أهمية التسلح وحرب البنى التحتية في أوروبا وثغرة اليمين المتطرف

إشكالية تقليص الإنفاق العسكري في دول أوروبية

الرائد// تواجه القارة الأوروبية في الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية وأمنية غير مسبوقة، فرضت عليها إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية التقليدية. ولم يعد مفهوم الأمن القومي مقتصرًا على الجاهزية العسكرية الميدانية فحسب، بل بات يتداخل بشكل وثيق مع مسارين حاسمين: طفرة التسلح المتسارعة لحماية الحدود، وظهور “حرب البنى التحتية” كأداة هجينة تستهدف شريان الحياة الاقتصادي والخدماتي للدول من طاقة، واتصالات، وشبكات نقل. وفي خضم هذه البيئة المضطربة، تبرز “ثغرة اليمين المتطرف” كواحدة من أخطر التحديات الداخلية؛ حيث تستغل القوى الخارجية صعود التيارات القومية والشعبوية لتعميق الانقسامات المجتمعية، وتفكيك وحدة الصف الأوروبي، واختراق مراكز صناعة القرار.

أولا: يتناول هذا التقرير بالتحليل الوثائقي إشكالية تقليص الإنفاق العسكري في دول أوروبية غنية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانضمامها لحلف الناتو، والعواقب الاستراتيجية التي تواجهها هذه الدول اليوم بعد عودة الحرب إلى القارة الأوروبية. ويركز التقرير على حالتي ألمانيا والدنمارك كنموذجين لدولتين فضلتا الرفاهية الاقتصادية على التأمين العسكري، وتكافحان الآن لإعادة بناء ما أُهمل لعقود.

ثانيا السياق التاريخي: تقليص الجيوش بعد الحرب الباردة

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سادت قناعة في أوروبا الغربية بأن تهديد الحرب التقليدية قد زال، فاتجهت دول عدة إلى تقليص جيوشها وإعادة توجيه الموارد نحو الاقتصاد والخدمات الاجتماعية. وفي هذا السياق علقت ألمانيا التجنيد الإجباري رسميا في الأول من يوليو عام 2011، منهية تقليدا استمر 55 عاما منذ تأسيس ما بعد الحرب .

ورافقت هذه الخطوة تخفيضات متتالية في الإنفاق العسكري خلال عهد المستشارة أنجيلا ميركل، رغم تمتع ألمانيا بفوائض مالية مليارية في الميزانية لسنوات متلاحقة.

ثالثا الحالة الألمانية: من الوفرة إلى العجز العسكري

تعترف القيادة الألمانية الحالية صراحة بحجم الأزمة. فقد صرح وزير الدفاع بوريس بيستوريوس بأن ألمانيا “ليس لديها جيش قادر على الدفاع عن البلاد ضد هجوم عسكري أو حرب عدوانية وحشية”. وشدد بيستوريوس على أن بلاده “يجب أن تكون جاهزة للحرب بحلول عام 2029” .

وفي مارس 2025، قدمت إيفا هوغل، المفوضة البرلمانية للقوات المسلحة، تقريرها السنوي عن حالة البوندسفير، الذي كشف عن “نقص خطير في الأفراد والمعدات والذخيرة” .

وأفاد التقرير بأن الجيش الألماني يعاني من “القليل جدا من كل شيء” رغم زيادة الإنفاق الدفاعي .

وبحلول نهاية عام 2024، بلغ عدد أفراد القوات المسلحة 180,000 جندي فقط، وهو أقل بعدة آلاف من عددهم في عام 2023 .

وأقر التقرير بأن البنية التحتية للبوندسفير في حالة “تدهور خطير”، مشيرا إلى أن تحديثها يحتاج إلى حوالي 67 مليار يورو .

رابعا البنية التحتية المتهالكة

لا تقتصر المشكلة على نقص الأفراد والمعدات، بل تمتد إلى البنية التحتية نفسها. فالثكنات ومراكز التدريب التي أُغلقت أو أُهملت لسنوات لم تعد صالحة للحروب الحديثة. وتشير التقارير إلى أن ألمانيا تواجه “قصورا كبيرا في البنية التحتية، ومساحات محدودة للثكنات، ونقصا في مدربي التدريب” .

وأعلنت وزارة الدفاع الألمانية أنها حددت ثمانية منشآت عسكرية سابقة يمكن إعادة تشغيلها قريبا، في محاولة لسد هذه الفجوة.

لكن إعادة تأهيل هذه المنشآت تتطلب سنوات، فالعديد منها لا يزال يعتمد على تقنيات اتصالات قديمة لا تتوافق مع متطلبات الحرب الحديثة التي تعتمد على الألياف الضوئية والاتصالات الرقمية المتقدمة.

خامسا الصناعة الدفاعية وأزمة الإنتاج

تمثل الصناعة الدفاعية الألمانية مفارقة لافتة. فألمانيا واحدة من أكبر مصدري السلاح في العالم، لكنها تواجه اختناقات إنتاجية حادة عندما تحتاج لتسليح جيشها الخاص. ويشير تقرير لمعهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب الأمريكية إلى أن “تخفيضات الإنفاق بعد الحرب الباردة قللت بشكل متوقع من قدرة الإنتاج الصناعي الدفاعي الألماني”.

وتكافح الصناعات الدفاعية الألمانية الآن “لتوسيع الإنتاج بسرعة، مما يكشف عن فجوات في القدرات” رغم زيادة الطلب والتمويل .

وتؤكد شركة آرثر دي ليتل للاستشارات أن “أنظمة التصنيع غير مصممة للتوسع السريع” .

