اقتصاد مصر أمام اختبار جديد.. ضغوط الجنيه والتضخم تزداد
الحرب الإقليمية تعيد مخاطر الطاقة والتمويل إلى الواجهة
- معاذ علي
- 22 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اسعار الفائدة, اقتصاد, اقتصاد مصر, التضخم, الديون, النمو الاقتصادي
عاد الاقتصاد المصري إلى واجهة المشهد مع تزايد الضغوط الناتجة عن الحرب الإقليمية وتقلبات الطاقة والتجارة، في وقت تتقاطع فيه مؤشرات التضخم وسعر الصرف والسياسة النقدية مع احتياجات تمويلية مرتفعة.
ولا تشير البيانات المتاحة حتى 21 سبتمبر/أيلول 2026 إلى أزمة شاملة أو انهيار وشيك، لكنها تكشف عن اقتصاد لا يزال حساساً للصدمات الخارجية، وعن مساحة محدودة للمناورة إذا طال أمد التوترات أو ارتفعت كلفة الطاقة والتمويل.
بين ضغط الجنيه وكلفة الإصلاح..
يأتي ذلك بينما يستعد البنك المركزي المصري لاجتماع لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر، بعد أن أبقت اللجنة في اجتماع 20 أغسطس على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وكان خفض فبراير البالغ 100 نقطة أساس هو الخفض الوحيد خلال 2026 حتى الآن، قبل أن تتجه اللجنة إلى التثبيت في أبريل ومايو ويوليو وأغسطس.
وفي أغسطس، سجل التضخم الحضري السنوي 14.5%، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9%، ما يعكس استمرار ضغوط الأسعار رغم تباطؤ بعض مكوناتها.
وتظهر بيانات البنك المركزي أن التضخم الأساسي ارتفع من 14.7% في يوليو إلى 14.9% في أغسطس، فيما جاء تراجع التضخم الحضري مدفوعاً بدرجة كبيرة بانخفاض أسعار الغذاء.
لذلك فإن قراءة المشهد باعتباره «انحساراً كاملاً للتضخم» ستكون مبالغة؛ فالمؤشرات الأساسية لا تزال مرتفعة، كما أن البنك المركزي نفسه يحذر من مخاطر صعودية مرتبطة بالتوترات الإقليمية وإجراءات ضبط المالية العامة.
وعلى صعيد العملة، بلغ متوسط سعر الدولار لدى البنوك في 20 سبتمبر نحو 51.95 جنيه للشراء و52.09 جنيه للبيع، مقارنة بنحو 51.30 و51.44 جنيه قبل أسبوع، وفق بيانات البنك المركزي.
ويعني ذلك تراجعاً أسبوعياً للجنيه بنحو 1.3%، وهي حركة ليست في حد ذاتها دليلاً على أزمة عملة، لكنها تكتسب أهمية أكبر في اقتصاد يرتبط التضخم فيه بدرجة ملحوظة بحركة سعر الصرف.
وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن انخفاض الجنيه ينعكس على الأسعار، إذ يمكن لتراجع سعر الصرف 1% أن يرفع التضخم العام بنحو 0.15 إلى 0.20 نقطة مئوية في المتوسط خلال عام.
وتتضح حساسية الاقتصاد أكثر عند النظر إلى مصادر العملة الأجنبية، فقد تعرضت إيرادات “قناة السويس” لضغوط خلال اضطرابات الملاحة، بينما يظل الاقتصاد معتمداً على السياحة والتحويلات والاستثمار الأجنبي وتدفقات المحافظ في توفير النقد الأجنبي.
وفي المقابل، أشار صندوق النقد إلى أن التحويلات سجلت مستويات قوية، وأن إيرادات السياحة ظلت داعمة، كما بدأت إيرادات “قناة السويس” في التعافي تدريجياً، وهو ما ساعد على احتواء الضغوط الخارجية.
وتشير أحدث مراجعة لصندوق النقد إلى أن نمو الاقتصاد المصري قد يتباطأ إلى نحو 4.4% في السنة المالية 2026/2027 بسبب آثار الحرب، وارتفاع تكاليف المدخلات وعدم اليقين وضعف الاستثمار.
