أين يقف المسلمون في الصراع الإثيوبي؟

خطوط الصراع الرئيسية في إثيوبيا اليوم عرقية وسياسية وإقليمية أكثر منها دينية

لا يُفترض أن «المسلمين» كتلة سياسية واحدة، لأن الانتماء العرقي في إثيوبيا يتقاطع مع الدين، ولا يتطابق معه.
كما أن التطورات الأخيرة في البلاد مهمة جدًا، إذ ظهرت جبهة تحالف جديدة تضم قوى من التيجراي والأمهرة والأورومو وعفر، لكن طبيعة مشاركة كل طرف مختلفة.

وبشكل عام، يصعب فهم موقع المسلمين في الصراع الإثيوبي الراهن إذا جرى التعامل معهم باعتبارهم طرفًا عرقيًا أو عسكريًا واحدًا.
فالمسلمون يشكلون نحو ثلث سكان إثيوبيا، وفق آخر تعداد سكاني وطني متاح، وهم موزعون على جماعات عرقية ولغوية متعددة؛ ويتركز وجودهم بصورة خاصة بين الصوماليين والعفر، وبين قطاعات واسعة من الأورومو، إضافة إلى المسلمين في أقاليم وولّو وأمهرة ومناطق أخرى.

ولهذا فإن السؤال: «مع من يقف المسلمون؟» لا يملك إجابة واحدة.

فالمسلم العفري قد تكون أولويته أمن إقليم عفر ومصالح العفر، بينما قد يرى المسلم الأورومي الصراع من زاوية القضية الأورومية، وقد ينظر المسلم الصومالي إلى المسألة من زاوية الحكم الذاتي للإقليم الصومالي، في حين أن المسلمين في أمهرة أو التيجراي يعيشون داخل بيئات يغلب عليها الانتماء الديني المسيحي.

والأهم أن القوى المسلحة الرئيسية في إثيوبيا ليست حركات إسلامية في الأصل؛ بل معظمها حركات ذات أهداف عرقية أو إقليمية أو سياسية.

أولًا: من هم المسلمون في إثيوبيا؟

تقدر البيانات الرسمية القديمة المسلمين بنحو 34% من السكان، مع التنبيه إلى أن آخر تعداد وطني متاح هو تعداد 2007، ولذلك لا توجد نسبة رسمية حديثة يمكن الاعتماد عليها باعتبارها تعدادًا جديدًا.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المسلمين موزعون خصوصًا بين:
– العفر: الغالبية الساحقة من السكان مسلمون.
-الصوماليين الإثيوبيين: الغالبية الساحقة مسلمون.
-الأورومو: المسلمون يشكلون قطاعًا كبيرًا جدًا من المجتمع الأورومي، إلى جانب البروتستانت وأتباع الديانات الأخرى.
-الأمهرة: توجد أقلية مسلمة مهمة، خصوصًا في وولّو ومناطق أخرى.
-التيجراي: الغالبية الساحقة مسيحيون أرثوذكس، ولذلك فإن المسلمين هناك أقلية صغيرة جدًا.

وهذا يعني أن عبارة «المسلمون في إثيوبيا» لا تعادل عرقيًا «العفر» أو «الأورومو» أو «الصوماليين»، وإنما المسلمون موزعون داخل عدد من القوميات.

ثانيًا: هل يوجد طرف مسلم موحد في الحرب؟

لا توجد في الصراع الإثيوبي الحالي قوة عسكرية إسلامية وطنية تمثل المسلمين الإثيوبيين باعتبارهم جماعة دينية واحدة.. وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالقوى المسلحة الرئيسية التي تدور حولها الحرب الحالية هي، في جوهرها:
-قوى تيجراوية مثل جبهة تحرير شعب تيجراي TPLF،
-قوى أمهراوية مثل فانو Fano،
-قوى أورومية مثل جيش تحرير أورومو OLA،
-وقوى عفرية مثل Ugugumo،
-إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية ENDF.

هذه الحركات لا تقدم نفسها باعتبارها «جيوشًا إسلامية»، ولا تخوض الحرب من أجل إقامة حكم إسلامي. وبالتالي فمن الخطأ وصف الحرب الحالية بأنها حرب بين «المسلمين والمسيحيين».
هو في الأساس صراع على السلطة والدولة والأقاليم والحدود والنفوذ والهوية القومية والحكم الذاتي، وإن كان الدين يدخل أحيانًا في بعض النزاعات المحلية ويؤثر في مواقف السكان.

