التنمية في الدول الإسلامية بين تحسن مؤشرات المعيشة وتعثر العدالة الاجتماعية
أهداف 2030.. تحديات التنفيذ والقياس
- معاذ علي
- 5 نوفمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة السكن, الصحة, العالم الاسلامي, الغذاء, النمو الاقتصادي
أصدر مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية “سيسريك” ، التابع لـ”منظمة التعاون الإسلامي”، في أكتوبر 2026، الإصدار الثامن من تقريره “نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة ذات الأولوية في البلدان الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي”، وذلك خلال الدورة الثانية والأربعين للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري بالمنظمة “كومسيك”، التي انعقدت في إسطنبول خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 3 نوفمبر.
ويقدم التقرير تقييماً جماعياً لمسار الدول الأعضاء نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مستنداً إلى بيانات متاحة منذ عام 2015، مع مقارنة أحدث المؤشرات المتوفرة، والتي يعود بعضها إلى عام 2024 أو 2025.
وتكشف النتائج عن صورة متباينة؛ إذ تحقق تقدم في مكافحة الفقر والصحة والتعليم والطاقة والصناعة، لكن وتيرة التحسن لا تزال غير كافية لبلوغ مستهدفات 2030، فيما ظل التقدم راكداً في ملفات الجوع والمياه والعمل اللائق وتقليص التفاوتات الاجتماعية.
أولاً: تراجع الفقر وتحسن الصحة والتعليم..
أظهرت بيانات التقرير انخفاض نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الدولي المدقع، المحدد بأقل من 3 دولارات يومياً وفق تعادل القوة الشرائية، من 20% عام 2015 إلى 16.7% عام 2024، بتراجع قدره 3.4 نقطة مئوية.
كما سجلت الدول الأعضاء تحسناً في عدد من المؤشرات الصحية، أبرزها انخفاض وفيات الأطفال دون الخامسة من 62 إلى 53 وفاة لكل ألف مولود حي بين عامي 2015 و2024، إلى جانب تراجع معدل وفيات الأمهات من 371 إلى 295 وفاة لكل 100 ألف مولود حي خلال الفترة نفسها، بمعدل انخفاض يتجاوز ضعف المتوسط العالمي.
وفي التعليم، تحسنت معدلات إتمام الدراسة ومؤشرات التكافؤ بين الفتيات والفتيان، خصوصاً في المرحلة الابتدائية، كما اتسع نطاق الوصول إلى الكهرباء والإنترنت.
لكن هذه المكاسب لا تعني أن المشكلة حُسمت؛ إذ لا تزال معدلات الفقر مرتفعة في عدد من الدول، كما تعاني منظومات صحية وتعليمية من نقص الكوادر والخدمات، ويؤكد التقرير أن التقدم الإجمالي لا يسير بالسرعة الكافية لتحقيق مستهدفات التنمية بحلول 2030.
ثانياً: الأمن الغذائي والمياه من أبرز مواطن التعثر..
يبرز الأمن الغذائي باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيداً؛ فقد ارتفع معدل انتشار نقص التغذية في الدول الأعضاء من 10.8% عام 2015 إلى 12.2% عام 2023، ما يعكس تراجعاً في هذا المؤشر بدلاً من التحسن المطلوب.
وفي المقابل، انخفضت نسبة التقزم بين الأطفال من 29.4% إلى 25.5% بين عامي 2015 و2024، وهو تحسن لا يزال غير كافٍ للقضاء على جميع أشكال سوء التغذية بحلول 2030.
أما المياه والصرف الصحي، فقد ظل التقدم في تحقيق الهدف السادس راكداً على المستوى الإجمالي، رغم تحسن الوصول إلى خدمات مياه الشرب الأساسية في عدد من الدول، ويشير التقرير إلى أن ما لا يقل عن ربع السكان في 12 دولة عضواً لا يزالون محرومين من خدمات مياه الشرب الأساسية.
وتكشف هذه النتائج عن تحدٍ يتجاوز توفير الغذاء والمياه إلى كفاءة إدارة الموارد الزراعية والمائية، وزيادة الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين الاستثمارات في النظم الغذائية.
وتتداخل في هذا الملف عوامل مثل النزاعات واضطراب سلاسل الإمداد وتغير المناخ وضعف البنية التحتية، بما يجعل الأمن الغذائي قضية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي والقدرة الاقتصادية، وليس بالتجارة والاستيراد وحدهما.
ثالثاً: العمل والنمو الاقتصادي وفجوة الإنتاجية..
كشف التقرير عن استمرار ضعف الأداء في تحقيق النمو الاقتصادي والعمل اللائق، رغم تسجيل انخفاض طفيف في معدل البطالة من 5.8% عام 2015 إلى 5% عام 2024.
لكن هذا التحسن لا يعكس بالضرورة تحسناً مماثلاً في جودة الوظائف أو مستويات الدخل؛ إذ بلغ متوسط نمو إنتاجية العمل في الدول الأعضاء نحو 1% سنوياً بين عامي 2016 و2024، مقابل متوسط عالمي قدره 1.4%.
كما بلغ متوسط النمو السنوي الحقيقي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.5% خلال الفترة نفسها، بينما بلغ متوسط نموه في أقل البلدان الأعضاء نمواً 2.8%، وكلا المعدلين دون المستهدف البالغ 7%.
وتشير هذه المؤشرات إلى مشكلة هيكلية تتمثل في محدودية قدرة الاقتصادات على تحويل النمو إلى إنتاجية أعلى وفرص عمل أكثر استقراراً، فزيادة الناتج وحدها لا تضمن تحسن مستويات المعيشة ما لم تنعكس على الأجور والتشغيل وتوزيع الدخل.
