علينا إعادة بناء الأمم المتحدة.. ثمانية عقود تثبت لماذا ؟
شاشي ثارور/ صحيفة إنديان إكسبريس الهندية
- dr-naga
- 24 أكتوبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الأمم المتحدة, الحروب, مجلس الأمن
تبلغ الأمم المتحدة عامها الحادي والثمانين في وقت تواجه فيه أزمة ثقة عميقة. فمجلس الأمن عاجز في ملفات دولية شديدة الخطورة، والحروب تستمر من دون أن تتمكن المنظمة من فرض تسويات فعالة، فيما تتصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في بنية مؤسسة تأسست في عالم مختلف تمامًا عن عالم اليوم.
ومع ذلك، فإن الحكم على الأمم المتحدة بالفشل الكامل يتجاهل سجلًا طويلًا من الإنجازات. فقد ساهمت وكالاتها الإنسانية والصحية في إنقاذ ملايين البشر، وحققت برامج دولية تقدمًا ملموسًا في خفض وفيات الأطفال ومكافحة الأمراض، كما قدمت المساعدات لملايين النازحين والمتضررين من الكوارث والصراعات.
ولم يقتصر دور المنظمة على الإغاثة. فقد ساهمت الاتفاقيات التي رعتها في بناء قواعد دولية لحماية البيئة، من بروتوكول مونتريال إلى اتفاق باريس للمناخ. كما أسهمت في تطوير المعايير المتعلقة بحقوق المرأة والهجرة والتنمية، وأرست إطارًا دوليًا للتعاون في قضايا لا تستطيع دولة منفردة معالجتها.
أما في مجال السلام، فقد شاركت الأمم المتحدة في تسويات سياسية وعمليات حفظ سلام ساعدت دولًا على تجاوز الحروب والانتقال إلى مراحل أكثر استقرارًا. وقد توسطت في عشرات النزاعات، وأسهمت في احتواء أزمات دولية كانت تنذر بتوسيع دائرة المواجهة.
لكن هذه الإنجازات لا تلغي الإخفاقات الحالية. فالحروب في أوكرانيا وغزة واليمن وغيرها كشفت محدودية قدرة المنظمة على التحرك عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. ويظل مجلس الأمن، على وجه الخصوص، انعكاسًا لموازين القوى التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، لا للواقع الدولي الذي تشكل خلال العقود الثمانية الماضية.
لقد تغير العالم بصورة جذرية. انتهت الإمبراطوريات الاستعمارية، وظهرت دول مستقلة جديدة، وصعدت قوى اقتصادية وسياسية مؤثرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ومع ذلك، بقيت العضوية الدائمة في مجلس الأمن محصورة في خمس دول، تمتلك حق النقض الذي يمكنه تعطيل قرارات تحظى بتأييد واسع.
وهنا تكمن إحدى مشكلات الشرعية الدولية: كيف يمكن إقناع الدول النامية بأن النظام الدولي يمثلها، بينما لا تمتلك مناطق واسعة من العالم تمثيلًا دائمًا في المؤسسة التي تتخذ أهم القرارات المتعلقة بالحرب والسلم؟
إن إصلاح مجلس الأمن ينبغي أن يتضمن توسيع التمثيل ليشمل مناطق وقوى لا تعكسها تركيبته الحالية، إلى جانب مناقشة ضوابط أكثر فاعلية لاستخدام حق النقض، وتعزيز المساءلة بين مجلس الأمن والجمعية العامة. ولا ينبغي أن تكون هذه التغييرات مجرد زيادة عدد المقاعد، بل يجب أن تسهم في جعل القرارات أكثر تمثيلًا لمصالح المجتمع الدولي.
لكن الإصلاح نفسه يحمل مخاطر إذا جرى التعامل معه باعتباره مواجهة صفرية بين الدول الكبرى وبقية العالم. فالتغيير الذي يدفع القوى الأكثر نفوذًا إلى الانسحاب من المنظمة أو التخلي عنها قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في إضعاف المؤسسة التي يريد العالم إصلاحها.
والأمم المتحدة ليست حكومة عالمية تملك جيشًا مستقلًا أو سلطة مطلقة على الدول. إن قوتها تعتمد على تعاون أعضائها، وعلى قبولهم بأن القانون والتفاوض والعمل الجماعي أفضل من ترك العلاقات الدولية لموازين القوة وحدها.
تظل القيمة الأهم للمنظمة أنها توفر مساحة دائمة للحوار، حتى عندما تتصاعد المواجهات. فوجود قناة يستطيع الخصوم من خلالها التواصل والتفاوض قد يمنع سوء التقدير ويتيح فرصًا للتوصل إلى تسويات لا يمكن تحقيقها عبر التصعيد العسكري وحده.
إن المطلوب ليس استعادة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية كما كان، بل بناء نظام دولي يحتفظ بمبدأ التعاون متعدد الأطراف، مع تحديث مؤسساته كي تصبح أكثر عدالة وفاعلية. فثمانية عقود من التجربة تثبت أن الأمم المتحدة ليست بديلًا عن إرادة الدول، لكنها تظل أداة لا غنى عنها عندما تقرر الدول أن السلام مسؤولية مشتركة.
المصدر: صحيفة إنديان إكسبريس الهندية
الكاتب: شاشي ثارور، دبلوماسي هندي سابق ومسؤول سابق في الأمم المتحدة وعضو في البرلمان الهندي