ثالثًا: لكن أين توجد القوة المسلحة الأقرب إلى المسلمين؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

1. عفر: أوضح حالة لقوة مسلحة في بيئة مسلمة
العفر قومية يغلب عليها الإسلام، ولذلك فإن أي صراع مسلح داخل إقليم عفر يمس مجتمعًا مسلمًا بدرجة كبيرة.

ومن أبرز الحركات العفرية المسلحة تاريخيًا:
-الجبهة الثورية الديمقراطية المتحدة لعفر – Ugugumo / ARDUF. وقد ظهر اسمها مجددًا في التطورات الأخيرة.
وفي سبتمبر 2026 دخلت Ugugumo في التحالف الجديد الذي ضم قوى من أقاليم مختلفة، بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وفانو وجيش تحرير أورومو.

لكن ينبغي الحذر هنا: Ugugumo ليست حركة إسلامية بالمعنى السياسي أو العقائدي؛ إنها حركة عفرية، وبالتالي فإن دافعها الأساسي مرتبط بقضايا عفر ومصالح العفر السياسية والإقليمية.
ومع ذلك، لأن المجتمع العفري مسلم في غالبيته الساحقة، فإن أي حرب واسعة في عفر ستكون لها آثار مباشرة وكبيرة على المسلمين.
وفي أحدث تقييم ميداني منشور في 26 سبتمبر 2026، قالت ACLED إن Ugugumo كانت، إلى جانب TPLF وفانو، من القوى التي تخوض قتالًا فعليًا مع قوات الأمن الإثيوبية في تلك المرحلة.

رابعًا: الأورومو المسلمون وجيش تحرير أورومو OLA

هذه أهم نقطة لمن يريد فهم العلاقة بين الإسلام والصراع الإثيوبي.
الأورومو هم أكبر قومية في إثيوبيا، والمسلمون يشكلون نسبة كبيرة جدًا منهم، إلى جانب البروتستانت وأتباع ديانات أخرى.

لكن جيش تحرير أورومو OLA ليس جيشًا إسلاميًا. إنه حركة مسلحة ذات مشروع قومي أورومي، وترتبط مطالبه بصورة أساسية بحقوق الأورومو وتقرير المصير والقضايا السياسية والإقليمية في أوروميا.
وقد انشق الجناح المسلح عن جبهة تحرير أورومو OLF بعد رفضه نزع السلاح، واستمر في القتال ضد الحكومة الإثيوبية.

وهنا تظهر أهمية التمييز:
قد يكون عدد كبير من مقاتلي أو مؤيدي الحركة من المسلمين، لكن هذا لا يجعل الحركة «حركة إسلامية».
كما أن المسلمين الأورومو ليسوا جميعًا مؤيدين لـ OLA، كما أن الأورومو المسيحيين ليسوا بالضرورة خصومًا للمسلمين الأورومو. فالانتماء الأورومي يتجاوز الانقسام الديني في كثير من السياقات السياسية.

خامسًا: المسلمون الصوماليون وONLF

الصورة مشابهة في الإقليم الصومالي الإثيوبي.
الصوماليون الإثيوبيون مسلمون في غالبيتهم، ولديهم تاريخ طويل من الصراع مع الحكومة المركزية حول الحكم الذاتي والحدود والموارد والسيطرة السياسية.

ومن أشهر الحركات هناك: جبهة تحرير أوغادين الوطنية ONLF. لكن وضع ONLF في سبتمبر 2026 يحتاج إلى تدقيق شديد.
فبعد اتفاق السلام عام 2018، دخلت الحركة في المسار السياسي، ولم تعد تخوض التمرد المسلح بالطريقة السابقة.
وعندما أُعلن في سبتمبر 2026 عن التحالف الجديد المعارض للحكومة، أُعلن اسم ONLF ضمن الموقعين، لكن قيادة ONLF الرسمية نفت مشاركتها في التحالف، وقالت إن فصيلًا منافسًا استخدم اسم الحركة دون تفويض.
وهذا يعني أن الحديث عن «انضمام الصوماليين الإثيوبيين إلى الحرب» يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ.

سادسًا: وماذا عن المسلمين في أمهرة؟

هنا تختلف الصورة تمامًا. إقليم أمهرة يرتبط تاريخيًا وثقافيًا بدرجة كبيرة بالكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، لكن توجد فيه أقلية مسلمة كبيرة، ولا سيما في مناطق مثل وولّو.
وقد تعرض مسلمون في مناطق أمهرة إلى أعمال عنف، كما سجلت تقارير حقوقية وأممية وتقارير دولية حوادث استهداف للمسلمين.

