أزمة سد النهضة.. مصر تضع خطوطها الحمراء لحماية الأمن المائي
مصر تشترط سقفاً زمنياً لأي مفاوضات جديدة وتحذر من مخاطر التشغيل الأحادي
- محمود الشاذلي
- 21 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة سد النهضة, القاهرة «دولة سلام قوية», الموقف المصري, حماية الأمن المائي, مصر, ملف مياه النيل
رفعت القاهرة من وضوح رسائلها بشأن أزمة سد النهضة، مؤكدة احتفاظها بجميع الإجراءات التي يتيحها القانون الدولي لحماية أمنها المائي، بالتزامن مع طرح شروط محددة لأي عودة محتملة إلى مسار التفاوض مع إثيوبيا.
وقال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن «كافة الخيارات المشروعة» تظل متاحة أمام الدولة المصرية، مؤكداً أن القاهرة تعتبر مياه النيل قضية مرتبطة بأمنها المائي ومصالحها الأساسية، وأن اكتمال بناء سد النهضة لا يعني، من وجهة النظر المصرية، قبول النهج الذي اتبعته إثيوبيا في إنشائه وملئه وتشغيله.
وجاءت تصريحات سويلم خلال جلسة إحاطة موسعة نظمتها الهيئة العامة للاستعلامات، في 20 سبتمبر، بمشاركة أكثر من 80 مراسلاً يمثلون نحو 45 وسيلة إعلامية أجنبية، وخصص جانب كبير منها لعرض الموقف المصري من ملف مياه النيل وسد النهضة.
رسائل أكثر وضوحاً
أكد سويلم أن مصر تتمسك بالوسائل التي يكفلها القانون الدولي، قائلاً إن القاهرة «دولة سلام قوية»، لكنها في الوقت نفسه لن تتجاهل ما تعتبره حقوقاً ومصالح وجودية مرتبطة بنهر النيل.
ووصف الوزير طريقة إنشاء السد وملئه وتشغيله بأنها تمت بصورة أحادية، مشدداً على أن مرور الوقت أو اكتمال المشروع لا يغير الموقف القانوني والسياسي الذي تتبناه القاهرة تجاه تلك الإجراءات.
وتعكس هذه التصريحات تحولاً في الخطاب المصري نحو التركيز ليس فقط على الاعتراض على غياب الاتفاق، وإنما أيضاً على التداعيات المحتملة لطريقة إدارة السد مستقبلاً، خاصة في فترات الجفاف أو التغيرات الحادة في تدفقات المياه.
شروط للعودة إلى التفاوض
وفي موازاة التشديد على الحقوق المائية، أبقت القاهرة الباب مفتوحاً أمام العودة إلى المفاوضات، ولكن وفق شروط جديدة.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام مصرية وعربية، ترى القاهرة أن أي جولة جديدة ينبغي ألا تتحول إلى عملية تفاوضية مفتوحة بلا نهاية، وتطالب بتحديد إطار زمني واضح للمحادثات، بعد توقف المسار التفاوضي الأخير في 2024 دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
كما تتمسك مصر، وفق موقفها المعلن، بالتوصل إلى قواعد ملزمة تتعلق بإدارة السد، خصوصاً خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، باعتبارها النقطة الأكثر حساسية بالنسبة لدولة تعتمد بدرجة كبيرة على مياه النيل.
مخاوف من التشغيل الأحادي
وحذر سويلم من أن تشغيل السد من دون تنسيق بين الدول المعنية يمكن، بحسب التقييم المصري، أن يؤدي إلى تغيرات مفاجئة في كميات المياه المتدفقة نحو دولتي المصب.
واستخدم الوزير مصطلحي «الفيضان الصناعي» و«الجفاف الصناعي» للإشارة إلى مخاطر الزيادات أو الانخفاضات المفاجئة في التصرفات المائية، قائلاً إن مثل هذه التغيرات يمكن أن تؤثر في إدارة السدود والمنشآت المائية في مصر والسودان.
ويركز الموقف المصري في هذه المرحلة على أن الخلاف لم يعد متعلقاً ببناء السد في حد ذاته أو باستخدامه لإنتاج الكهرباء، وإنما بالقواعد التي تحكم التخزين والتصريف وتبادل المعلومات والتعامل مع سنوات الجفاف.
القاهرة: لسنا ضد التنمية
وفي محاولة للرد على الطرح القائل إن مصر تعارض مشروعات التنمية في دول المنبع، شدد سويلم على أن القاهرة لا ترفض إقامة السدود من حيث المبدأ، وإنما تربط موقفها بطريقة إعداد المشروعات والتشاور بشأن آثارها العابرة للحدود.
وأشار إلى موافقة مصر على مشروع سد في جنوب السودان، مستشهداً به كنموذج لمشروع جرى بحث آثاره والتشاور بشأنه، في مقابل اعتراض القاهرة على ما تعتبره نهجاً أحادياً في حالة سد النهضة.
كما أكد أن مصر تدعم مشروعات تنموية في دول حوض النيل عندما تتم في إطار من التعاون والتنسيق، وأن اعتراضها يتركز على الإجراءات التي ترى أنها قد تمس تدفقات المياه إلى دول المصب دون اتفاق مسبق.
أرقام في قلب الخلاف
وخلال الإحاطة، قدم الوزير مجموعة من الأرقام للدفاع عن الموقف المصري في مواجهة الانتقادات المتعلقة بحصة القاهرة من مياه النيل.
وقال إن حصة مصر السنوية البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل نسبة محدودة عند مقارنتها بإجمالي كميات الأمطار التي تسقط على حوض النيل، مشيراً إلى أن طبيعة مصر شديدة الجفاف تجعل اعتمادها على النهر مختلفاً عن دول حوض النيل التي تمتلك مصادر أوسع من الأمطار والمياه. وتبقى هذه المقارنة جزءاً من الحجة التي تقدمها القاهرة في النزاع حول توزيع الموارد المائية.
رؤية إثيوبية مختلفة
في المقابل، تقدم إثيوبيا سد النهضة باعتباره مشروعاً تنموياً بالأساس يهدف إلى توليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي.
وتشير البيانات الإثيوبية الحديثة إلى أن السد بات يلعب دوراً متزايداً في إنتاج الكهرباء وصادرات الطاقة إلى دول الجوار، بينما ترى أديس أبابا أن الاستفادة من مياه النيل يجب أن تستند إلى مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول بين دول الحوض.
ويظل هذا الاختلاف جوهر الأزمة الممتدة منذ سنوات: مصر تطالب بقواعد ملزمة تحد من مخاطر التشغيل الأحادي وتحمي تدفقات المياه في الظروف الحرجة، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية والطاقة.
أزمة مفتوحة
وبين التشديد المصري على «كافة الخيارات المشروعة» وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً بشروط، يبدو أن ملف سد النهضة يدخل مرحلة جديدة تركز بدرجة أكبر على قواعد التشغيل طويل الأجل بعد اكتمال المشروع.
ويشير الخطاب المصري الأخير إلى أن القاهرة لا تعتبر انتهاء أعمال بناء السد نهاية للنزاع، بل ترى أن القضية الرئيسية أصبحت كيفية إدارته وتأثير قرارات التشغيل على دول المصب، وهو ما يجعل التوصل إلى صيغة للتنسيق وتبادل البيانات وإدارة فترات الجفاف محور أي تحرك دبلوماسي محتمل خلال المرحلة المقبلة.