وعلى مستوى الصناعة، ارتفعت مساهمة القيمة المضافة للصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.5 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2024، لكن التقدم لا يزال أقل من المستوى المطلوب لمضاعفة حصة الصناعة.
كما لا تزال استثمارات البحث والتطوير محدودة مقارنة بالمتوسط العالمي، رغم ارتفاع الإنفاق في بعض الدول، وهو ما يحد من قدرة الاقتصادات على تطوير التكنولوجيا وتعزيز قدرتها التنافسية.
رابعاً: ماذا يقول المنظور الاقتصادي الإسلامي؟..
تستحق نتائج التقرير قراءة تتجاوز مؤشرات النمو والإنتاج، خصوصاً عند ربطها بمبادئ الاقتصاد الإسلامي الذي لا يقيس نجاح النشاط الاقتصادي بمجرد زيادة الناتج أو تراكم الثروة، بل يربطه أيضاً بالعدل والتكافل وحماية المال والنفس وتحسين مستوى معيشة الأفراد، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ثلاث أدوات اقتصادية تستحق تطويرها داخل الدول الإسلامية:
الزكاة: تطوير إدارتها بحيث تتجاوز المساعدات المؤقتة إلى برامج أكثر استدامة لمكافحة الفقر، وتمويل التدريب والمشروعات الصغيرة وتمكين الأسر القادرة على العمل والإنتاج، الوقف: توجيه الاستثمارات الوقفية إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والإسكان الاجتماعي، مع تعزيز الحوكمة والشفافية وكفاءة إدارة الأصول.
التكافل الاقتصادي: توسيع أدوات التمويل الأصغر المتوافق مع الشريعة، والقرض الحسن، والمشروعات التعاونية، بما يساعد الفئات محدودة الدخل على دخول النشاط الإنتاجي.
ولا تمثل هذه المقترحات نتائج مباشرة لتقرير “سيسريك”، وإنما قراءة تحليلية تستند إلى مبادئ الاقتصاد الإسلامي، وتطرح كيفية توظيف أدواته في معالجة بعض الاختلالات التي تكشف عنها مؤشرات التنمية.
خامساً: إمكانات التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء..
تطرح النتائج أيضاً تساؤلات حول قدرة الدول الإسلامية على تحويل إمكاناتها المتنوعة إلى تعاون اقتصادي أكثر فاعلية، خصوصاً في قطاعات الزراعة والغذاء والصناعة والتجارة.
فالتفاوت في الموارد والإمكانات بين الدول الأعضاء يمكن أن يشكل أساساً للتكامل؛ إذ تمتلك بعض الاقتصادات قدرات تمويلية واستثمارية، بينما تتمتع دول أخرى بأراضٍ زراعية وموارد بشرية وأسواق واعدة.
لكن الاستفادة من هذا التنوع تتطلب أكثر من مجرد الدعوة إلى التعاون، فهي تحتاج إلى استثمارات مشتركة، واتفاقات تجارية فعالة، وبنية تحتية للنقل والتخزين، وتنسيق في المواصفات والإجراءات الجمركية، بما يسمح ببناء سلاسل إمداد إقليمية أكثر كفاءة.
وفي قطاع الغذاء تحديداً، يمكن لتوسيع الاستثمارات الزراعية المشتركة وتطوير الصناعات الغذائية ومرافق التخزين والنقل أن يسهم في تقليل التعرض لاضطرابات الأسواق العالمية، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الصدمات الخارجية.
سادساً: ما الذي يحتاج إلى مراجعة؟..
لا ينبغي التعامل مع متوسطات الدول الأعضاء باعتبارها انعكاساً متطابقاً لأوضاع جميع الاقتصادات؛ فالفروق في مستويات الدخل والاستقرار السياسي والموارد الطبيعية والقدرات المؤسسية تجعل مسارات التنمية متفاوتة بصورة كبيرة.
كما يوضح التقرير أن نقص البيانات المتاحة يحد من إمكانية إجراء تقييم شامل لبعض الأهداف، خصوصاً المساواة بين الجنسين وأنماط الاستهلاك والإنتاج والعمل المناخي، وهو ما يستدعي تحسين نظم الإحصاء وتحديث قواعد البيانات.
وتحتاج منظمة “التعاون الإسلامي” ومؤسساتها إلى ترجمة نتائج هذه التقارير إلى برامج قابلة للقياس، تتضمن أولويات واضحة وجداول زمنية ومسؤوليات محددة، مع متابعة التنفيذ على مستوى كل دولة، بدلاً من الاكتفاء بالتوصيات العامة.
الخلاصة..
تكشف مؤشرات “سيسريك” عن تقدم ملموس في مكافحة الفقر وتحسين الصحة والتعليم، لكنها ترصد في الوقت نفسه تعثراً في الأمن الغذائي والمياه والعمل اللائق وتقليص التفاوتات الاجتماعية.
وتبرز المفارقة في أن تحسن بعض المؤشرات لا يعني بالضرورة أن ثمار التنمية وصلت إلى جميع الفئات، أو أن الاقتصادات أصبحت أكثر قدرة على توفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار المعيشي.
ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، لا يقتصر التحدي على زيادة الإنتاج وتراكم الثروة، بل يمتد إلى ضمان توزيع أكثر عدالة للمنافع، وحماية الفئات الضعيفة، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية.
فالتنمية التي تحقق نمواً في الناتج دون تحسين إنتاجية العمل، أو تخفض الفقر دون معالجة أسبابه الهيكلية، تظل مساراً غير مكتمل، مهما بدت بعض مؤشراتها إيجابية.