لكن فانو ليست حركة تمثل المسلمين في أمهرة. فانو حركة أمهراوية قومية مسلحة، وغالبية البيئة التي خرجت منها مرتبطة بالهوية الأمهراوية والمسيحية الأرثوذكسية، رغم أن هذا لا يعني أن كل فرد أمهراوي أو كل شخص في بيئة فانو مسيحي.

وبالتالي لا يصح القول: المسلمون في أمهرة يقفون مع فانو.
الأدق: المسلمون الأمهراويون جزء من المجتمع الأمهراوي، لكنهم لا يملكون قوة مسلحة دينية مستقلة تمثلهم في الحرب. بل إن استمرار القتال في أمهرة قد يجعلهم من الفئات المدنية المتضررة بغض النظر عن موقفهم السياسي.

سابعًا: وماذا عن مسلمي التيجراي؟

التيجراي حالة أكثر وضوحًا. الغالبية الساحقة من التيجراي مسيحيون أرثوذكس، ولذلك لا توجد قوة سياسية أو عسكرية تيجراوية رئيسية تتحدث باسم المسلمين.
أما جبهة تحرير شعب تيجراي TPLF فهي حركة قومية تيجراوية وسياسية، وليست حركة دينية مسيحية بالمعنى التنظيمي.

ولهذا يوجد فرق بين: التيجراي كقومية والأرثوذكسية كدين.

ومع ذلك، فإن المسلمين في تيجراي أقلية صغيرة جدًا، ولذلك فإن الوزن السياسي والعسكري للقضية الإسلامية داخل الصراع التيجراوي محدود للغاية.

ثامنًا: أين تكمن مصلحة المسلمين إذن؟

إذا استخدمنا كلمة «المصلحة» بمعناها السياسي والأمني، فليس من الدقيق القول إن للمسلمين مصلحة في انتصار طرف عرقي محدد. هناك مجموعة مصالح مشتركة يمكن أن تكون ذات أهمية للمسلمين بغض النظر عن القومية:

1. الأمن ووقف الاستهداف على أساس ديني

أحد أخطر الأمور بالنسبة للمسلمين هو تحول بعض النزاعات المحلية إلى عنف ديني مباشر. وقد سجلت تقارير دولية حوادث عنف بين مسلمين ومسيحيين، واستهداف منشآت دينية وأفراد من الطرفين.

2. الحفاظ على حرية العبادة

الدستور الإثيوبي ينص على حرية الدين وعلى الفصل بين الدولة والدين، ولذلك فإن مصلحة المسلمين المؤسسية ترتبط باستمرار هذا الإطار.

3. منع تحول الصراع العرقي إلى صراع ديني
ولا تظهر المعطيات الحالية أن هذا هو الشكل العام للحرب.

تاسعًا: هل مصلحة المسلمين مع الحكومة الإثيوبية؟

لا يمكن إعطاء إجابة عامة بـ«نعم».

الحكومة الإثيوبية ليست حكومة إسلامية، كما أن المسلمين ليسوا كتلة سياسية موحدة مؤيدة لها أو معارضة لها.
وفي عهد آبي أحمد ظهرت محاولات لإعادة تنظيم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي، كما شهدت العلاقة بين الدولة والقيادات الإسلامية تطورات وانقسامات مختلفة.
والرئيس آبي أحمد نفسه ينتمي إلى خلفية أورومية، لكن ذلك لا يعني أن حكومته تمثل المسلمين أو أن المسلمين يمثلون حكومته.
والأهم أن الحكومة تقاتل حاليًا قوى مسلحة في مناطق تضم أعدادًا كبيرة من المسلمين، مثل أوروميا وعفر.
لذلك لا يمكن اختزال موقف المسلمين في تأييد الحكومة.

عاشرًا: هل مصلحتهم مع فانو أو TPLF أو OLA؟

أيضًا لا. هذه القوى لها مشروعات سياسية وعرقية مختلفة:

واللافت أن التحالف الذي أعلن في سبتمبر 2026 جمع خصومًا سابقين من هذه البيئات المختلفة ضد الحكومة، لكنه **ليس تحالفًا إسلاميًا**.