كما يتوقع الصندوق ارتفاع التضخم إلى متوسط 16.7% في النصف الثاني من 2026، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع سعر الصرف وتأثيرات سنة الأساس، مع تأخر عودة التضخم إلى نطاقه المستهدف بنحو عام.
الجنيه والقدرة الشرائية.. الوجه الآخر للإصلاح..
تكشف أرقام الاقتصاد الكلي عن مفارقة يصعب تجاهلها: فقد حققت “مصر” تحسناً في بعض المؤشرات الخارجية والمالية، بينما لا تزال الأسر تواجه أثراً تراكمياً لموجات التضخم وتراجع قيمة الجنيه.
وهذه الفجوة هي التي تجعل الحكم على الاقتصاد من خلال معدل النمو أو الاحتياطيات وحدهما غير كافٍ؛ فالاختبار الأكثر مباشرة يظل في قدرة الدخل على شراء السلع والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة “عالية المهدي” أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة ل”كلية الاقتصاد والعلوم السياسية” ب”جامعة القاهرة”، في تصريحات نشرت في 19 سبتمبر: إن القوة الشرائية لـ100 جنيه حالياً تعادل القوة الشرائية لنحو 12.7 جنيه في عام 2010.
وأوضحت أن الإصلاح المالي والنقدي حقق قدراً من النجاح من منظور صندوق النقد، لكن ذلك لم ينعكس بالقدر الكافي على حياة المواطنين، مشيرة إلى أن التضخم منذ 2017 أدى إلى تآكل جزء كبير من الدخول والمدخرات والأجور الحقيقية.
وهنا ينبغي ضبط دلالة الرقم بدقة: قول إن «100 جنيه أصبحت تساوي 12.7 جنيه» لا يعني أن سعر الصرف الاسمي للجنيه أصبح 12.7% من مستواه السابق، وإنما هو تقدير للقوة الشرائية المحلية.
أما عند قياس الجنيه مقابل الدولار، فقد أشار الخبير الاقتصادي مدحت نافع في يناير 2026 إلى ارتفاع سعر الدولار من نحو 5.45 جنيه في 2010 إلى قرابة 47.5 جنيه بنهاية 2025، مع تراجع القوة الشرائية الخارجية للجنيه إلى نحو 11% إلى 12% من مستواها في 2010.
ويعكس المساران، الداخلي والخارجي، جانبين مختلفين من تراجع قيمة العملة، فالتضخم يقيس مقدار ما يمكن أن تشتريه العملة داخل الاقتصاد، بينما يعكس سعر الصرف مقدار ما يمكن للجنيه أن يشتريه من العملات الأجنبية.
ولذلك لا ينبغي استخدام الرقمين باعتبارهما مؤشراً واحداً، حتى وإن كان كلاهما يعبر عن ضغوط تراكمية تعرضت لها العملة المصرية خلال السنوات الماضية.
ومنذ 2016، شهد الجنيه عدة موجات كبيرة من التراجع أمام الدولار، ويقول صندوق النقد إن العملة فقدت أكثر من 80% من قيمتها مقابل الدولار عبر خمس موجات رئيسية منذ ذلك العام، مع اختلاف طبيعة التحركات في السنوات الأخيرة بعد الانتقال إلى قدر أكبر من مرونة سعر الصرف.
كما أشار الصندوق إلى أن العملة تراجعت بنحو 13% خلال الأسابيع التالية لتصاعد الحرب الإقليمية في فبراير 2026، قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها مع تحسن الظروف الخارجية وتدفقات النقد الأجنبي.
وتعيد هذه التطورات إلى النقاش وعداً اقتصادياً قديماً، ففي مقابلة مع رويترز في مايو 2014، قال “عبد الفتاح السيسي” وكان آنذاك مرشحاً للرئاسة: إن العمل الجاد والمستمر يمكن أن يحقق خلال عامين التحسن الذي يبحث عنه المصريون، مشيراً كذلك إلى أن تحسن الاقتصاد وسعر العملة يرتبطان بإجراءات لتحفيز النشاط وضخ الأموال في الاقتصاد.
