غسل الأموال والفساد المالي يهددان عدالة الاقتصاد العالمي

خطر يهدد الأسواق المشروعة

تتزايد المخاوف الدولية من تحول غسل الأموال والاحتيال المالي إلى منظومة اقتصادية موازية، لا تقتصر أضرارها على سرقة الأموال، بل تمتد إلى إضعاف المؤسسات، وتشويه المنافسة، وتمكين شبكات الجريمة من التأثير في الأنشطة الاقتصادية المشروعة.
وفي تطور مهم، اختتمت مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) اجتماعها العام في باريس يوم 30 أكتوبر الماضي، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 200 ولاية قضائية وجهة مراقبة، واتفق المشاركون على تسريع مواجهة الجرائم المالية، خصوصاً الاحتيال واسع النطاق، واستغلال الأصول الافتراضية في غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
شبكات مالية تتجاوز الحدود
أقرت المجموعة تقريراً جديداً يجعل مواجهة شبكات الاحتيال ومجمعات النصب أولوية دولية، مع التركيز على تتبع الأموال الناتجة عن عمليات الاحتيال وتفكيك الشبكات التي تديرها.
ومن أبرز المخاطر التي ناقشها الاجتماع استخدام العملات والأصول الافتراضية في إخفاء مصادر الأموال، والتهرب من الرقابة، ونقل العائدات الإجرامية بين الدول.
وكان رئيس المجموعة، جايلز تومسون، قد حذر من ضرورة تسريع الاستجابة الدولية لهذه المخاطر، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص.
الحوالة المالية بين الاستخدام المشروع والاستغلال الإجرامي
وفي تقرير نشرته المجموعة في 3 سبتمبر 2026، كشفت نتائج دراسة شملت أكثر من 50 دولة عن اتساع استخدام شبكات الحوالة المصرفية غير الرسمية في عمليات غسل الأموال.
وذكر التقرير أن أكثر من 80% من الدول المشاركة حددت هذه الشبكات ضمن القنوات الرئيسية التي يستخدمها محترفو غسل الأموال.
لكن التقرير لم يعتبر الحوالة في ذاتها نشاطاً إجرامياً؛ فهي وسيلة مشروعة لتحويل الأموال في مجتمعات كثيرة، وإنما تكمن المشكلة في استغلالها من شبكات غير مرخصة لإخفاء مصادر الأموال أو نقل عائدات الجريمة.
المنظور الإسلامي: المال أمانة وليس وسيلة للنفوذ
تضع هذه التطورات قضية النزاهة المالية في قلب التصور الإسلامي للاقتصاد؛ فالمال ليس مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح، وإنما أمانة ترتبط بها حقوق الأفراد والمجتمعات.
ويقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).
وتتجاوز دلالة الآية مسألة الرشوة المباشرة إلى التحذير من توظيف المال والنفوذ للوصول إلى حقوق الآخرين بغير حق.
ومن هنا، فإن مكافحة الفساد لا تتحقق بمجرد ملاحقة الموظف الذي يتلقى رشوة، بل تتطلب أيضاً التحقيق في مصادر الثروات غير المبررة، ومصالح المسؤولين، والعقود الحكومية، والجهات التي تستفيد من القرارات العامة.
كما أن حماية المال العام تقتضي عدم التمييز في المساءلة بين أصحاب النفوذ وصغار الموظفين، وعدم استخدام أجهزة الرقابة لتصفية الحسابات أو حماية أطراف بعينها.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟
تكشف التطورات الدولية عن ضرورة الانتقال من ملاحقة الأموال بعد اختفائها إلى منع نشوء منظومات الفساد من الأساس، وذلك من خلال:
•الكشف عن المالك الحقيقي للشركات المستفيدة من العقود العامة.
•مراقبة تضارب المصالح بين المسؤولين ورجال الأعمال.
•حماية المبلغين عن الفساد من الانتقام.
•استرداد الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحاب الحقوق.
•منع توظيف المؤسسات المالية في غسل عائدات الجريمة.
•عدم تحميل المواطنين العاديين أعباء الرقابة المالية والتشدد المصرفي الذي لا يستهدف مصادر الفساد الحقيقية.
الخلاصة: لا يمكن بناء اقتصاد عادل مع استمرار قدرة أصحاب النفوذ على تحويل المال غير المشروع إلى ثروة قانونية أو امتياز سياسي. والعدالة المالية التي يدعو إليها التصور الإسلامي تبدأ بحماية حقوق الناس، ومحاسبة المعتدي، ومنع استغلال السلطة، وتحقيق تكافؤ الفرص.
المصادر والتواريخ:
1.مجموعة العمل المالي الدولية FATF .
2.مجموعة العمل المالي الدولية .

اترك تعليقا