الأسعار تضغط على موائد الإيرانيين
اتساع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة
- dr-naga
- 27 سبتمبر، 2026
- إيران, تقارير وترجمات
- أسعار السلع الأساسية, أسعارالخبز, إيران, الأسعار, الأسواق الإيرانية, البيض, التضخم, الزيت, منتجات الألبان, موائد الإيرانيين
الرائد// تشهد الأسواق الإيرانية خلال سبتمبر/أيلول موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مع تراجع القدرة الشرائية للأسر وتزايد الفارق بين دخول العاملين وتكلفة الغذاء. وتظهر أحدث التقارير أن المشكلة لم تعد مقتصرة على السلع المستوردة، بل وصلت بقوة إلى الخبز والأرز والزيت والبيض والدواجن ومنتجات الألبان.
وفي 14 سبتمبر نقلت وكالة «إيلنا» العمالية عن مسؤولين ونشطاء عماليين أن أسعار الخبز في طهران ارتفعت بصورة حادة، في بعض الحالات خارج الزيادات الرسمية المعلنة. وقال علي تركشوند، الأمين التنفيذي لبيت العمال، إن العامل الذي كان يستطيع الاعتماد على الخبز والجبن كوجبة منخفضة التكلفة أصبح يجد صعوبة في تحمل تكلفتهما. كما قال الناشط العمالي علي زميري إن الأسعار لم تعد تسير وفق نمط واضح بالنسبة للمستهلكين، بينما لم ترتفع دخول العمال بما يتناسب مع موجة الغلاء.
بيانات مركز الإحصاء الإيراني
وتظهر بيانات الأسعار المتاحة حجم المشكلة على المدى الأوسع. فوفق تحليل «إيران أوبن داتا» لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، ارتفع مؤشر سعر زيت الطهي من 98.9 في مايو/أيار 2017 إلى 6951.1 في مايو/أيار 2026، بينما ارتفع مؤشر الدجاج إلى 5247.6 والبيض إلى أكثر من 51 ضعف مستواه في بداية الفترة. وتؤكد هذه الأرقام أنها مؤشرات للأسعار وليست أسعار التجزئة الحالية، لكنها تكشف مدى التغير الذي أصاب تكلفة الغذاء خلال السنوات الماضية.
أما في الأسواق نفسها، فتقدم التقارير الميدانية صورة أكثر مباشرة. ففي 13 سبتمبر تحدثت «إيلنا» عن لجوء بعض الأسر الفقيرة في أحياء جنوب طهران إلى شراء الخبز واللحوم والمواد الغذائية بالدَّين. ونقلت عن أصحاب متاجر أن بعض الزبائن يسألون عن السعر ثم يغادرون من دون شراء، بينما أصبح أصحاب المتاجر أنفسهم أقل قدرة على البيع الآجل لأن تكلفة إعادة شراء البضائع ترتفع بسرعة.
وسجل التقرير أمثلة على الأسعار التي يدفعها المستهلكون؛ إذ قال أحد الأشخاص إن 15 بيضة مع عبوة صغيرة من الزبادي كلفته 5.5 ملايين ريال، بينما ارتفع سعر علبة تونة من 1.7 مليون ريال إلى 2.5 مليون خلال شهر، ثم إلى 2.9 مليون ريال بعد فترة قصيرة. وهذه أمثلة فردية نقلتها «إيلنا» وليست متوسطات وطنية، لكنها تعطي صورة عن سرعة تغير الأسعار التي يواجهها المستهلك.
وتزداد المشكلة مع الوقود. فقد دخل قرار مضاعفة سعر البنزين في الفئة الثالثة إلى 100 ألف ريال للتر حيز التنفيذ في 8 سبتمبر. ويربط علي تركشوند بين ارتفاع الوقود وارتفاع تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما يمكن أن ينتقل لاحقاً إلى أسعار الغذاء والخدمات.
وتشير البيانات الرسمية السابقة إلى أن موجة التضخم الحالية ليست ظاهرة هامشية. فقد أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم السنوي بلغ 88.6% في يونيو، بينما ارتفعت أسعار الخبز والحبوب بنسبة 138.8% على أساس سنوي، وارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والدواجن بنسبة 178.2% خلال الفترة نفسها. وهذه أحدث أرقام رسمية واسعة النطاق تمكنت من التحقق منها، ولذلك لا يصح استبدالها بتقديرات غير موثقة لشهر سبتمبر.
تغير نمط غذاء المستهلك الإيراني
وتكشف شهادات المستهلكين مدى تأثير ذلك في نمط الغذاء نفسه. فقد قال أحد سكان هرمزغان إن مشتريات الأسرة الأسبوعية التي كانت تكلف نحو 500 ألف تومان أصبحت تحتاج إلى نحو 5 ملايين تومان، وإن الأسرة اضطرت إلى تقليل شراء اللحوم والدجاج أو الاستغناء عنهما. كما قال عامل في تجارة الملابس بطهران إن مبيعات متجره تراجعت بنحو 40% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على أن الأزمة لا تضرب المستهلك فقط، وإنما تضغط أيضاً على أصحاب الأعمال الصغيرة.
من الغذاء إلى التعليم والنقل والخدمات
ومن اللافت أن الضغط ينتقل من الغذاء إلى التعليم والنقل والخدمات. فقد نقلت التقارير أن حقيبة مدرسية وصلت في إحدى الحالات إلى 20 مليون ريال، وأن بعض الأسر أصبحت تواجه صعوبة في دفع تكاليف الطعام المدرسي والدروس الإضافية. كما قال أحد أصحاب المتاجر إن فاتورة الكهرباء ارتفعت من 4 ملايين إلى 18 مليون ريال، بينما تراجعت مبيعات الألبان إلى نحو ربع مستواها السابق.
أما المحلل محسن مدبر شاني، فقد ربط في تعليقه على الوضع الاقتصادي بين العقوبات والضغوط المالية والتجارية وبين استمرار تآكل القدرة الشرائية، محذراً من أن الاقتصادات التي تتعرض لضغط خارجي شديد لفترات طويلة تصبح أضعف تدريجياً. وهذا تحليل للمسار الاقتصادي وليس دليلاً مستقلاً على انهيار المؤسسات الإيرانية.
والنتيجة الأهم في الأسواق حالياً أن المشكلة لم تعد مجرد «ارتفاع أسعار»؛ بل أصبحت مشكلة قدرة على الشراء. فحتى عندما تتوفر السلع في المتاجر، فإن جزءاً متزايداً من الأسر لا يستطيع شراء الكمية المعتادة، وهو ما يفسر انتشار الشراء بالدين، وتقليص استهلاك اللحوم والدواجن، وتراجع مبيعات المتاجر.
ومع استمرار ضعف الريال وارتفاع تكلفة الوقود والنقل، تبقى الأسعار مرشحة لمزيد من التقلب، لكن لا يمكن الجزم بمعدلات ارتفاع مستقبلية محددة؛ لأن السوق الإيرانية شديدة الحساسية لسعر الصرف والسياسات الحكومية والتطورات العسكرية والعقوبات. وفي المقابل، فإن أي استقرار في سعر العملة أو تحسن في التجارة والإمدادات يمكن أن يخفف بعض الضغوط، وإن كان لا يعالج فوراً الخسارة الكبيرة التي لحقت بالقوة الشرائية للأسر.
المصادر: مركز الإحصاء الإيراني عبر الجزيرة، 27 يونيو 2026؛ وكالة «إيلنا» كما نقلت عنها تقارير 13 و14 سبتمبر؛ إيران أوبن داتا، 28 يوليو؛ الجزيرة، 26 أغسطس 2026.