الحادي عشر: التطور الأخطر في سبتمبر 2026

في 21 سبتمبر 2026 أعلنت سبع قوى إثيوبية تشكيل ما سمي: Ethiopian Peoples’ Forces Alliance for Survival

وهو تحالف يضم، بحسب الإعلان الأول، قوى من تيجراي وأمهرة وأوروميا وعفر ومناطق أخرى.

والأهم أن هذه القوى كانت في السابق متعارضة فيما بينها؛ فـFano حاربت إلى جانب الحكومة ضد TPLF خلال حرب تيجراي، بينما أصبحت لاحقًا في صراع مسلح مع الحكومة.

لكن التطورات خلال الأيام الأخيرة أظهرت أن الإعلان السياسي للتحالف لا يعني بالضرورة وجود قيادة عسكرية موحدة أو عمليات عسكرية مشتركة.

وفي 26 سبتمبر، قالت ACLED إن الصورة لا تزال متنازعًا عليها، وإن بعض الجماعات نفت مشاركتها أصلًا، بينما أوضحت أن القتال الفعلي في تلك اللحظة كان يدور خصوصًا بمشاركة **TPLF وFano وUgugumo**، في حين أن OLA قالت إن اهتمامها بالتحالف سياسي بالأساس وليس بالضرورة تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في تقييم موقع المسلمين؛ لأن **Ugugumo تمثل بيئة عفرية مسلمة بدرجة كبيرة، لكنها لا تخوض الحرب تحت راية الإسلام، بل في إطار القضية العفرية.**

الثاني عشر: إذن هل المسلمون بعيدون عن الصراع؟

الإجابة الأدق: ليسوا بعيدين، لكنهم ليسوا طرفًا واحدًا فيه.

هم موجودون داخل معظم المناطق المتأثرة بالصراع:
مسلمون عفر يتأثرون بالحرب في عفر.
مسلمون أورومو يتأثرون بالحرب في أوروميا.
مسلمون صوماليون يعيشون في منطقة لها تاريخها الخاص مع المركز.
مسلمون أمهرا يعيشون داخل منطقة تشهد حرب فانو والحكومة.
مسلمون آخرون يعيشون في مناطق مختلفة من البلاد.

لكنهم لا يدخلون الحرب تحت قيادة دينية واحدة.

الثالث عشر: الخلاصة الأساسية

يمكن تلخيص المشهد في خمس نقاط:
1. المسلمون ليسوا طرفًا عسكريًا موحدًا في الحرب الإثيوبية.
2. لا توجد حاليًا قوة مسلحة إسلامية وطنية تمثل المسلمين الإثيوبيين كجماعة دينية.
3. توجد قوى مسلحة في مناطق ذات أغلبية مسلمة، وأبرز مثال حالي هو Ugugumo في عفر، لكن هذه قوة عفرية وليست حركة إسلامية.
4. OLA تضم أورومو كثيرين من المسلمين، لكنها حركة قومية أورومية وليست حركة إسلامية، والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على القوى الصومالية.

5. المصلحة المشتركة للمسلمين ليست بالضرورة انتصار الأمهرة أو الأورومو أو التيجراي أو الحكومة، وإنما تتصل بصورة أكبر بالأمن، وحرية الدين، ومنع استهداف المسلمين على أساس ديني، والحفاظ على قدرتهم السياسية والاجتماعية داخل الدولة.

وإذا أردنا أن نبحث عن «المعسكر الإسلامي» في الحرب الإثيوبية، فلن نجده بصورة واضحة؛ لأن خطوط الصراع الرئيسية في إثيوبيا اليوم عرقية وسياسية وإقليمية أكثر منها دينية.

لكن إذا سألنا سؤالًا مختلفًا: «أين توجد الكتلة السكانية المسلمة داخل أطراف الصراع؟»

فسنجد أن عفر والصوماليين وقطاعات كبيرة من الأورومو هم أهم البيئات المسلمة المتداخلة مع الصراع، مع وجود مسلمين في أمهرة ومناطق أخرى.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن وضع المسلمين الإثيوبيين جميعًا في صف واحد: المسلم العفري له قضية عفرية، والمسلم الأورومي له سياق أورومي، والمسلم الصومالي له سياق صومالي، والمسلم الأمهراوي يعيش داخل سياق أمهراوي؛ والدين الإسلامي هو عامل جامع بينهم، لكنه ليس الإطار السياسي الذي تُدار من خلاله الحرب الحالية.

 

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا