أوغندا في غزة .. قوة لحفظ الاستقرار أم أداء لتنفيذ أجندة الاحتلال

في مسعي لتعزيز العلاقات مع واشنطن وتل ابيب

أثار قرار أوغندا السماح بإرسال قوات إلى قطاع غزة للمشاركة في القوة الدولية المقترحة لحفظ الاستقرار، جدلاً واسعاً حول طبيعة المهمة التي ستضطلع بها هذه القوات، وما إذا كانت ستلتزم بدور حفظ الأمن وحماية المدنيين أم تتحول بصورة غير مباشرة إلى جزء من ترتيبات أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية في القطاع. ويكتسب القرار حساسية أكبر بسبب مواقف قيادات عسكرية أوغندية أبدت خلال الأشهر الماضية انحيازاً واضحاً إلى إسرائيل

فقد وافق البرلمان الأوغندي في السادس من أغسطس 2026 على نشر قوات أوغندية ضمن القوة الدولية المقترحة لغزة، في إطار خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار. وقال وزير الدفاع الأوغندي كيريووا كيوانُوكا إن الرئيس الأميركي طلب من الرئيس يوري موسيفيني مشاركة أوغندا في المهمة.

وتأتي المشاركة الأوغندية ضمن مشروع أوسع لقوة دولية للاستقرار، أقرها مجلس الأمن في القرار 2803، وتتمثل مهمتها المعلنة في مراقبة وقف إطلاق النار، حماية المدنيين والعمليات الإنسانية، دعم الشرطة المحلية، والمساعدة في إزالة أو تفكيك البنية العسكرية التي ينص الاتفاق على إنهائها. كما يفترض أن تعمل القوة في المناطق التي لا تسيطر عليها إسرائيل، وأن تنتشر بصورة تدريجية وفق تطورات الوضع على الأرض.

لماذا تريد أوغندا الذهاب إلى غزة؟

أول دوافع كمبالا هو البحث عن دور إقليمي ودولي أكبر. فالجيش الأوغندي يمتلك خبرة طويلة في بعثات حفظ السلام والاستقرار، خصوصاً في الصومال وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية. ولذلك تقدم الحكومة مشاركتها باعتبارها امتداداً لسياستها في المساهمة في عمليات حفظ السلام الدولية، وليس باعتبارها دخولاً في الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

وثاني الدوافع يرتبط بالعلاقة المتنامية بين أوغندا وإسرائيل. فقد وقعت الدولتان في 2022 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الدفاعي، وتحدث الجانب الأوغندي وقتها عن المساعدة الإسرائيلية في التدريب والتجهيز وتطوير قدرات الدفاع الجوي ونقل التكنولوجيا.

وهناك أيضاً العامل الأميركي. فطلب ترامب المباشر من موسيفيني يمكن أن يمنح أوغندا فرصة لتعزيز علاقتها بواشنطن، خصوصاً أن القوة المقترحة تعمل تحت قيادة أميركية، وفق خطة الأمم المتحدة المتعلقة بتنفيذ ترتيبات غزة.

ولكن هنا يطرح تساؤل نفسه وهوهل تتعارض المهمة مع الموقف المؤيد لإسرائيل فهنا تكمن المشكلة الأساسية.فالمسألة لا تتعلق فقط بمشاركة أوغندا في قوة دولية، وإنما بالصورة السياسية التي ستظهر بها هذه المشاركة. ففي مارس 2026، أعلن قائد قوات الدفاع الأوغندية الجنرال موهوزي كاينيروغابا استعداد بلاده لمساعدة إسرائيل في مواجهة إيران، وقال إن أوغندا تقف إلى جانب إسرائيل. وهذه تصريحات صادرة عن قائد عسكري رفيع، لكنها لا تعني تلقائياً أن المهمة الأوغندية في غزة ستكون مهمة قتالية لصالح إسرائيل.

وبالتالي يجب الفصل بين أمرين: الموقف السياسي المؤيد لإسرائيل لبعض القيادات الأوغندية، والتفويض القانوني للقوة الدولية في غزة. فإذا التزمت القوات الأوغندية بالتفويض الدولي، فإن مهمتها يفترض أن تكون حفظ الاستقرار وحماية المدنيين وتنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار، وليس المشاركة في العمليات العسكرية الإسرائيلية

دعم الكيان الصهيوني .

