أين تركيا من هذه الحرب؟

هشام الحمامى

السؤال عن موضع تركيا من الحرب الدائرة الأن ضد إيران، ليس بسبب قربها الجغرافي من دائرة الحرب وهو عامل هام، وليس لعضويتها في حلف (الناتو) وهو أيضا هام، وأخيرا ليس لتمتعها بعلاقة (متميزة) مع أمريكا؟ ولكن لأنها أصبحت في دورة من دورات الزمن، أهم دولة إقليمية في الشرق الأوسط، ولها حضور فعال وقوى في كل الأزمات التي تملأ جغرافيا عالم الإسلام ..

وطبيعي ومتوقع وفقا لذلك أن يكون لها دور ما في هذه الحرب، التي أصبحت من كثرة عناوينها بلا عنوان، لكن المؤكد أنها حرب ليست من أجل السلاح النووي ولا من اجل مضيق هرمز، ولا حتى من أجل إسرائيل كما يقول ترمب ..

هي فقط حرب لأن (صناع الحروب) في الغرف المغلقة، قرروا أن تكون هناك حرب في الشرق الأوسط وتجتمع فيها أشياء كثيرة مثيرة.. فكانت.
على أن هذا ليس هو الموضوع المقصود، فقط نتحدث عن جزئية هامة تتعلق بكون هذه الحرب لم تكن لها أي ضرورة تحتمها مجريات الأمور، و دوافع التنافس الدولي المتنوعة.

والأهم من هذه الجزئية، هو أن تركيا بجهاز مخابراتها العتيد المتغلغل والموصول بهناك وهنا، تعلم أن هذه الحرب قد تكون لأى سبب إلا الأسباب المعلنة ممن بدأوها ..
***
تركيا في لحظة نادرة من لحظات التاريخ، أصبحت على ماهي عليه الأن.. ولو كانت استمرت فيها الأحوال على ما كانت عليه قبل (حقبة أردوغان) لما كان لها هذا الدور العريض في الحالة الإقليمية والدولية ..
أيا ما كان الأمر، أصبح هناك تركيا، ذات المزاج الإسلامي، وذات النفوذ الإقليمي والدولي الغريب !..

(حقبة أردوغان) لم تهبط ذات مساء ارجواني على رأس الدولة والمجتمع، فقال لها الاثنان أهلا وسهلا ..

من الواضح لكل مهتم أن هناك تسوية ما، وتفاهمات ما، وتحالفات ما، تمت في فلتة من فلتات الزمن، وسارت الأمور بعدها بما لها من تفاصيل، تختلف تماما عن السياق العادي لسير الأمور.
***
تماما كما كان ترشيح سيدنا ابوبكر واختياره في يوم السقيفة، والذى وصفه سيدنا عمر بقوله (كان فلتة، ألا وإنها قد كانت كذلك) ..

والفلتات التي تأتى هكذا، دون ترتيب وإعداد سابق، لا يقاس عليها، لكن يٌنظر اليها نظرة تأمل عميق، كونها تحمل من (أسرار التوفيق) ما لا يستطيعه البشر، وهى بالفعل كانت كذلك، وكان أطرافها الرئيسيين هما أسيادنا أبو بكر وعمر، وكانت خطواتهم إلى (السقيفة) خطوات خالصة مخلصة لله، الذى يعرفهما، ويعرفونه سبحانه، وكانت تلك الخطوات خالية خلوا تاما من أغراض الدنيا وهوى النفوس الملحاح..

وعلى من يريد أن يقتدى بهذه (الفلتة) أن يكون حاله قريب من حال الصحابيان الكبيران رضى الله عنهما..
والله يجتبى إليه من يشاء، ويهدى إليه من ينيب..
***
لكن هذه (الفلتة) حدثت.
وإذا بتركيا، كما نراها الأن في العلاقات المدنية العسكرية، وهي التي كانت الإنقلابات فيها تتنوع ما بين انقلاب عسكري مباشر، وانقلاب أبيض بمذكرة ضغط توجه إلى السياسيين المنتخبين.!
وإذا بتركيا الأن، تشهد تطورا كبيرا في الاقتصاد والصناعة، وخاصة الصناعات العسكرية ..
وإذا بتركيا الأن صاحبة نفوذ إقليمي ودولي كبير، ولها جهاز مخابرات من أقوى الأجهزة في العالم بشهادة الجميع.. ناهيك عن الجيش الذي يعتمد عليه الناتو.

تركيا كانت تعيش واقعا معقدا للغاية .. ويسر الله لها هذه (الفلتة) بإخلاص المخلصين، الذي صدقوا الله فصدقهم وجعل لهم نورا يمشون به، فكانت خطواتهم محسوبة بدقة ووعى وتبصر.
***
وإسرائيل بكل عناوينها التاريخية كدولة صهيونية تخدم الغرب، أو يخدمها الغرب..أيا ما كان ، في كل الأحوال هي تعلم تماما ما يجرى الأن في تركيا ..وتعلم أن وجودها يتعارض كليا وجزئيا مع وجود تركيا التي نراها الأن، لكنها (الفلتة)..!

كل ذلك متروك للتاريخ، لتكون تلك التجربة مفيدة في حركة الأمم والمجتمعات باتجاه الأمام وبخطوات محسوبة أولها (الإخلاص الخالص) للخالق البارئ الذي يدبر شئون خلقه.. والباقي سيكون أسهل وأيسر من رشفة ماء..
واذا كانت هذه (دروشة) فتاريخ (الأمة) يمتلئ بهذه الدروشات، كما تمتلئ العين بالنظر، والأذن بالخبر ..
***
لكننا الأن مشغولون كلنا بهذه الحرب التي تجرى بـ(اليومية)!! أو كما اتفق.. حرب ليس لها (كتالوج) يسير بمراحلها من مرحلة إلى أخرى .. بدرجة جعلت المراقبون في حيرة من أمرهم.

فهي على مستوى تأثيرها الإقليمي، أحدثت متغيرات كثيرة في هذا المحيط وبالأخص (إسرائيل) التي كانت من أكبر مشعليها، وها نحن نسمع (ايهود باراك)، وهو من هو في تاريخ الدولة الإسرائيلية، يقول (اتفاق غزة يتجاهل إسرائيل..

وترامب لا يولي اعتبارا لنتنياهو الذي فقد قدرته التفاوضية مع ترامب)..

هذا ليس كلام انتخابات هذا توصيف عارى لما رآه الرجل ونراه جميعا ..
****
واتفاق غزة الذى يشرف عليه مجلس السلام تقوم فيه (مصر وتركيا وقطر) بدور هام جدا، وواضح أن المسألة تسير نحو واقع جديد، لا تريده إسرائيل ولا اللوبي التابع لها في أمريكا .. لكنه سيتم تنفيذه رغما عن أنف إسرائيل..

وهذه من بركات(الطوفان) والثمن الغالي الذى دفعه أهل العزائم والأنوار في غزة .. وتذكروا جملة الرئيس الأمريكي السابق عن 7 أكتوبر بأنه (حدث سيغير العالم لعقود مقبلة).

ليس فقط إسرائيل، ولكن الدول الخليجية نفسها تعيد الكثير من حساباتها .. نحن الأن في الشهر السادس من الحرب، وكل يوم تهدد أمريكا وإسرائيل بتهديدات لا يستطيعون تنفيذها .. ويضطروا إلى التصريح بتصريحات مضحكة ومحرجة ..

قل ما شئت .. لكنك حتى الأن لم تستطع إرغام خصمك على فعل ما تريد .. وهذه في النهاية هي محصلة الحواصل كلها ..
***
وأنا في الحقيقة لم أكن أتمنى لباكستان أن تكون في الموقف التي هي عليه الأن، كوسيط بذل مجهودات كبيرة في الوساطة ..ولم تسفر الوساطة عن شيء ..

وأتصور أن تركيا نأت بنفسها عن القيام بهذا الدور(الوسيط) من البداية لأنها توقعت أن تسير الأمور على ما سارت عليه ..

وأضيف هنا أيضا أن موقفها (هادئ للغاية) سواء كوسيط مساعد، أو كجار قريب من دائرة النار، كأن لديها من التوقعات الكثير، مما يشير إلى أن هذه الحرب ستنتهى بما هو مفيد لـ (عالم الإسلام)..

لأسباب كثيرة منها هذا الصمود الصبور لإيران كل هذه الشهور، وما في ذلك من قوة تشير للشرق كله إلى أنه فعلا: (المستحيل على بعد جيل).

كما قال لنا الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في حواره مع الراحل الكبير إدوارد سعيد، الذى أوصاه قائلا:
إن مت قبلك، أوصيك بالمستحيل..
فيسأل درويش: وهل المستحيل بعيد؟
فيرد سعيد: على بعد جيل..

اترك تعليقا