البوسنة تواجه اختباراً جديداً لحقوق المسلمين والأمن المجتمعي

حماية المجتمع من جرائم الكراهية

الرائد// تدخل البوسنة والهرسك نهاية أغسطس وسط نقاش متجدد حول الأمن والاستقرار السياسي وحماية المجتمعات من جرائم الكراهية، في وقت تتابع فيه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أوضاع البلاد باعتبارها دولة ذات تركيبة دينية وإثنية شديدة الحساسية بعد الحرب.

وأصدرت بعثة المنظمة في البوسنة والهرسك في 4 أغسطس 2026 ورقة جديدة حول مكافحة جرائم الكراهية والحوادث المدفوعة بالتحيز، مؤكدة أن هذه الجرائم تكتسب خطورة خاصة في المجتمعات الخارجة من نزاعات عنيفة، وأن مواجهتها تتطلب تعاون الشرطة والقضاء والحكومات المحلية والمجتمع المدني.

خطاب الكراهية أو التوترات الإثنية

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى المسلمين البوشناق، الذين يشكلون أكبر مكوّن ديني في البلاد، لأن أي تصعيد في خطاب الكراهية أو التوترات الإثنية لا يبقى مسألة أمنية منفصلة، بل يمكن أن يتحول سريعاً إلى قضية تتعلق بالهوية والذاكرة التاريخية والعلاقات بين مكونات الدولة.

ولا تتحدث منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عن جرائم الكراهية باعتبارها مشكلة تخص المسلمين وحدهم، بل تراقب جميع الحوادث التي يكون فيها الدافع تحيزاً دينياً أو إثنياً أو غير ذلك. غير أن التاريخ الدموي للبوسنة يجعل التعامل مع هذه الظاهرة أكثر حساسية من كثير من المجتمعات الأوروبية الأخرى.

آليات رصد الحوادث  

وفي هذا السياق، تواصل البعثة إنشاء آليات لرصد الحوادث وتحسين استجابة المؤسسات لها، فيما أعلنت المنظمة عن اجتماع مقرر في سراييفو يومي 14 و15 سبتمبر المقبل حول الاستجابة لجرائم الكراهية والاحتياجات الأمنية للمجتمعات المسيحية واليهودية والمسلمة في البوسنة والهرسك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار التوتر السياسي داخل الدولة. فوزارة الخارجية البوسنية تشير في تحديثاتها الأخيرة إلى استمرار الخلافات السياسية المرتبطة بقيادة جمهورية صربسكا، وما تسببه هذه الخلافات من عرقلة لعمل مؤسسات الدولة المركزية.

وتكشف هذه الأزمة أن مشكلة البوسنة لا تتعلق فقط بالانقسام الديني. فالدولة قامت بعد اتفاق دايتون على صيغة سياسية معقدة هدفت إلى منع عودة الحرب، لكنها أنتجت في الوقت نفسه نظاماً مؤسسياً شديد التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات الإثنية مع عمل البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة.

وفي الجانب الاقتصادي، تظهر مؤشرات أكثر إيجابية. فقد أعلن البنك المركزي البوسني في 21 أغسطس أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد بلغت 1.41 مليار مارك بوسني خلال عام 2025، بينما اقتربت البوسنة في يوليو الماضي من الانضمام إلى منطقة المدفوعات الأوروبية الموحدة بعد اعتماد القوانين المالية المطلوبة في الكيانين المكونين للدولة.

ويعني ذلك أن البوسنة تمتلك فرصة لتحويل موقعها الجغرافي في جنوب شرق أوروبا إلى ميزة اقتصادية أكبر، خصوصاً مع اقترابها تدريجياً من الاندماج في الأنظمة الاقتصادية الأوروبية.

لكن الاستقرار السياسي والأمني يظل شرطاً أساسياً لاستمرار هذا المسار. وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في 27 أغسطس تحذيراً للمسافرين صنفت فيه البوسنة عند المستوى الثاني، داعية إلى زيادة الحذر بسبب مخاطر الجريمة والألغام والإرهاب، مع الإشارة أيضاً إلى أن الاضطرابات السياسية الأخيرة لم تؤثر بصورة مباشرة في السياح أو العاملين الدوليين، لكنها تحمل احتمال تعرض المارة أو المواطنين للخطر.

ومن منظور المجتمع المسلم، فإن التحدي لا ينبغي اختزاله في حماية المساجد أو مواجهة الاعتداءات الفردية. القضية الأوسع هي ضمان أن يشعر المسلمون، مثل بقية المواطنين، بأن مؤسسات الدولة قادرة على حماية حقوقهم وممتلكاتهم وهويتهم الدينية دون أن تتحول السياسة إلى صراع دائم بين المكونات.

وهنا تظهر أهمية العمل الذي تقوم به منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لأن الوقاية من الكراهية لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ من التعليم، والخطاب السياسي، والإعلام، وتطبيق القانون بصورة متساوية.

كما أن نجاح البوسنة في بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً على أوروبا يمكن أن يكون عاملاً مهماً في تقليل التوترات الاجتماعية، خصوصاً إذا انعكس الاستثمار على فرص العمل ودخل الشباب. أما استمرار البطالة والهجرة وضعف الثقة بالمؤسسات، فيمكن أن يعمق الشعور بالإحباط لدى جيل جديد لم يعش الحرب لكنه لا يزال يعيش آثار نظامها السياسي.

البوسنة أمام اختبار أمني وأوروبي أيضاً:

البوسنة إذن ليست أمام اختبار أمني فقط، وإنما أمام اختبار أوروبي أيضاً: هل تستطيع دولة متعددة الأديان والإثنيات أن تحول إرث الحرب إلى نموذج للتعايش، أم ستظل مؤسساتها أسيرة الانقسامات التي نشأت بعد الحرب؟

المؤشرات الاقتصادية الأخيرة تمنح سراييفو فرصة، لكن نجاحها يحتاج إلى أن يترافق مع إصلاح سياسي ومؤسساتي يحمي جميع المواطنين، ويمنع تحويل الدين أو الإثنية إلى أدوات للصراع السياسي.

المصادر والتواريخ:

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بعثة البوسنة والهرسك، ورقة «مكافحة جرائم الكراهية والحوادث المدفوعة بالتحيز»، 4 أغسطس 2026.

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أجندة اجتماع حماية المجتمعات المسيحية واليهودية والمسلمة في البوسنة والهرسك، 14 و15 سبتمبر 2026.

البنك المركزي للبوسنة والهرسك، بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر والتطورات المالية، 21 و27 أغسطس 2026.

وزارة الخارجية الأمريكية، تحديث إرشادات السفر إلى البوسنة والهرسك، 27 أغسطس 2026.

اترك تعليقا