وبعد أكثر من عقد، فإن تقييم ما تحقق يحتاج إلى الفصل بين مسارين، فمن جهة، شهد الاقتصاد فترات من ارتفاع النمو وتحسن الاحتياطيات وزيادة تدفقات التحويلات والسياحة، كما يرى صندوق النقد أن النشاط الاقتصادي تعافى، وأن النمو في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026 بلغ 5.2%.
ومن جهة أخرى، ظلت القوة الشرائية تحت ضغط التضخم، وتكررت موجات انخفاض الجنيه، وارتفعت تكلفة الغذاء والسكن والطاقة والخدمات، ما يجعل التحسن في المؤشرات الكلية غير كافٍ وحده للحكم على مستوى معيشة الأسر.
وتزداد أهمية هذه الفجوة في ظل ارتفاع كلفة التمويل الحكومي، فصندوق النقد يقدر احتياجات التمويل الإجمالية بنحو 42% من الناتج المحلي في السنة المالية 2025/2026، مع استمرار مخاطر الدين وإعادة التمويل، بينما يظل الدين العام مرتفعاً رغم اتجاهه إلى الانخفاض.
كما يشير الصندوق إلى أن خدمة الدين تستحوذ على حصة كبيرة من الإيرادات، وأن الاعتماد المرتفع على الدين المحلي قصير الأجل يجعل المالية العامة أكثر تعرضاً لمخاطر إعادة التمويل وتغيرات أسعار الفائدة.
الحرب والفائدة.. أين يتجه الاختبار؟..
تأتي المخاطر الخارجية في مقدمة العوامل التي يمكن أن تحدد المسار المقبل للاقتصاد المصري، فاستمرار الحرب الإقليمية يمكن أن يرفع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ويضغط على السياحة والاستثمار والتجارة، بينما يمكن لتغير تدفقات رؤوس الأموال أن يزيد تقلبات سعر الصرف.
وقد أشار صندوق النقد إلى أن الحرب رفعت حالة عدم اليقين، وأثرت في الاستثمار وتكاليف المدخلات، كما تسببت في خروج تدفقات من الأسواق الناشئة، بينها مصر.
لكن هذه المخاطر الخارجية لا تعني أن الاقتصاد يفتقر إلى أدوات دفاع، فالاحتياطيات الدولية تحسنت بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، كما بقيت التحويلات قوية، وسجلت السياحة أداءً داعماً، وبدأت إيرادات “قناة السويس” في التعافي.
ويشير صندوق النقد إلى أن هذه التدفقات ساعدت على احتواء أثر ارتفاع فاتورة واردات النفط والغاز، مع توقع تحسن عجز الحساب الجاري تدريجياً.
وتبقى السياسة النقدية واحدة من أكثر الأدوات حساسية، فالإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة يمكن أن يساعد في الحفاظ على عائد حقيقي موجب ودعم توقعات التضخم واستقرار تدفقات المحافظ.
لكنه في المقابل يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والمالية العامة، أما خفض الفائدة فيمنح النشاط الاقتصادي مساحة أكبر، لكنه يصبح أكثر تعقيداً إذا عادت الضغوط على الجنيه أو تسارعت الأسعار.
ولهذا اكتسب اجتماع البنك المركزي المقبل أهمية إضافية، فمعظم المحللين يتوقعون استمرار التثبيت، لكن الإجماع لم يعد كاملاً.
وقالت “هبة منير” من شركة «إتش سي» للأوراق المالية: إن الشركة تتوقع رفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، مستندة إلى توقع استمرار الضغوط التضخمية خلال الربع الأخير من 2026.
وفي المقابل، تتوقع مؤسسات ومحللون آخرون استمرار التثبيت، مستندين إلى تباطؤ التضخم الحضري في أغسطس واستمرار العائد الحقيقي الموجب.
