أطفال سوريا بلا هوية رسمية ويواجهون مستقبلاً مجهولاً

قانون الجنسية في قلب المشكلة مع غياب الأرقام والبيانات

حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، الخميس 5 نوفمبر 2026، من اتساع مشكلة الأطفال السوريين الذين لا يمتلكون وثائق هوية قانونية، ولا سيما المولودين خلال سنوات الحرب منذ عام 2011، معتبرة أن هذه المشكلة أصبحت من أخطر الآثار الاجتماعية والقانونية الممتدة للنزاع.
وقالت منية عمار، عضوة اللجنة، خلال جلسة نقاش في جنيف عُقدت الأربعاء 4 نوفمبر، إن غياب الهوية القانونية لا يمثل مجرد مشكلة إدارية، بل يحرم الأطفال من الوصول إلى حقوق أساسية، تشمل التعليم والرعاية الصحية والجنسية، ويجعلهم عرضة للتهميش لسنوات طويلة.
كيف أنتجت الحرب جيلاً بلا أوراق رسمية؟
تعود المشكلة إلى مجموعة من الظروف المتداخلة:
•ولادة أطفال في مناطق خرجت فيها مؤسسات السجل المدني عن العمل.
•وفاة الآباء أو اختفاؤهم أو انفصالهم عن أسرهم.
•عدم تسجيل بعض الزيجات خلال سنوات الحرب.
•فقدان الوثائق الشخصية أثناء النزوح والانتقال بين المناطق والدول.
•وجود أطفال من زيجات مختلطة لا تتوافر لأسرهم الوثائق المطلوبة لإثبات النسب والجنسية.
وتزداد الصعوبات بالنسبة للأطفال الذين لا يستطيع آباؤهم إثبات العلاقة القانونية بهم، أو الذين فقدوا الاتصال بآبائهم خلال الحرب.
قانون الجنسية في قلب المشكلة
يرتبط جانب مهم من الأزمة بقانون الجنسية السوري الصادر عام 1969، الذي يعتمد أساساً على انتقال الجنسية عن طريق الأب، ولا يمنح الأم السورية الحق نفسه في نقل جنسيتها إلى أبنائها في الحالات المعتادة.
وترى لجنة التحقيق الدولية أن هذا التمييز يضاعف الصعوبات التي تواجه الأطفال عند وفاة الأب أو اختفائه أو عدم ثبوت الزواج، وطالبت بمراجعة التشريعات بما يضمن عدم حرمان الأطفال من الهوية والجنسية بسبب ظروف لا يتحملون مسؤوليتها.
لكن المسألة تحتاج إلى معالجة قانونية دقيقة، تميز بين إثبات النسب، وتسجيل الولادة، ومنح الجنسية، فهذه إجراءات مختلفة ولا ينبغي أن يؤدي تعثر أحدها إلى حرمان الطفل من بقية حقوقه.
موقف الحكومة السورية
من الجانب الحكومي، قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية في 4 نوفمبر، إن الحكومة تعمل على إصلاحات تشريعية لضمان الهوية القانونية للأطفال وحماية الفئات الضعيفة.
وأوضحت أن غياب الآباء وفقدان الوثائق يعرقل حصول الأطفال على الرقم الوطني والخدمات الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية.
كما أشارت إلى وصول مقترح منح الجنسية لأطفال السوريات المتزوجات من غير سوريين إلى مرحلة متقدمة من الإقرار.
وهذا التطور يستحق المتابعة، لأن الاعتراف بالمشكلة يمثل بداية مهمة، لكن نجاح الإصلاح يتوقف على صدور تعديلات قانونية واضحة، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة حلول للأطفال الذين لا يستطيعون تقديم الوثائق التقليدية.
هل تتحول القضية إلى مواجهة بين المرجعية الدينية والحقوق الدولية؟
تثير مسألة انتقال الجنسية عن طريق الأب نقاشاً يتجاوز سوريا إلى دول عربية وإسلامية أخرى.
فبعض التشريعات تستند إلى اعتبارات تاريخية وقانونية واجتماعية في تنظيم النسب والجنسية، بينما تدفع المؤسسات الحقوقية باتجاه المساواة بين الأب والأم في نقل الجنسية.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين أحكام النسب في الشريعة الإسلامية وبين القواعد القانونية الحديثة للجنسية؛ فلكل منهما مجال وأحكام مختلفة.
كما أن حماية الطفل من انعدام الهوية لا تستلزم بالضرورة إلغاء الخصوصية التشريعية للمجتمع، وإنما تستوجب إيجاد حلول قانونية تحقق مصلحة الطفل وتحفظ الأنساب والحقوق الأسرية.
ومن المنظور الإسلامي، فإن الطفل لا يتحمل مسؤولية ظروف ولادته أو أخطاء والديه أو ظروف الحرب، وحفظ النفس والكرامة والحقوق من المقاصد الأساسية للشريعة. ولا يجوز أن يتحول الخلاف بين الكبار إلى عقوبة دائمة يتحملها الأبناء.
المشكلة الأكبر: غياب الأرقام والبيانات
أقرت منية عمار بأن اللجنة لا تمتلك إحصاءً دقيقاً لعدد الأطفال المتضررين، رغم اتساع المشكلة التي رصدتها من خلال شهادات الأمهات والأرامل.
وهذا النقص يضعف القدرة على تقدير حجم الاحتياجات وتحديد المناطق الأكثر تضرراً، كما يصعّب وضع ميزانيات وبرامج لمعالجة الأزمة.
ما المطلوب عملياً؟
هناك خمسة إجراءات تستحق الأولوية:
1.إنشاء برنامج وطني لحصر الأطفال غير المسجلين دون تعريض أسرهم للملاحقة أو الوصمة.
2.قبول وسائل بديلة لإثبات الولادة والنسب عند فقدان الوثائق.
3.تبسيط إجراءات تسجيل الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو تعذر الوصول إليهم.
4.مراجعة قانون الجنسية بما يعالج حالات الأطفال المهددين بانعدام الجنسية.
5.توفير التعليم والعلاج والخدمات الأساسية للأطفال أثناء استكمال إجراءاتهم القانونية.
الخلاصة
إعادة بناء سوريا لا تتوقف على إصلاح المؤسسات والطرق والمساكن، بل تشمل أيضاً إعادة الحقوق القانونية لجيل كامل نشأ في ظروف الحرب.
والاختبار الحقيقي للإصلاح سيكون في قدرة الحكومة على تحويل تعهداتها إلى إجراءات تضمن ألا يبقى طفل محرومًا من التعليم والعلاج والجنسية بسبب وثيقة مفقودة أو أب غائب أو زواج لم يسجل.
المصادر والتواريخ:
•لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، 5 نوفمبر 2026
•وكالة الأنباء السورية «سانا»، 4 نوفمبر 2026
•عنب بلدي، 3 نوفمبر 2026، تفاصيل الورقة الأممية المتعلقة بقانون الجنسية والعقبات أمام تسجيل الأطفال.

اترك تعليقا