الأردن بين نمو اقتصادي وضغوط معيشية متزايدة

وسط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة الإقليمية

أظهرت بيانات رسمية حديثة أن الاقتصاد الأردني نما بنسبة 3% في الربع الثاني من 2026، لكن قراءة الرقم تحتاج إلى وضعها في سياق أوسع؛ فالنمو جاء بينما تواجه البلاد ضغوطاً من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة الإقليمية وتكاليف النقل، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في الشركات والأسر.

وتظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن قطاع الصناعات التحويلية نما بنسبة 6.2% والزراعة 7.8% خلال الربع الثاني، بينما توسعت غالبية الأنشطة الاقتصادية. لكن هذا التحسن لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في مستوى معيشة جميع الأسر، إذ تبقى البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأردني.

وفي تقييم لصندوق النقد الدولي، أُشير إلى أن الاقتصاد الأردني أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات الإقليمية، مع الحفاظ على استقرار نقدي ومالي نسبي، لكن الصندوق شدد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار الإصلاحات التي تزيد فرص العمل وتحسن بيئة الاستثمار وتوسع مشاركة القطاع الخاص. وهذه النقطة مهمة لأن ارتفاع الناتج وحده لا يعالج مشكلة البطالة إذا لم يتحول النمو إلى وظائف ودخول أعلى.

ومن زاوية مختلفة، حذرت غرفة التجارة والصناعة الأردنية وممثلون عن القطاع الخاص من أن ارتفاع كلفة الطاقة والنقل يمكن أن يضغط على هوامش أرباح المنشآت، خصوصاً الشركات الصغيرة، في حين يمكن أن تتأثر القدرة التنافسية للصناعة إذا أصبحت تكلفة الإنتاج المحلية أعلى من الأسواق المنافسة.

وتزداد هذه المخاوف بعد قرار رفع أسعار بعض المشتقات النفطية في بداية أكتوبر. فالزيادة لا تؤثر فقط في سائقي السيارات، وإنما تنتقل بصورة غير مباشرة إلى كلفة نقل المواد الغذائية والسلع ومدخلات الإنتاج والخدمات. ولذلك فإن التأثير النهائي يعتمد على قدرة الشركات على امتصاص الزيادة أو تمريرها إلى المستهلك.

وفي المقابل، يرى اقتصاديون أردنيون أن ارتفاع مساهمة التصنيع والزراعة يمثل نقطة إيجابية لأن النمو لا يعتمد على السياحة وحدها، وهي من القطاعات الأكثر تعرضاً لتداعيات الأزمات الأمنية الإقليمية. كما أن زيادة الإنتاج الزراعي يمكن أن تخفف بعض الضغوط المرتبطة بالاستيراد، وإن كانت الزراعة نفسها تواجه مشكلة المياه وارتفاع تكلفة المدخلات.

وتقدم مؤسسات دولية صورة أكثر توازناً من مجرد الحديث عن «نمو قوي». فالبنك الدولي كان قد أشار في تقييماته للأردن إلى أن تحسين النمو طويل الأجل يحتاج إلى رفع إنتاجية القطاع الخاص وزيادة الاستثمار وخلق وظائف جديدة، خصوصاً للشباب والنساء. وهذه التحديات الهيكلية لا تختفي بمجرد ارتفاع معدل النمو في ربع واحد.

أما بالنسبة إلى المواطنين، فإن السؤال الأهم ليس فقط كم نما الناتج المحلي، بل هل يتحول هذا النمو إلى فرص عمل ودخول حقيقية؟ وهنا تبدو الصورة أقل وضوحاً؛ فالنمو القطاعي يمكن أن يكون إيجابياً للاقتصاد الكلي، لكنه لا يضمن تلقائياً انخفاض البطالة أو تحسن القوة الشرائية إذا ظلت الأسعار وتكاليف الطاقة مرتفعة.

وتواجه الحكومة بالتالي معادلة صعبة: المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، وتمويل مشاريع البنية التحتية والاستثمار، وفي الوقت نفسه الحد من أثر أسعار الطاقة على الأسر والمنتجين. وقد تصبح هذه المعادلة أكثر صعوبة إذا استمرت اضطرابات المنطقة وارتفعت تكاليف الشحن أو النفط.

وتشير الصورة المتاحة في بداية أكتوبر إلى اقتصاد يواصل النمو لكنه لم يتخلص من نقاط ضعفه الأساسية: البطالة، محدودية الموارد الطبيعية، الاعتماد على الطاقة المستوردة، وضيق قدرة المالية العامة على تقديم دعم واسع. ولذلك سيكون استمرار النمو في الصناعة والزراعة والاستثمار الخاص خلال النصف الثاني من العام أكثر أهمية من الرقم المسجل في ربع واحد.

المصادر: دائرة الإحصاءات العامة الأردنية

اترك تعليقا