هيئة “نزاهة ” السعودية ومساءلة المتنفذين تثير تساؤلات حقوقية

المشتبه بهم موظفين في الداخلية والتعليم والتجارة والبلديات والإسكان

أعلنت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية «نزاهة»، في 1 نوفمبر 2026، نتائج أعمالها الرقابية خلال شهر أكتوبر، مشيرة إلى تنفيذ 2662 جولة رقابية، والتحقيق مع 454 مشتبهاً بهم، وإيقاف 174 مواطناً ومقيماً، في قضايا تتعلق بالرشوة واستغلال النفوذ الوظيفي.
وقالت الهيئة إن المشتبه بهم شملوا موظفين في وزارات الداخلية والتعليم والتجارة والبلديات والإسكان، وإن الإجراءات النظامية مستمرة تمهيداً لإحالة القضايا إلى القضاء.
وتعكس هذه الأرقام استمرار نشاط الهيئة في ملاحقة المخالفات الإدارية والمالية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مدى وصول جهود مكافحة الفساد إلى دوائر النفوذ العليا، ومدى خضوع الشخصيات ذات العلاقات السياسية والاقتصادية القوية للمعايير نفسها التي تطبق على الموظفين العاديين.
انتقادات مستقلة: هل تصل المحاسبة إلى أصحاب النفوذ؟
تتجاوز بعض الانتقادات المستقلة مسألة عدد الموقوفين إلى طبيعة الفئات التي تشملها التحقيقات، ومدى قدرة أجهزة الرقابة على ملاحقة الشخصيات النافذة التي تمتلك علاقات مؤثرة داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، يقدم تقرير مؤشر التحول الصادر عن مؤسسة برتلسمان لعام 2026 تقييماً نقدياً لأوضاع المساءلة في السعودية. ويشير إلى أن هيئة نزاهة أصبحت أكثر نشاطاً في التعامل مع المخالفات الإدارية، خصوصاً في المستويات الوظيفية الأقل، لكنه يطرح تحفظات بشأن استمرار عدم مساءلة بعض المسؤولين ذوي الصلات الوثيقة بدوائر الحكم والنفوذ.
كما يثير التقرير مخاوف تتعلق بإمكانية توظيف بعض حملات مكافحة الفساد في إطار الصراعات السياسية، بدلاً من اقتصارها على تطبيق القانون بصورة متساوية.
وهذه تقييمات صادرة عن جهة بحثية مستقلة، وليست أحكاماً قضائية تثبت تورط شخصيات بعينها أو تعمد الهيئة حمايتها.
قضايا أصحاب النفوذ وحقوق المستثمرين
وفي فبراير 2026، نشر مركز الخليج لحقوق الإنسان دراسة تناولت قضية المستثمر السعودي زيد أصبيح، وما وصفه المركز بإشكالات تتعلق باستغلال النفوذ وإعاقة الوصول إلى العدالة.
وتحدث المركز عن نزاع مع أطراف ذات نفوذ، وعن مسار قضائي وإداري لم يحقق، بحسب روايته، الإنصاف المطلوب للمستثمر. وطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إساءة استعمال السلطة.
وتكتسب هذه القضية أهمية في النقاش حول مكافحة الفساد؛ لأنها تطرح سؤالاً يتجاوز الرشوة التقليدية داخل المؤسسات الحكومية: ماذا يحدث عندما يكون الطرف المتضرر في مواجهة شخصية أو جهة تمتلك نفوذاً اقتصادياً أو إدارياً؟
لكن من الضروري التمييز بين رواية المركز الحقوقي والوقائع التي ثبتت بأحكام قضائية نهائية، وعدم اعتبار الاتهامات الواردة في الدراسة إدانة قانونية للأطراف المعنية.
حملة 2017 وما زالت أسئلة الشفافية قائمة
لا يمكن فصل النقاش الحالي عن حملة التوقيفات التي شهدتها السعودية عام 2017، والتي شملت أمراء ورجال أعمال ومسؤولين بارزين في إطار حملة مكافحة الفساد.
وأعلنت السلطات حينها استرداد نحو 107 مليارات دولار من خلال التسويات المالية، وفق الأرقام الرسمية.
لكن الحملة أثارت انتقادات حقوقية وقانونية بشأن شفافية الإجراءات، وضمانات المحاكمة، وطبيعة التسويات المالية، وما إذا كانت جميع الإجراءات قد خضعت لمسارات قضائية معلنة.
وفي المقابل، دافع مؤيدو الحملة عن ضرورتها لمواجهة الفساد المتراكم واستعادة الأموال العامة، ورأوا أنها كسرت الاعتقاد بأن أصحاب الثروات والمناصب فوق المساءلة.
ويظل التحدي الأساسي هو أن تكون مكافحة الفساد قائمة على إجراءات قضائية واضحة، وأدلة قابلة للفحص، وحقوق دفاع مكفولة، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية.
أين تقع مسؤولية هيئة نزاهة؟
تعلن الهيئة أنها لا تستثني أحداً من المساءلة إذا توافرت الأدلة الكافية، ويظهر على موقعها الرسمي تصريح لولي العهد يؤكد أن المحاسبة تشمل الوزير والأمير وغيرهما.
لكن المعيار الذي يطالب به المنتقدون لا يتوقف عند التصريحات، وإنما يتعلق بإمكانية التحقق من تطبيقها عملياً.
ومن أبرز الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات موثقة:
•هل تشمل التحقيقات العقود الحكومية الكبرى والمشروعات التي تتداخل فيها مصالح شخصيات ذات نفوذ؟
•هل تخضع الشركات المرتبطة بمسؤولين أو أصحاب علاقات مؤثرة للرقابة نفسها؟
•هل تنشر نتائج التحقيقات التي تشمل مسؤولين كباراً، أم يقتصر الإعلان غالباً على أعداد الموقوفين؟
•هل توجد آليات مستقلة لمراجعة أداء الهيئة والتحقيق في البلاغات التي لا تتقدم فيها الإجراءات؟
•ما حجم الأموال المستردة فعلياً، وما نسبة القضايا التي انتهت بأحكام قضائية؟
ولا تعني هذه الأسئلة أن الهيئة تغطي بالضرورة على فساد شخصيات متنفذة، لكنها تمثل مطالب مشروعة بالشفافية وإثبات المساواة أمام القانون.
المنظور الإسلامي: لا حصانة أمام الحق
تتعارض المحاباة في تطبيق القانون مع جوهر العدل في الإسلام، الذي لا يجعل المكانة الاجتماعية أو الثروة أو القرابة سبباً لتخفيف المسؤولية.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».
ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة الفساد ليست مجرد زيادة أعداد الموقوفين، وإنما تحقيق العدالة في توزيع المسؤولية، وحماية حقوق الناس، ومنع استغلال السلطة، واسترداد الأموال التي ثبت الاستيلاء عليها.
الخلاصة
تقدم أرقام نزاهة مؤشراً على نشاط رقابي مستمر، لكن نجاح مكافحة الفساد لا يمكن قياسه بعدد الجولات والتوقيفات وحدها.
فالاختبار الأهم هو مدى وصول التحقيقات إلى أصحاب النفوذ، وشفافية التعامل مع القضايا الكبرى، وإعلان نتائج المحاكمات، وضمان عدم الإفلات من العقاب بسبب المكانة أو العلاقات.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الانتقادات المستقلة إلى اتهامات غير مثبتة، بل إلى مطالبات محددة بالكشف عن المعلومات والأدلة والنتائج.
إن بناء الثقة في منظومة مكافحة الفساد يتطلب أن يشعر الموظف الصغير ورجل الأعمال والمواطن والمسؤول الكبير بأن القانون واحد، وأن المال العام أمانة، وأن النفوذ لا يمنح صاحبه حصانة.
المصادر والمراجع:
1.هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية، بيان نتائج أكتوبر 2026، 1 نوفمبر 2026. الموقع الرسمي لهيئة نزاهة
2.مؤسسة برتلسمان، تقرير مؤشر التحول 2026، تقييم الحوكمة والمساءلة في السعودية. تقرير السعودية 2026
3.مركز الخليج لحقوق الإنسان، دراسة عن إساءة استخدام النفوذ وإشكالات الوصول إلى العدالة في قضية المستثمر زيد أصبيح، 17 فبراير 2026. مركز الخليج لحقوق الإنسان
4.مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، دراسة عن فاعلية أجهزة مكافحة الفساد العربية واستقلاليتها. الدراسة البحثية
5.صحيفة سيمفور، تحليل حملة مكافحة الفساد السعودية وتطوراتها، 18 مارس 2026. Semafor
كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا