آسيا الوسطى توسع شراكاتها بعيداً عن روسيا
تحرك اقتصادي ودبلوماسي متسارع
- dr-naga
- 22 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- آسيا الوسطى, أوزبكستان, تركمانستان, روسيا, طاجيكستان, قرغيزستان, كازاخستان, كوريا الجنوبية
تشهد آسيا الوسطى تحركاً اقتصادياً ودبلوماسياً متسارعاً لإعادة توزيع علاقاتها الخارجية، في وقت تحاول فيه دول المنطقة تقليل اعتمادها على مركز واحد للقوة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو. وكان أحدث مؤشر على ذلك اجتماع وزراء الصناعة لدول آسيا الوسطى وكوريا الجنوبية في سيول، الذي انتهى في 14 سبتمبر بإقرار إطار للتعاون الصناعي وسلاسل الإمداد.
ويضم الإطار أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان إلى جانب كوريا الجنوبية، وتركز المباحثات على التصنيع وسلاسل التوريد والاستثمار. وتأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه رغبة دول المنطقة في جذب الاستثمارات الآسيوية وتنويع الأسواق التي تصدر إليها منتجاتها، بدلاً من الاعتماد التاريخي على روسيا وشبكات النقل والأسواق المرتبطة بها.
وتبدو أوزبكستان من أكثر الدول نشاطاً في هذا الاتجاه. فقد أفادت مصادر اقتصادية في المنطقة بأن أكثر من 700 شركة ذات رأس مال كوري جنوبي تعمل في البلاد، بينما شهد التعاون الصناعي بين البلدين توسعاً في قطاعات السيارات والطاقة والتكنولوجيا والتصنيع. كما تشير البيانات المنشورة في سبتمبر إلى أن أوزبكستان تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع صادراتها الزراعية إلى أسواق جديدة، بما فيها السوق الأميركية.
لكن التحول لا يعني القطيعة مع روسيا. فالمشهد أكثر تعقيداً؛ إذ لا تزال موسكو شريكاً أساسياً في الطاقة والتجارة والهجرة والعمل والنقل، بينما تعتمد ملايين الأسر في آسيا الوسطى بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تحويلات العمال الموجودين في روسيا. ولهذا فإن ما يجري أقرب إلى تنويع الخيارات منه إلى استبدال روسيا بشريك آخر.
وتظهر كازاخستان بصورة واضحة في هذه المعادلة. فقد أشارت تقارير إقليمية في سبتمبر إلى ضغوط تواجه قطاع النفط الكازاخي نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة ومسارات التصدير، بالتزامن مع بحث أستانا عن خيارات إضافية للأسواق والنقل. كما أثارت الخلافات التجارية الأخيرة مع روسيا توتراً داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الأمر الذي دفع كازاخستان إلى البحث عن هامش أكبر للمناورة الاقتصادية.
أما البعد السياسي فيظهر في تعزيز التعاون بين دول المنطقة وتركيا وأذربيجان. ففي 17 سبتمبر استقبل الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مسؤولين أمنيين من تركيا وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان والأمانة العامة لمنظمة الدول التركية، في اجتماع تناول التعاون بين الأجهزة والمؤسسات الأمنية للدول الأعضاء. وهذا يعكس اتساع التعاون التركي الأذربيجاني مع جمهوريات آسيا الوسطى في مجالات تتجاوز التجارة والثقافة إلى الأمن والنقل والطاقة.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن المنطقة تقع بين روسيا والصين وإيران وتركيا، وتمثل جسراً بين شرق آسيا وأوروبا. لذلك فإن تطوير الممرات البرية والسككية، وتوسيع التجارة مع كوريا والصين وتركيا، يمكن أن يمنح دول آسيا الوسطى قدرة أكبر على التفاوض مع القوى الكبرى.
لكن الخبير في شؤون آسيا الوسطى برونو سيرجي، الذي كتب مع عليمنازار إسلامكولوف عن التحولات الاقتصادية في أوزبكستان، يشير إلى أن رأس المال البشري أصبح أحد عناصر التنافس الرئيسية للمنطقة، وليس مجرد جذب الاستثمارات الأجنبية. كما تطرح التطورات الأخيرة سؤالاً أكبر: هل تستطيع دول آسيا الوسطى بناء اقتصادات قادرة على إنتاج وظائف ذات قيمة داخل بلدانها، أم ستظل تعتمد على تصدير العمالة إلى روسيا؟
وتوجد مفارقة أخرى داخل هذه التحولات. فبينما تعمل الحكومات على جذب التكنولوجيا والاستثمارات الآسيوية، لا تزال الحريات الدينية والاجتماعية محل قيود في عدد من دول المنطقة. وقد عادت قضية الحجاب إلى الواجهة مع بداية العام الدراسي الحالي؛ إذ وثقت إذاعة أوروبا الحرة في 16 سبتمبر استمرار منع الحجاب في المدارس والمكاتب الحكومية في طاجيكستان وكازاخستان وأوزبكستان، مع تشدد متفاوت في تطبيق القيود.
ويرى الباحث الإيطالي دافيدي كانكاريني أن قضية الحجاب تكشف صراعاً أوسع حول المساحة التي تسمح بها الحكومات العلمانية للتعبير الديني المستقل، بينما يقول الباحث أحمد فرقان أوزياكار من جامعة أتاتورك التركية إن حساسية الحجاب ترتبط بظهور الهوية الدينية داخل مؤسسات تعرّف نفسها باعتبارها علمانية. وتوضح هذه الآراء أن العلاقة بين الدولة والدين لا تزال قضية داخلية مهمة بالتوازي مع الانفتاح الاقتصادي الخارجي.
وهكذا تبدو آسيا الوسطى أمام مسارين متوازيين: تنويع اقتصادي ودبلوماسي سريع، مع استمرار أنظمة سياسية واجتماعية شديدة الحذر من أي نفوذ ديني مستقل. وإذا نجحت دول المنطقة في تحويل الاستثمارات الجديدة إلى صناعة ووظائف وتكنولوجيا ونقل، فقد يصبح تنويع الشركاء عاملاً في زيادة استقلال قرارها الاقتصادي. أما إذا بقيت اقتصاداتها مرتبطة بتصدير المواد الخام والعمالة، فإن تعدد الشركاء لن يعني بالضرورة استقلالاً اقتصادياً حقيقياً.
المصادر: وزارة الاستثمار والصناعة والتجارة في أوزبكستان، 14 سبتمبر 2026؛ إذاعة أوروبا الحرة، 16 سبتمبر 2026؛ مؤسسة أوراسيا نت، 21 سبتمبر 2026؛ رئاسة جمهورية أذربيجان، 17 سبتمبر 2026.