استقالة محافظ المصرف المركزي وتراجع الاحتياطي تهزان الاقتصاد الليبي

في مؤشر علي تردي السياسات النقدية

الرائد : دخل الاقتصاد الليبي اليوم مرحلة من عدم اليقين بعد تقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في خطوة مفاجئة تأتي بينما لا تزال البلاد تعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً عميقاً، وتواجه ضغوطاً على سعر الصرف والإنفاق العام وإدارة الإيرادات النفطية.

وأظهرت وثيقتان مؤرختان في 9 أغسطس أن عيسى أبلغ رئيسي المجلسين بأنه لم يعد قادراً على الاستمرار في منصبه، من دون الكشف عن الأسباب، موضحاً أن طبيعة الأسباب «حساسة». وأكد عيسى صحة الوثيقتين، لكنه رفض تقديم تفاصيل إضافية.

وتكتسب الاستقالة أهمية خاصة لأن تعيين عيسى في 2024 جاء أصلاً نتيجة تسوية سياسية بين المؤسسات المتنافسة في شرق ليبيا وغربها، بعدما أصبحت السيطرة على المصرف المركزي جزءاً من الصراع على إدارة الأموال العامة والإيرادات النفطية.

أزمة الاقتصاد الليبي

وقد دعا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة المحافظ إلى البقاء مؤقتاً في منصبه للحفاظ على الاستقرار المالي والسياسي، فيما لم يصدر مجلس النواب، الذي يتخذ من شرق البلاد مقراً له، موقفاً نهائياً بشأن الاستقالة حتى الآن.

وتأتي الخطوة في توقيت اقتصادي حساس للغاية. فقد أظهر تقرير للأمم المتحدة في أبريل أن المصرف المركزي سجل خلال 2025 إيرادات ونفقات بلغت نحو 137 مليار دينار ليبي، مع استحواذ الأجور والدعم على قرابة 80 في المئة من إجمالي الإنفاق. كما سجل الاقتصاد فجوة في العملات الأجنبية بلغت نحو 9 مليارات دولار.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة التي سيواجهها أي محافظ جديد ليست إدارية فقط، وإنما مرتبطة ببنية المالية العامة نفسها. فاعتماد الميزانية على الإيرادات النفطية يجعل المصرف المركزي شديد التأثر بأي اضطراب سياسي أو أمني يطال قطاع النفط.

ويزداد الضغط بسبب استمرار الانقسام بين المؤسسات. فقد حذر مجلس الأمن في مارس من الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تزيد الانقسامات المؤسسية وتضعف الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا، داعياً الأطراف إلى التعاون مع خارطة الطريق الأممية.

كما أن تجربة أزمة المصرف المركزي السابقة تظهر حجم المخاطر. ففي 2024 حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أن استمرار الصراع حول المصرف يمكن أن يؤدي إلى أزمة مالية واقتصادية، ودعت آنذاك إلى حماية استقلال المصرف ووقف استخدام النفط والموارد المالية كوسيلة للضغط السياسي.

الانقسام المالي

وهنا تظهر حساسية الاستقالة الحالية. فالمصرف المركزي ليس مؤسسة نقدية تقليدية فقط؛ إنه أحد أهم مفاتيح توزيع الموارد في دولة تعتمد بصورة شبه كاملة تقريباً على النفط كمصدر للإيرادات العامة.

وأي خلاف جديد حول هوية المحافظ أو مجلس إدارة المصرف يمكن أن يعيد البلاد إلى مرحلة الانقسام المالي، خصوصاً إذا حاولت إحدى السلطات فرض قيادة لا تحظى بقبول الطرف الآخر.

كما تواجه ليبيا مشكلة أخرى تتمثل في ضعف الانضباط المالي. ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن الإيرادات غير النفطية لا تزال محدودة جداً، فيما ارتفع الإنفاق العام بصورة يصعب استمرارها، وظهرت نفقات مكررة بين المؤسسات المتنافسة.

ولا يعني ذلك أن استقالة المحافظ ستؤدي حتماً إلى أزمة مالية جديدة، لكن طريقة إدارة المرحلة الانتقالية ستكون حاسمة. فإذا اتفقت المؤسسات السياسية سريعاً على قيادة تحظى بقبول واسع، فقد تمر الاستقالة من دون اضطراب كبير.

أما إذا تحولت إلى صراع جديد بين الشرق والغرب حول السيطرة على المصرف، فقد تعود المخاطر التي شهدتها البلاد سابقاً، بما في ذلك الضغط على الدينار واتساع الفارق بين السعر الرسمي والموازي وتعطيل القرارات المالية.

الصراع علي الثروة الليبية

وتشير هذه التطورات إلى أن المشكلة الليبية لا تتعلق فقط بمن يشغل منصب محافظ المصرف المركزي، وإنما بغياب سلطة مالية موحدة قادرة على إدارة الموارد العامة وفق قواعد شفافة ومستقرة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي بعد استقالة عيسى سيكون في قدرة المؤسسات الليبية على اختيار قيادة جديدة بعيداً عن المحاصصة والصراع السياسي، وربط إدارة المال العام بالرقابة والمساءلة، حتى لا تتحول المؤسسة النقدية مجدداً إلى ساحة للصراع على الثروة الليبية.

من جانبها علقت وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة سميرة الفرجاني أن هذا التعثر الاقتصادي قد يضع الاقتصاد الليبي وليبيا بشكل عام اسيرة لصندوق النقد والبنك الدوليين وما يتبته ذلك من سياسات تقشفية وتخفيض قيمة الدينار الليبي بشكل شيشعل موجة تضخمية تحرق الأخضر واليابس .

واضافت الحديث عن تراجع الاحتياطي النقدي واستقالة محافظ المصرف  المركزي الليبي يعد فرضية حسابية مقلقة، لكنها غير مثبتة رقابياً في ظل غياب الشفافية والمحاسبة  .
ومضت الفرجاني للقول : السؤال الذي يجب أن يجيب عنه المصرف هو:كم كان الاحتياطي الحر السائل وغير المرهون في 30 سبتمبر 2024 عند استلام المحافظ المحترم والخلوق ناجي عيسى ؟ وكم أصبح في 31 مارس 2026؟
واضافت المشكلة ليست في الحساب وحده، بل في غياب الإفصاح الذي يحسمه ولهذا عزيزي القاريء يعلق حسابي لأنه يطرح أسئلة من داخل المنهج ، وهذا يبدو مزعجاً بعض الشيء ..

 

اترك تعليقا