ولا تقتصر أدوات البنك المركزي على تغيير أسعار الفائدة، فقد استخدم أيضاً إدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي، بما في ذلك سحب سيولة من السوق عبر عمليات السوق المفتوحة، في محاولة لتحقيق تشديد نقدي دون الاعتماد حصراً على رفع أسعار الفائدة.
وتكتسب هذه الأدوات أهمية في اقتصاد ترتفع فيه كلفة خدمة الدين، إذ إن رفع الفائدة قد يفاقم عبء الاقتراض الحكومي ويؤثر في تكلفة الائتمان للقطاع الخاص.
أما سعر الصرف فيبقى السيناريو الثاني، فإذا استمرت التدفقات الأجنبية والتحويلات والسياحة وتحسن نشاط “قناة السويس”، فقد يساعد ذلك على الحد من الضغوط على الجنيه، لكن استمرار الحرب أو ارتفاع أسعار النفط أو تراجع تدفقات رؤوس الأموال يمكن أن يعيد الضغط على العملة والأسعار.
ويؤكد صندوق النقد أن مرونة سعر الصرف تمثل جزءاً من آلية امتصاص الصدمات، لكنه يربط استقرار الاقتصاد على المدى الأطول بتنفيذ الإصلاحات المالية والهيكلية.
وهنا تبرز مسؤولية السياسة الاقتصادية الداخلية إلى جانب العوامل الخارجية، فالحكومة المصرية واجهت خلال السنوات الماضية صدمات متتالية، من جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطرابات البحر الأحمر والحرب الإقليمية، وهي عوامل أثرت فعلاً في الطاقة والتجارة والسياحة وتدفقات رأس المال.
لكن صندوق النقد يرى في الوقت نفسه أن الإصلاحات الرامية إلى تقليص دور الدولة وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص وتنفيذ برنامج التخارج من الأصول الحكومية تقدمت بوتيرة أبطأ من المتوقع.
ولا يعني ذلك أن “مصر” تتجه حتماً إلى أزمة عملة أو انهيار اقتصادي، البيانات الحالية لا تدعم هذا الاستنتاج، فالاقتصاد ينمو، والاحتياطيات مرتفعة، والتحويلات والسياحة توفران دعماً مهماً للنقد الأجنبي.
كما أن الدين العام يتجه إلى الانخفاض تدريجياً وفق توقعات صندوق النقد، لكن المخاطر تظل مرتفعة، خصوصاً مع استمرار احتياجات التمويل وخدمة الدين وحساسية التضخم لسعر الصرف والطاقة.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة قد لا يكون أزمة مفاجئة، بل القدرة على إدارة فترة طويلة من الضغوط المتزامنة: تضخم لا يزال مرتفعاً، فائدة مشددة، عملة معرضة للتقلب، احتياجات تمويل كبيرة، وإصلاحات هيكلية تحتاج إلى تسريع، في مقابل ضرورة حماية الشرائح الأكثر تعرضاً لارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، تصبح القدرة الشرائية للمواطن جزءاً أساسياً من تقييم نجاح الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب النمو والاحتياطيات وعجز الحساب الجاري والدين.
فاستقرار الاقتصاد الكلي لا يكتمل إذا لم يترجم تدريجياً إلى تحسن ملموس في قدرة الأسر على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والتعليم والعلاج.
وفي المقابل، فإن حماية القوة الشرائية لا يمكن أن تعتمد على الإنفاق وحده، بل تحتاج إلى نمو إنتاجي واستثمار خاص وخلق وظائف وزيادة في المعروض المحلي.
وتظل عبارة عالية المهدي بشأن القوة الشرائية لـ100 جنيه مقارنة بعام 2010 مؤشراً على عمق الأثر الاجتماعي للتضخم، لكنها ليست وحدها مقياساً لحالة الاقتصاد.
الصورة الأوسع تقول إن مصر قطعت مسافة في استعادة الاستقرار المالي والنقدي، لكنها لا تزال أمام اختبار أصعب: تحويل هذا الاستقرار إلى نمو أكثر شمولاً، وخفض كلفة الدين، وتسريع الإصلاحات، وحماية الدخول الحقيقية، مع الحفاظ على قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات إقليمية قد تستمر لفترة أطول.