أوروبا تتجه إلى تشديد سياسات الإسكان السياحي
قواعد جديدة تستهدف سوق الإيجارات قصيرة الأجل
- dr-naga
- 7 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أوروبا, الإيجارات السياحية, المفوضية الأوروبية, سوق السكن, سياسات الإسكان السياحي
الرائد//تتجه المفوضية الأوروبية إلى طرح قواعد جديدة تستهدف سوق الإيجارات قصيرة الأجل، في محاولة لمعالجة أزمة السكن التي أصبحت أكثر وضوحاً في عدد من المدن الأوروبية الكبرى، ولا سيما باريس وبرشلونة والبندقية.
وتكشف مسودة قانون الإسكان الميسور التي من المقرر أن تعرضها نائبة رئيس المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا في 9 سبتمبر عن توجه لمنح السلطات المحلية مساحة أكبر لتقييد الإيجارات السياحية عندما تثبت وجود ضغوط حادة على سوق السكن. وتشمل الأدوات المقترحة وضع سقوف كمية على الإيجارات قصيرة الأجل أو حماية بعض العقود القائمة، بدلاً من فرض حظر شامل.
وتأتي الخطوة بعد سنوات من الجدل حول تأثير منصات الإيجار السياحي على المعروض من المساكن، خصوصاً في المدن التي شهدت ارتفاعاً سريعاً في أعداد الزوار والأسعار العقارية. وتقول السلطات المحلية في عدد من هذه المدن إن تحويل المساكن إلى وحدات مخصصة للسياح يقلل الخيارات المتاحة للسكان ويرفع الإيجارات.
لكن القضية لا تخلو من تعقيدات اقتصادية. فالإيجارات قصيرة الأجل أصبحت مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إلى بعض مالكي العقارات، كما يعتمد قطاع السياحة في مدن أوروبية كثيرة على توفر مساكن مؤقتة بأسعار مختلفة.
الصراع بين السكن والسياحة
المشكلة لم تعد مقتصرة على مدينة أوروبية واحدة. فقد شهدت برشلونة، على سبيل المثال، صراعاً سياسياً متصاعداً حول مستقبل الشقق السياحية، فيما تواجه البندقية وباريس ضغوطاً مشابهة بسبب ارتفاع الطلب السياحي.
ويحاول الاتحاد الأوروبي الوصول إلى صيغة تمنح المدن قدرة أكبر على التدخل، من دون تحويل السوق الأوروبية إلى نظام موحد يفرض القيود نفسها على جميع المناطق. ولذلك تتضمن المسودة مفهوم “الضغط السكني”، على أن يعتمد تحديده على مؤشرات مثل نسبة أسعار المنازل إلى دخول السكان، ونمو عدد السكان، وحجم المعروض مقارنة بالطلب.
وتشير هذه الصيغة إلى محاولة المفوضية نقل النقاش من مواجهة مباشرة مع منصات الإيجار السياحي إلى تقييم اقتصادي لكل مدينة على حدة.
التعليقات والتحليل
ترى جماعات تمثل منصات التكنولوجيا والسياحة أن التشدد المفرط يمكن أن يضر بأصحاب المنازل الذين يعتمدون على تأجير عقاراتهم لفترات قصيرة، كما قد يؤثر في السياحة بالمناطق التي لا يتوفر فيها بديل سكني كافٍ.
وفي المقابل، تضغط سلطات المدن التي تعاني أزمة سكنية من أجل الحصول على أدوات تنظيمية أقوى. ويعكس مشروع المفوضية هذا التوتر بين المصالح العقارية والسياحية من جهة، وحق السكان في الحصول على مساكن بأسعار يمكن تحملها من جهة أخرى.
واللافت أن أزمة السكن أصبحت خلال السنوات الأخيرة قضية سياسية تتجاوز اليسار واليمين. ففي المدن الكبرى، يمكن أن يتحول ارتفاع الإيجارات إلى عامل يؤثر في تصويت الطبقة الوسطى والشباب، كما أن تراجع قدرة السكان المحليين على السكن في مراكز المدن يغذي الاحتجاج على السياحة الجماعية.
خلفية أوسع
يتزامن التحرك الأوروبي مع تغير في النظرة إلى السياحة داخل القارة. فقد أصبحت بعض المدن تتعامل مع السياحة باعتبارها مورداً اقتصادياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن حدود للضغط الذي يمكن أن تفرضه أعداد الزوار على البنية السكنية والخدمات العامة.
وتشير هذه السياسة إلى تحول تدريجي من مرحلة تشجيع السياحة بأي ثمن إلى محاولة إدارة آثارها الاجتماعية. وفي هذا السياق، أصبحت البيانات أكثر أهمية؛ إذ بدأت قواعد أوروبية سابقة تلزم منصات الإيجار قصير الأجل بمشاركة معلومات القوائم مع الحكومات، بما يسمح للسلطات بقياس حجم النشاط ومراقبة مدى الالتزام بالقواعد المحلية.
التوقعات المستقبلية
إذا أقر الاتحاد الأوروبي الإطار المقترح، فمن المرجح أن تحصل المدن التي تواجه أزمة سكنية حادة على مساحة أكبر لفرض قيود على الإيجارات السياحية، لكن من غير المرجح أن يؤدي القانون وحده إلى حل أزمة السكن.
فالسبب الأعمق يتمثل في نقص المعروض من المساكن وارتفاع تكاليف البناء وأسعار الأراضي وتزايد الطلب في المدن الاقتصادية والسياحية الكبرى. ولذلك فإن تنظيم منصات الإيجار قد يحرر جزءاً من الوحدات السكنية، لكنه لن يعوض الحاجة إلى بناء مساكن جديدة.
وقد تتحول المسألة إلى أحد الملفات الاجتماعية المهمة في أوروبا خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد صعوبة امتلاك أو استئجار مسكن بالنسبة إلى الشباب.
وإذا نجحت بروكسل في تحقيق توازن بين حماية السكان وعدم الإضرار بقطاع السياحة، فقد يصبح النموذج الأوروبي الجديد مرجعاً لسياسات المدن السياحية حول العالم. أما إذا تحولت القيود إلى إجراءات واسعة وغير متناسبة، فمن المتوقع أن تواجه مقاومة من قطاع السياحة وملاك العقارات، وربما نزاعات قانونية وسياسية داخل بعض الدول الأعضاء.
المصادر
رويترز