الاقتصاد الجبلي ثروة غير مستغلة

ثروات معزولة في قمم المرتفعات تنتظر الاستثمار

الرائد/ رغم أن الاهتمام الاقتصادي يتركز غالبًا على المدن الساحلية أو المناطق الصناعية، فإن المناطق الجبلية تمثل أحد الأصول الاقتصادية الواعدة في كثير من الدول العربية والإسلامية. وتضم هذه المناطق ثروات زراعية ومائية ومعدنية وسياحية وتراثية، إضافة إلى تنوع بيئي يجعلها قادرة على دعم قطاعات اقتصادية متعددة. ويرى خبراء التنمية أن الاستثمار المتوازن في الاقتصاد الجبلي يمكن أن يحد من الهجرة الداخلية، ويوفر فرص عمل، ويحافظ على الموارد الطبيعية.

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن المناطق الجبلية تؤوي نسبة كبيرة من التنوع البيولوجي العالمي، وتعد مصدرًا رئيسيًا للمياه العذبة، كما توفر منتجات زراعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، مثل البن، والعسل، والأعشاب الطبية، والفواكه، والنباتات العطرية.

العالم العربي والإسلامي  يضم سلاسل جبلية متنوعة

ويضم العالم العربي والإسلامي سلاسل جبلية تمتد من جبال الأطلس في المغرب العربي، إلى جبال الحجاز وعسير واليمن، وجبال عُمان، وزاغروس في العراق وإيران، والقوقاز، وسلاسل آسيا الوسطى، إضافة إلى مرتفعات باكستان وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا. ويمنح هذا التنوع فرصًا واسعة لبناء شراكات اقتصادية في مجالات الزراعة الجبلية، والسياحة البيئية، والبحث العلمي.

وتاريخيًا، شكلت المناطق الجبلية مراكز لإنتاج سلع عالية القيمة، كما لعبت دورًا في حماية طرق التجارة، وازدهرت فيها الصناعات الحرفية، واستفادت منها المدن المجاورة في توفير المياه والمنتجات الزراعية والأخشاب.

ويشير الباحث الأمريكي جاك إيفز، أحد أبرز المتخصصين في دراسات الجبال، إلى أن التنمية الجبلية لا ينبغي أن تقتصر على حماية البيئة، بل يجب أن ترتبط بخلق فرص اقتصادية للسكان المحليين، بما يحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد.

أبرز فرص التكامل العربي والإسلامي

ومن أبرز فرص التكامل العربي والإسلامي إنشاء شبكات للتعاون في الزراعة الجبلية، وتبادل الخبرات في إدارة المدرجات الزراعية، وتطوير إنتاج البن والعسل والأعشاب الطبية، وإنشاء علامات تجارية إقليمية للمنتجات الجبلية ذات الجودة العالية.

كما يمكن تعزيز التعاون في السياحة البيئية والجبلية، وربط المسارات السياحية بين الدول، وتطوير البنية الأساسية بصورة تراعي الخصائص البيئية، مع دعم المجتمعات المحلية للاستفادة من العوائد الاقتصادية.

برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)

وتؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أن الإدارة المستدامة للمناطق الجبلية تسهم في الحد من تدهور الأراضي، وتحسين الأمن المائي، وزيادة قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ.

ومن الناحية الاقتصادية، تتيح المناطق الجبلية فرصًا لنمو الصناعات الغذائية المتخصصة، والحرف التقليدية، والمنتجات العضوية، والسياحة البيئية، كما توفر بيئة مناسبة لإقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة تعتمد على الموارد المحلية.

لكن هذا القطاع يواجه تحديات، منها ضعف البنية التحتية في بعض المناطق، وارتفاع تكاليف النقل، وتأثيرات تغير المناخ، والهجرة من الريف إلى المدن، إضافة إلى الحاجة إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية لضمان استقرار السكان.

خبراء FAO

ويرى خبراء FAO أن نجاح التنمية الجبلية يعتمد على إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط، وتحقيق التوازن بين الاستثمار الاقتصادي والحفاظ على البيئة، وتطوير سلاسل القيمة للمنتجات الجبلية.

ويتوقع متخصصون في التنمية الريفية أن يزداد الاهتمام العالمي بالاقتصاد الجبلي مع ارتفاع الطلب على المنتجات الطبيعية والعضوية، وتوسع السياحة البيئية، والبحث عن نماذج تنموية أكثر استدامة.

إن الاقتصاد الجبلي يمثل فرصة غير مستغلة بالقدر الكافي في كثير من الدول العربية والإسلامية. وإذا نجحت هذه الدول في تطوير بنيتها التحتية، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز التعاون في الزراعة والسياحة والبحث العلمي، فإن المناطق الجبلية يمكن أن تتحول إلى مراكز إنتاج وتنمية، تسهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والبيئي.

المصادر:

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، تقارير اليوم الدولي للجبال الصادرة عن الأمم المتحدة، مؤلفات البروفيسور جاك إيفز حول تنمية المناطق الجبلية، البنك الدولي.