بوتين ليس رجلًا إنسانيًا لكن هل هو مستعد للتفاوض؟

ديفيد إغناتيوس/ واشنطن بوست

ليس من المنطقي وصف فلاديمير بوتين بأنه رجل إنساني، مهما كانت العبارات الودية التي يستخدمها المسؤولون الأمريكيون في لقاءاتهم معه. لكن السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان الرئيس الروسي مستعدًا للدخول في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

ظهرت مؤشرات أولية على إمكان استئناف الحوار بعد اجتماع استمر ثلاث ساعات في سان بطرسبرغ بين بوتين والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، بمشاركة جاريد كوشنر عبر الاتصال المرئي. وأعلن يوري أوشاكوف، أحد كبار مساعدي الرئيس الروسي، أن موسكو مستعدة من حيث المبدأ لاستئناف المحادثات الثلاثية مع الولايات المتحدة وأوكرانيا، مع طرح قضية إنشاء منظومة أمنية للمرحلة التي تلي انتهاء الصراع.

وتبدو هذه خطوة إيجابية مقارنة باستمرار القتال وانقطاع المسارات الدبلوماسية. كما أن مسؤولين قريبين من المفاوضات أبدوا تفاؤلًا حذرًا بإمكان تحقيق تقدم قبل حلول الشتاء، خصوصًا بعد طرح مقترحات في أوسلو شارك فيها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وممثلون عن دول أوروبية رئيسية.

غير أن التفاؤل ينبغي ألا يتحول إلى اعتقاد بأن موسكو قدمت تنازلات فعلية. فالدعوة إلى الحوار ليست اتفاقًا على السلام، وإعلان الاستعداد للتفاوض لا يعني قبول الشروط التي قد تجعل التسوية ممكنة.

وقد تكون لدى بوتين أسباب سياسية لتشجيع المحادثات في هذه المرحلة، من بينها اعتقاده بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدت استعدادًا لتخفيف بعض الضغوط على روسيا. كما أن الإفراج عن المواطن الأمريكي ستيفن هوبارد، الذي كانت روسيا تحتجزه بتهمة القتال مرتزقًا إلى جانب أوكرانيا، قد ساعد على تهيئة أجواء إيجابية بين الطرفين. لكن هذه الخطوة الإنسانية لا تشكل في حد ذاتها تقدمًا جوهريًا نحو إنهاء الحرب.

يحاول المفاوضون الأمريكيون توسيع نطاق النقاش، بحيث لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يشمل أيضًا شكل الأمن الأوروبي بعد الحرب، والعلاقات الاقتصادية والطاقة، وإمكان وضع ضمانات تحول دون تجدد القتال.

ومن الأفكار المطروحة تقديم ضمانات أمريكية وأوروبية لأوكرانيا تشبه بعض جوانب الالتزامات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، مع بحث المخاوف الأمنية الروسية أيضًا. لكن تفاصيل هذه الترتيبات لم تتضح بعد، كما أن التوفيق بين حماية أوكرانيا ومنع موسكو من استغلال التسوية لتحقيق مكاسب استراتيجية إضافية سيظل مهمة صعبة.

وتخشى الدول الأوروبية أن تتحول الرغبة في إنهاء الحرب إلى تنازلات تشجع روسيا على ممارسة مزيد من الضغوط مستقبلًا. وفي المقابل، تعتقد عواصم أوروبية أن تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير التعاون الدفاعي مع أوكرانيا يمنحها موقعًا أقوى في أي مفاوضات مقبلة.

ومن المهم أن المسار الدبلوماسي لم يتوقف رغم الخلافات بين ترامب وزيلينسكي خلال الأيام السابقة للاجتماع. فقد بقيت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وفنلندا منخرطة في جهود الوساطة، كما أبدى زيلينسكي استعدادًا لدعم مقترحات تتعلق بوقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب، والتعاون في قطاع الطاقة، وتبادل الأسرى، وإعادة العلاقات الدبلوماسية.

ومع ذلك، يظل الاحتمال المقلق أن يستخدم الكرملين المحادثات لكسب الوقت، مع تقديم إشارات إيجابية لا تتبعها تنازلات حقيقية. فروسيا قد تكون مهتمة بالحوار، لكنها لم تثبت بعد استعدادها لقبول تسوية تضمن سيادة أوكرانيا وأمنها على المدى الطويل.

لهذا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في التصريحات التي أعقبت اجتماع سان بطرسبرغ، بل في استعداد الأطراف لتقديم التزامات قابلة للتحقق، والاتفاق على آليات تنفيذ واضحة، ووضع ضمانات تمنع استئناف القتال.

لقد أصبحت روسيا أيضًا أمام مسؤولية سياسية متزايدة: فإذا بدأت المفاوضات ثم عطلتها من دون مبرر واضح، فسيكون من الأصعب عليها إقناع المجتمع الدولي بأن هدفها هو السلام. أما إذا تحولت هذه الاتصالات إلى مسار عملي، فقد تكون بداية فرصة لإنهاء حرب أنهكت أوكرانيا وفرضت أعباء أمنية واقتصادية على أوروبا.

المصدر:  صحيفة واشنطن بوست

اترك تعليقا