هل بلغت موجة العداء للعولمة ذروتها في الولايات المتحدة؟

كارثيك سانكاران/ فاينانشال تايمز

على مدى عقد تقريبًا، بدا الاعتراض على التجارة العالمية وكأنه اتجاه سياسي يصعب إيقافه. فقد تحولت الرسوم الجمركية وحماية الصناعات المحلية إلى شعارات انتخابية بارزة لدى تيارات سياسية من اليمين واليسار، خصوصًا بعد تصويت بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ثم فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية في العام نفسه.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الاتجاه ربما بدأ يصطدم بتكاليفه الاقتصادية.

ففي الولايات المتحدة، تراجع بعض السياسيين عن مواقف سابقة مؤيدة للرسوم الجمركية، بعدما أصبحت آثارها أكثر وضوحًا على الأسعار والأسواق الزراعية وسلاسل الإمداد. ومن الأمثلة على ذلك تراجع المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، مايك روجرز، عن موقفه السابق المؤيد للرسوم المفروضة على كندا.

وتشير استطلاعات الرأي التي يستشهد بها المقال إلى أن 56% من الأمريكيين يرون أن الرسوم الجمركية كان لها أثر سلبي في البلاد، بينهم 26% من الجمهوريين. وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن التضخم وتكاليف المعيشة أصبحا من أبرز اهتمامات الناخبين، بينما لم تعد التجارة الخارجية وحدها في صدارة النقاش الانتخابي.

فالرسوم الجمركية قد تمنح بعض الصناعات المحلية حماية مؤقتة من المنافسة الأجنبية، لكنها ترفع في المقابل تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام التي تحتاج إليها المصانع. كما يمكن أن تدفع الدول الأخرى إلى فرض رسوم مضادة، فتتضرر الصادرات الأمريكية، وخصوصًا المنتجات الزراعية التي تعتمد على الأسواق الخارجية.

وتزداد المشكلة عندما تجتمع الرسوم مع اضطرابات أخرى، مثل الحروب وأزمات الطاقة. فهذه الأحداث تقلل المعروض أو ترفع تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما يسميه الاقتصاديون صدمات العرض السلبية. والنتيجة قد تكون ارتفاع الأسعار ونقص بعض المنتجات، حتى عندما لا يكون الطلب الاستهلاكي قد زاد بصورة كبيرة.

لكن الكاتب لا يعزو جميع مشكلات المعيشة الأمريكية إلى العولمة أو التجارة. فتكاليف الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والتأمين تشكل أعباء كبيرة على الأسر، وهي قطاعات لا ترتبط أسعارها بالتجارة الدولية بالدرجة نفسها التي ترتبط بها أسعار السلع المستوردة. ولذلك فإن استخدام العولمة تفسيرًا شاملًا لكل المشكلات الاقتصادية قد يحجب الأسباب الداخلية، مثل نقص المساكن أو ارتفاع تكلفة الخدمات الصحية.

ويواجه السياسيون بذلك معضلة: فالخطاب الحمائي قد يجذب الناخبين الذين يشعرون بأنهم خسروا وظائفهم أو تضرروا من المنافسة الخارجية، لكنه يصبح أقل إقناعًا عندما ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والسلع اليومية. كما أن المزارعين والشركات المصدرة قد يكتشفون أن الحماية من المنافسة الأجنبية لا تعوض خسارة الأسواق الخارجية.

وقد تتجه السياسة الأمريكية تدريجيًا إلى مواقف أكثر انتقائية، تجمع بين حماية بعض الصناعات الاستراتيجية والإبقاء على التجارة التي تحقق فوائد اقتصادية واضحة. ولا يعني ذلك نهاية العداء للعولمة، لكنه قد يشير إلى بلوغ الخطاب المناهض للتجارة حدوده السياسية، مع تزايد مطالبة الناخبين بحلول مباشرة لأعباء المعيشة.

الكاتب: كارثيك سانكاران، باحث أول في برنامج الجغرافيا الاقتصادية للجنوب العالمي بمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول.
المصدر: Financial Times

اترك تعليقا