الهند تتحول إلى مصنع للسلاح الإسرائيلي
وسط حرب غزة
- السيد التيجاني
- 8 نوفمبر، 2026
- تقارير وترجمات, فلسطين
- إسرائيل, الهند, تصنيع السلاح, غزة, نيودلهي
لم تعد العلاقة العسكرية بين الهند وإسرائيل مجرد صفقات لشراء الأسلحة أو تبادل الخبرات الدفاعية، بل تطورت إلى شبكة صناعية وعسكرية متكاملة، تشارك فيها شركات هندية وإسرائيلية في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر ومكونات الأسلحة، قبل أن تعود بعض هذه المنتجات إلى إسرائيل لاستخدامها في عملياتها العسكرية، بما فيها الحرب على قطاع غزة.
وتكشف هذه الشراكة تحولا استراتيجيا في سياسة نيودلهي، التي انتقلت من التضامن التاريخي مع القضية الفلسطينية إلى بناء تحالف عسكري وثيق مع تل أبيب، مستفيدة من التكنولوجيا الإسرائيلية، فيما أصبحت مصانعها جزءا من سلاسل الإمداد الدفاعية الإسرائيلية.
وتثير هذه العلاقة تساؤلات تتجاوز المصالح الاقتصادية والعسكرية، لتصل إلى المسؤولية القانونية والأخلاقية عن توريد مكونات الأسلحة إلى دولة تواجه اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين.
من التضامن مع فلسطين إلى التحالف مع إسرائيل
تعود جذور التحول إلى عقود مضت. فقد عارضت الهند تقسيم فلسطين عام 1947، واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين بعد إعلانها عام 1988.
ورغم اعتراف نيودلهي بإسرائيل عام 1950، ظلت العلاقات الدبلوماسية محدودة حتى يناير/كانون الثاني 1992، عندما قررت الحكومة الهندية إقامة علاقات كاملة مع تل أبيب، في ظل التحولات الدولية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
لكن التحول الأكبر جاء مع وصول ناريندرا مودي إلى رئاسة الحكومة عام 2014، وتزامن ذلك مع صعود اليمين القومي الهندوسي، وتقارب سياسي وأيديولوجي متزايد مع حكومة بنيامين نتنياهو.
وفي فبراير/شباط 2026، عكست زيارة مودي الثانية لإسرائيل مستوى غير مسبوق من التقارب، إذ أعلن دعمه لتل أبيب، ووقّع الجانبان 16 اتفاقية للتعاون الدفاعي والتكنولوجي.
ولم تعد فلسطين حاضرة في حسابات العلاقات الهندية الإسرائيلية بالقدر الذي كانت عليه سابقا، رغم استمرار المواقف الشعبية الهندية المتضامنة مع الفلسطينيين.
من مستورد للسلاح إلى شريك في التصنيع
مثّلت حرب كارجيل عام 1999 نقطة تحول حاسمة في التعاون العسكري. فحين واجهت القوات الهندية صعوبات في استهداف المواقع الباكستانية المرتفعة، سارعت إسرائيل إلى تقديم الدعم الفني والتكنولوجي، وساعدت شركة رافائيل في تجهيز مقاتلات ميراج 2000 بحواضن استهداف ليزرية، مكّنت الطيارين الهنود من تنفيذ ضربات أكثر دقة.
ومنذ ذلك الوقت، توسعت صفقات التسليح لتشمل منظومات الدفاع الصاروخي باراك، وطائرات الإنذار المبكر فالكون، والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والرادارات.
لكن التطور الأخطر تمثل في الانتقال من شراء المنتجات الإسرائيلية إلى تصنيعها داخل الهند من خلال شركات مشتركة.
ومن أبرز هذه المشروعات التعاون بين مجموعة كالياني الهندية وشركة رافائيل، الذي أسفر عن إنشاء منشآت لإنتاج مكونات الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
كما أقامت مجموعة أداني شراكة مع شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية لإنتاج الطائرات المسيّرة، ومنها هيرميس 900، التي دخلت الخدمة القتالية الإسرائيلية واستخدمت في العمليات العسكرية بقطاع غزة.
