استدراج الدعاة

د محمد فرحات

نصيحة لوجه الله!!
أغلب السادة الدعاة المتصدرين على مواقع التواصل، ليسوا من أهل التخصص العلمي أصلاً، ومنهم من لا يصل إلى مرتبة طالب العلم أساساً.
ويحمد لهم جهدهم الطيب في نشر الخير…
لكن للأسف التصدر له بهجة، وله سطوة!!
فبعدما يبدأ الداعية في الظهور تجده حريصاً على عدم الخوض فيما لا يحسن… ثم رويداً رويداً يبدأ الجمهور في الالتفاف والاصطفاف…
والجمهور له متطلباته…
فيبدأ الأخ الفاضل في الاجتهاد في البحث عن إجابات للأسئلة التي يُسأل عنها… ثم بعد ذلك ينجر إلى الإجابات المباشرة على الأسئلة…
ثم بعد ذلك تتغير النبرة… فيتكلم ويفتي بكل ثقة، ويكأنك تطالع شيخ الإسلام نفسه!!
وبعض هذه المسائل سألت أنا فيها من هو من أهل التخصص الدقيق، فقال لي: عندي جواب، ولكن أفضل أن أتيك بكلام محرر بعد مزيد من التأمل.
هذا هو الفارق بين من سبر أغوار العلم، وبين ذاك الخفيف النزِق، الذي غره كثرة من يطؤون عقبه!!
فنصيحة لوجه الله!!
لا تسلم لأحكام متصدري المحتوى المرئي من أهل الدعوة.
دورك أنت كفرد عامي لست من أهل العلم يتلخص في الاجتهاد في البحث عمن تأخذ منه الفتوى، فأنت معذور في عدم علمك بتفاصيل المسائل لأنك لست متخصصاً، لكن لا عذر لك إذا ألقيت بمسائلك على باب أي عابر في سبيل طريق العلم مهما كان حاله!!
قال ابن عقيل رحمه الله: “ولا يجوزُ للعاميِّ أنْ يستفتيَ في الأحكامِ مَن شاءَ، بل يجبُ أنْ يبحثَ عنْ حالِ مَن يريدُ سؤالَه وتقليدَه، فإذا أخبرَه أهلُ الثقةِ والخبرةِ أنَّه أهلٌ لذلك علمًا وديانةً، حينئذٍ استفتاهُ” [1].
وقال ابن الصلاح رحمه الله، عن المقلد: “يجب عَلَيْهِ قطعاً الْبَحْثُ، الَّذِي يعرف بِهِ صَلَاحِية من يستفتيه للإفتاء، إِذا لم يكن قد تقدّمت مَعْرفَته بذلك، وَلَا يجوز لَهُ استفتاء كل من اعتزى إِلَى الْعلم، أَو انتصب فِي منصب التدريس، أَو غَيره من مناصب أهل الْعلم بِمُجَرَّد ذَلِك” [2].
لاحظ الكلام جيداً!!
حتى من انتسب إلى العلم، بل ومن تصدر للتدريس، لا يجوز استفتاؤه هكذا لمجرد الاسم، والمنصب!!
فكيف بشخص عديم الهوية، ولا يُعلم عنه اشتغال في العلم، ولا اجتهاد في الطلب، ولا يعلم من مشايخه ولا من زكاه للإفتاء، وليس له في باب العلم أساساً إلا أنه يحسن الكلام أمام الكاميرا!!
فمسألة بحث العامي عمن يفتيه، ولا يستفتي إلا من كان أهلاً لذلك، علماً، وديانة= هذا لا خلاف فيه أصلاً.
إنما موضع الخلاف في: هل يلزمه التفتيش عمن هو أعلم، وأكثر ديانة بين المفتين؟ أو لا يلزمه، ويمكنه استفتاء من شاء إذا اجتمعت فيهم جميعاً شروط الإفتاء؟ [3].
ولكن يبقى السؤال: أين نجد أهل الإفتاء؟
هناك عبارة متداولة عن أن شركة رولز رويس لا تقوم بعمل إعلانات في التلفاز عن سياراتها، والسبب في ذلك أن جمهورهم الفخيم ليس لديه وقت لمشاهدة التلفاز بالأساس!!
فأول قاعدة تضعها نصب عينيك وأنت تبحث عمن تقلده دينك: أن أهل العلم والتحقيق ليس لديهم وقت، وليس من سماتهم الشخصية و لا العلمية، أن يجلسوا صباح مساء أمام الكاميرات، وبين زحام المنشورات!!
#منهجيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]الواضح في أصول الفقه لابن عقيل: 5/456.
[2] فتاوى ابن الصلاح: 1/86.
[3] اختار بعض أهل العلم أن المقلد يجب عليه عن أن يبحث عن الأعلم والأورع من المفتين، منهم : ابن سريج، والقفال، والقاضي حسين، يُنظر: المجموع، للنووي: 1/54.

اترك تعليقا