لكن هذا الفصل قد يصبح صعباً عملياً إذا نشبت مواجهة بين القوات الدولية وفصائل فلسطينية، أو إذا حاولت إسرائيل استخدام القوة الدولية لتثبيت ترتيبات أمنية تعتبرها الفصائل جزءاً من نتائج الحرب.

وفي هذا السياق هل تصبح القوات الأوغندية دعماً للاحتلال؟

والاجابة هنا تكمن في أنه لا يمكن الجزم بذلك قبل معرفة قواعد الاشتباك واتفاقية وضع القوات التي ستنظم وجود الجنود الأوغنديين. وقد أشار وزير الدفاع الأوغندي إلى أن اتفاقية خاصة بوضع القوات ستُبرم بعد الموافقة البرلمانية.

وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن طبيعة القوة لا تحددها البيانات السياسية فقط، وإنما أيضاً صلاحياتها على الأرض، وعلاقتها بالجيش الإسرائيلي، وحدود تدخلها، والجهة التي تتلقى منها الأوامر.

وتزداد المخاوف بسبب موافقة إسرائيل على دخول قوة الاستقرار، مع تأكيد أن عملها سيكون بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. وقد أعلنت إسرائيل بالفعل موافقتها على الترتيبات القانونية اللازمة لدخول القوة، دون تحديد موعد نهائي لنشرها.

ولهذا فإن الفلسطينيين قد ينظرون إلى القوات الدولية بإيجابية إذا قامت بحماية السكان وضمان وصول المساعدات ومنع الانتهاكات، بينما يمكن أن ينظروا إليها باعتبارها قوة احتلال مقنعة إذا أصبحت مهمتها حماية ترتيبات أمنية مفروضة على غزة أو فرض نزع السلاح بالقوة.

تعامل المقاومة مع القوات الأوغندية

من المهم القولأن تعامل المقاومة مع هذه القوات يعد أصعب القضايا أمام القوة الأوغندية والدولية. ومن المرجح أن يكون موقف الفصائل الفلسطينية مرتبطاً أولاً بمدى التزام القوة بالحياد، وبموقف إسرائيل من الانسحاب، وبطبيعة المرحلة الانتقالية.

ومن الناحية السياسية، يمكن أن تواجه القوة اعتراضاً فلسطينياً واسعاً إذا اعتُبرت أداة لفرض شروط إسرائيلية. أما إذا التزمت بحماية المدنيين، وتسهيل المساعدات، ومراقبة وقف إطلاق النار، والعمل بالتنسيق مع إدارة فلسطينية انتقالية، فقد يكون التعامل معها أكثر هدوءاً.

لكن الخطر الأكبر يتمثل في غموض مسألة نزع السلاح. فخطة الاستقرار الدولية تجعل من تفكيك البنية العسكرية جزءاً من مهمة القوة، بينما ترى الفصائل الفلسطينية أن قضية السلاح مرتبطة بالتسوية السياسية ومستقبل القضية الفلسطينية. وقد يؤدي تحويل القوة الدولية إلى طرف مباشر في هذه المسألة إلى صدام سياسي وأمني شديد.

معركة الشرعية قبل معركة الميدان

لذلك فإن نجاح المشاركة الأوغندية لن يتوقف على عدد الجنود الذين سترسلهم كمبالا، وإنما على مدى قدرتها على إثبات أنها جاءت إلى غزة كقوة استقرار لا كطرف في الصراع.

أوغندا أمام اختبار دبلوماسي صعب: فمن جهة تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل والاستفادة من خبرتها الطويلة في عمليات حفظ السلام، ومن جهة أخرى تنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي، وهو ما يفسر الانتقادات التي ظهرت داخل البرلمان بشأن التداعيات الدبلوماسية للقرار.

ومن المهم هنا التأكيد علي أن   وجود القوات الأوغندية لن يكون بالضرورة دعماً للاحتلال، لكنه قد يتحول إلى ذلك في نظر الفلسطينيين إذا تجاوزت القوة مهمة حفظ الاستقرار إلى فرض ترتيبات أمنية أو سياسية بالقوة. أما إذا التزمت بحماية المدنيين ووقف إطلاق النار ورفضت استخدام وجودها لتغطية أي عمليات عسكرية، فقد تصبح مشاركتها عاملاً مساعداً على الانتقال من الحرب إلى مرحلة سياسية جديدة

اترك تعليقا