويمثل هذا التطور تحولاً مهماً في توجهات الجزائر العسكرية، بالنظر إلى تقاليد سياستها الدفاعية التي تقوم على عدم نشر قواتها خارج حدودها، وهو ما يجعل وجود وحدات جزائرية في النيجر تطوراً يستحق المتابعة.
وتتزامن هذه الخطوة مع تراجع الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، وتوسع أدوار قوى دولية أخرى، بينها روسيا وتركيا، في ظل سعي السلطات النيجرية إلى تنويع شراكاتها الأمنية.
مشروع الغاز يفرض أولوية تأمين المنطقة
ويحتل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء موقعاً محورياً في الحسابات الجزائرية، باعتباره أحد المشروعات الاستراتيجية التي تستهدف ربط حقول الغاز النيجيرية بالأسواق الأوروبية عبر النيجر والجزائر.
وتدرك الجزائر أن تنفيذ المشروع يتطلب بيئة أمنية مستقرة، نظراً لامتداد مساره عبر مناطق تواجه تحديات أمنية متزايدة، وهو ما يجعل حماية البنية التحتية للطاقة ومواقع تنفيذ المشروع أولوية اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، ربط الباحث الجزائري حسني عبيدي التحرك الجزائري باعتبارات أمنية واقتصادية، مشيراً إلى أن محدودية قدرات بعض القوى العسكرية الأجنبية الموجودة في المنطقة دفعت السلطات النيجرية إلى تعزيز التعاون مع الجزائر.
وأوضح أن المنطقة تضم قوات روسية تابعة لـ«فيلق أفريقيا»، إلى جانب قوة تركية تتولى مهام حماية الرئيس النيجري، إلا أن هذه الترتيبات لم تنه التحديات الأمنية التي تواجه البلاد.
الجزائر تعيد صياغة دورها الإقليمي
ويعود التقارب الجزائري النيجري إلى مواقف سياسية اتخذتها الجزائر عقب الانقلاب العسكري في النيجر خلال يوليو 2023، عندما رفضت التهديدات بالتدخل العسكري التي طرحتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وعارضت أي تحرك عسكري أجنبي عبر أراضيها.
ووفق تقرير لمنصة «ميديا فرنسا وأفريقيا»، شكل الموقف الجزائري دعماً دبلوماسياً مهماً للسلطات الجديدة في نيامي، وأسهم في تخفيف الضغوط التي واجهتها خلال المرحلة الأولى من الأزمة.
وتكشف التحركات الأخيرة عن توجه جزائري نحو الجمع بين الوساطة الدبلوماسية والتعاون الأمني وحماية المصالح الاقتصادية، في محاولة لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة التحديات المتصاعدة في منطقة الساحل.
وبين التوترات الحدودية والمنافسة الدولية ومشروعات الطاقة، تبدو الجزائر أمام اختبار لقدرتها على تحقيق التوازن بين دورها الدبلوماسي ومصالحها الأمنية والاقتصادية، دون الانزلاق إلى صراعات إقليمية مفتوحة.