وتكشف هذه المشروعات أن الهند لم تعد مجرد سوق لتصريف التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وإنما أصبحت قاعدة إنتاج وتوريد تتيح لإسرائيل توسيع قدراتها الصناعية، مع الاستفادة من العمالة والتكاليف والقدرات التصنيعية الهندية.
غزة تكشف الوجه الآخر للشراكة
برزت خطورة هذه العلاقة بصورة أكبر بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ففي يونيو/حزيران 2024، كشفت وثائق شحن عن تحرك سفينة «بوركوم» من ميناء تشيناي الهندي، محملة بكميات من محركات الصواريخ والمواد المتفجرة والذخائر، وكانت وجهتها المعلنة في وثائق الشحن ميناء أسدود الإسرائيلي.
كما أبحرت سفينة «ماريان دانيكا» من الهند محملة بنحو 27 طنا من المواد المتفجرة باتجاه ميناء حيفا، قبل أن ترفض إسبانيا السماح لها بالرسو.
وأثارت هذه الوقائع تساؤلات حول استمرار الإمدادات العسكرية الهندية لإسرائيل، في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات عسكرية واسعة في القطاع.
وفي يوليو/تموز 2026، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقا بعنوان «صُنع في الهند: توريد الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل»، كشف عن تحليل 2596 شحنة من الأسلحة والذخائر والأجزاء والمكونات العسكرية التي أُرسلت من الهند إلى إسرائيل بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ووفق التحقيق، شملت الشحنات أكثر من 390 ألف قطعة مرتبطة بالأسلحة الصغيرة، ونحو 565 ألف مكون للذخائر المتفجرة، إلى جانب مكونات للمركبات العسكرية.
ورصد التحقيق أيضا رؤوسا حربية وقطع غيار مرتبطة بإنتاج ذخائر ومسيّرات تستخدمها شركات إسرائيلية تزود الجيش الإسرائيلي.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا تتحدث فقط عن شحنات أسلحة مكتملة، بل عن مشاركة هندية في تصنيع أجزاء تدخل في منظومة الإنتاج العسكري الإسرائيلي.
خبراء يحذرون من تداعيات التعاون العسكري
يرى زين حسين، الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن غياب المعلومات القابلة للتحقق يجعل تحديد طبيعة بعض عمليات نقل الأسلحة أمرا صعبا، لكنه أشار إلى أن التعاون العسكري بين الهند وإسرائيل ممتد منذ سنوات، وأن احتمال وجود مكونات هندية في الأسلحة الإسرائيلية المستخدمة في غزة ليس مستبعدا.
أما أغنيس كالامارد، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، فاعتبرت أن استمرار نقل الأسلحة والمكونات العسكرية من الهند إلى إسرائيل، رغم المخاطر المعروفة المرتبطة باستخدامها في الانتهاكات ضد الفلسطينيين، يثير مسؤولية قانونية خطيرة.
ودعت كالامارد الحكومة الهندية إلى وقف تصدير الأسلحة والذخائر والأجزاء العسكرية إلى إسرائيل، مؤكدة ضرورة التزام الشركات العاملة في هذا المجال بمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وفي سياق آخر، قدم تريفور بول، الباحث المتخصص في الذخائر والخبير السابق في وحدة التخلص من المتفجرات بالجيش الأمريكي، تحليلا مهما يتعلق بالمسيّرات الإسرائيلية المستخدمة في غزة.
فبعد استهداف خيام عائلة أبو الروس في خان يونس في أبريل/نيسان 2025، خلص بول، عقب فحص الصور والمقاطع المتاحة لبقايا الذخيرة، إلى أنها تعود إلى مسيّرة «سكاي سترايكر» التي تنتجها شركة إلبيت الإسرائيلية.
وفي المقابل، يطرح راهول وانكيدي، الباحث في معهد مانيهار باركار للدراسات والتحليلات الدفاعية الهندي، قراءة أكثر تحفظا بشأن تحميل الهند المسؤولية القانونية المباشرة عن العمليات الإسرائيلية. ويرى أن وجود مكونات هندية ضمن سلاسل الإمداد العسكرية لا يكفي وحده لإثبات مصدر كل سلاح أو وجهة استخدامه النهائية، محذرا من الخلط بين الأدلة المتعلقة بالتوريد والاستنتاجات المتعلقة بالمسؤولية القانونية.