وعلى سبيل المثال، ارتفع إنتاج القذائف المدفعية من 70,000 قذيفة سنويا قبل سنوات قليلة إلى حوالي 1.1 مليون قذيفة سنويا اليوم . لكن هذه الزيادة الضخمة لا تزال غير كافية لمواكبة متطلبات الحرب الحديثة وتلبية احتياجات الجيش الألماني وحلفائه في آن واحد. وقد أنهت شركة راينميتال بناء مصنع ذخيرة جديد في Unterluess في 15 شهرا فقط، لكن هذا الاستثمار الضخم لن يصل إلى طاقته الكاملة قبل عام 2027 .

سادسا التبعية للحلفاء وصادرات التراخيص

تعتمد الصناعة الدفاعية الألمانية على نموذج تجاري يقوم على تصميم الأسلحة وتصنيع كميات محدودة محليا، ثم بيع تراخيص الإنتاج للحلفاء والدول الأخرى. لكن هذا النموذج كشف عن عيب استراتيجي فادح عندما احتاجت ألمانيا إلى مخزون كاف من الأسلحة لحماية نفسها.

وتشير البيانات إلى أن حوالي 25% من صادرات الأسلحة الألمانية ذهبت إلى أوكرانيا كمساعدات عسكرية، بينما 17% فقط بقيت داخل أوروبا  .

وهذا يعني أن الحلفاء الذين اشتروا تراخيص الإنتاج أصبحوا هم أنفسهم في حاجة ماسة لهذه الأسلحة، ولا يستطيعون تلبية احتياجات ألمانيا في لحظة الأزمة.

سابعا التكلفة الاجتماعية والسياسية

لتمويل إعادة التسلح دون المساس بصناديق الاحتياطيات الطارئة، اضطرت الحكومة الألمانية إلى اتخاذ قرارات صعبة. فقد وافقت الحكومة على حزمة شاملة لخفض الإنفاق الاجتماعي بقيمة 38.3 مليار يورو بحلول عام 2030، شملت تقليص الخدمات الصحية والاجتماعية .

وفي خطوة أكثر جذرية، ألغت الحكومة دعم الدخل الأساسي للمواطنين (Bürgergeld) في وقت ارتفعت فيه ميزانية الدفاع إلى 82.7 مليار يورو .

وأدى ارتفاع تكاليف المعيشة وتقليص الخدمات المجانية إلى ارتفاع شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، الذي تصدر استطلاعات الرأي بنسبة 26% في بعض الاستطلاعات الأخيرة .

ثامنا الحالة الدنماركية

قدمت الدنمارك مثالا أكثر تطرفا على إشكالية التخلي عن البنية التحتية العسكرية. فقاعدة كريستيانيا العسكرية الرئيسية، التي كانت تحمي العاصمة كوبنهاغن، أغلقتها وزارة الدفاع الدنماركية للأبد في أوائل السبعينيات .

وفي عام 1971، استولى مجموعة من الهيبيين والفنانين على القاعدة العسكرية المهجورة التي تبلغ مساحتها 84 فدانا، وأعلنوها “مدينة حرة” مستقلة .

واليوم، بعد أكثر من عقد من التخفيضات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي، خصصت الحكومة الدنماركية حوالي 25.5 مليار يورو لجيشها في عام 2024 .

وكانت الدنمارك قد أنفقت 1.3% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع في السنوات السابقة، لترتفع النسبة إلى 1.65% في عام 2023 .

واستجابة للأزمة، بدأت الدنمارك برنامج تجنيد موسع لمدة 11 شهرا، بدأ فيه 1,600 مجند تدريباتهم .

كما قررت أن تطلب من النساء فوق سن الثامنة عشرة التسجيل لأيام التقييم للتجنيد الإجباري بعد الأول من يوليو 2025، لتصبح من الدول القليلة التي تفرض التجنيد على النساء والرجال معا .

لكن لو أرادت الدنمارك إعادة استخدام قاعدة كريستيانيا للدفاع عن العاصمة اليوم، فستواجه معضلة قانونية واجتماعية معقدة، إذ حصلت المنطقة على وضع قانوني مستقل بعد منازعات قضائية طويلة مع الحكومة، وأصبحت مجتمعا قائما بذاته.

تاسعا الخلاصة والدروس المستفادة

تؤكد التجربة الألمانية والدنماركية عدة حقائق استراتيجية:

أولا: أن التسلح ليس ترفا يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية لا تحتمل الحسابات السياسية قصيرة المدى. فالعقد الذي استغرقته ألمانيا لبناء اقتصاد قوي هو نفسه العقد الذي فقدت فيه جاهزيتها العسكرية.

ثانيا: أن البنية التحتية العسكرية لا يمكن بناؤها بين عشية وضحاها. فالثكنات ومراكز التدريب والمصانع وسلاسل التوريد تحتاج إلى سنوات من الاستثمار المستمر لتصبح جاهزة.

ثالثا: أن الاعتماد على الحلفاء في لحظات الأزمات استراتيجية محفوفة بالمخاطر. فكل حليف سيكون مشغولا بتأمين نفسه أولا قبل مساعدة الآخرين.

رابعا: أن الصناعة الدفاعية تحتاج إلى طاقة إنتاجية فائضة وقت السلم لتكون قادرة على تلبية المتطلبات وقت الحرب. فلا يمكن مضاعفة الإنتاج الصناعي العسكري بضغطة زر.

خامسا: أن التكلفة السياسية لإعادة التسلح تكون باهظة عندما تُترك حتى لحظة الأزمة. فالحكومات التي تؤخر هذه القرارات تجد نفسها مضطرة للتضحية بالرفاهية الاجتماعية لتمويل الأمن الوطني، مما يغذي الشعبوية والتطرف.

اترك تعليقا