وتعكس هذه المواقف اختلافا في تقييم العلاقة، لكنها تتفق على أهمية الشفافية في تجارة السلاح، وضرورة معرفة الجهة النهائية التي تصل إليها المنتجات العسكرية.
مصالح استراتيجية تتجاوز غزة
لا يمكن تفسير الشراكة الهندية الإسرائيلية باعتبارها مجرد دعم لحرب غزة، فهي ترتبط بحسابات استراتيجية أوسع.
فالهند تسعى إلى تطوير صناعتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الاستيراد، كما تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مصدرا متقدما للتكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية وأنظمة المراقبة والدفاع الصاروخي.
وفي المقابل، تحصل إسرائيل على قاعدة صناعية ضخمة تساعدها في تنويع مصادر إنتاجها وتوسيع أسواقها، خصوصا مع تصاعد الضغوط الدولية على صادراتها العسكرية.
ويشير تشيتراڤو أوداي بهاسكار، الضابط الهندي المتقاعد والباحث الاستراتيجي ومدير جمعية الدراسات السياسية، إلى أن التعاون الدفاعي والأمني أصبح المحرك الأساسي للعلاقات بين البلدين، وأنه تطور على مدى عقود إلى شراكة استراتيجية راسخة.
كما يرى نيكولا بلاريل، أستاذ العلاقات الدولية، أن استعداد إسرائيل لتسليح الهند خلال حرب كارجيل، في وقت ترددت فيه حكومات غربية في تقديم الدعم، أسهم في تحويل العلاقة إلى شراكة طويلة الأمد.
وهذا يعني أن وقف التعاون العسكري لن يكون قرارا سهلا بالنسبة إلى نيودلهي، خصوصا أن العلاقات أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية وصناعية وأمنية متشابكة.
ما السيناريوهات المقبلة؟
هناك ثلاثة مسارات محتملة لهذه الشراكة:
الأول: استمرار التعاون وتوسيعه. وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في ظل التقارب السياسي بين مودي ونتنياهو، والمصالح المشتركة في التصنيع والتكنولوجيا الدفاعية.
الثاني: استمرار التعاون مع تشديد الرقابة. وقد تلجأ الهند إلى مراجعة بعض صادراتها العسكرية لتجنب الانتقادات الدولية، دون المساس بالعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل.
الثالث: تصاعد الضغوط الدولية. إذ يمكن أن تؤدي التحقيقات الحقوقية والدعاوى القانونية والضغوط الشعبية إلى مطالبة نيودلهي بوقف توريد المكونات التي يمكن استخدامها في العمليات العسكرية ضد المدنيين.
ويتطلب التعامل مع هذه الأزمة فرض رقابة مستقلة على صادرات السلاح، ونشر بيانات واضحة عن الشركات والشحنات والجهات المستفيدة، وإجراء تحقيقات بشأن المكونات التي يثبت وصولها إلى الأسلحة المستخدمة في انتهاكات القانون الدولي.
القضية الهندية الإسرائيلية تكشف أن تجارة السلاح لم تعد مجرد صفقات بين حكومات، بل أصبحت منظومة اقتصادية وصناعية عابرة للحدود، تتوزع فيها مسؤولية الإنتاج والتوريد والتشغيل بين شركات متعددة.
والأخطر أن يتحول التصنيع المشترك إلى وسيلة لتجاوز القيود السياسية والأخلاقية المفروضة على تجارة السلاح، بحيث تستطيع إسرائيل الحصول على مكونات عسكرية من مصانع خارج أراضيها، ثم استخدامها في عملياتها دون أن تتحمل الدول المنتجة مسؤولياتها كاملة.
إن الهند، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها دولة داعمة لحركات التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تواجه اليوم اختبارا حقيقيا لمصداقية هذا الإرث.
فلا يمكن الفصل بين المصالح الاقتصادية والمسؤولية الإنسانية عندما يتعلق الأمر بإنتاج الأسلحة التي قد تصل إلى ساحات القتال وتستخدم ضد المدنيين.
والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه نيودلهي ليس فقط ماذا تكسب من شراكتها مع إسرائيل، وإنما أيضا ما الثمن السياسي والقانوني والأخلاقي الذي يمكن أن تدفعه مقابل استمرارها.