مالي بين ضربات الجيش وانتهاكات الجماعات المسلحة
المدنيون يدفعون ثمن تصاعد الصراع في مالي
- dr-naga
- 19 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الجماعة المسلحة, الجيش, الصراع في مالي, انتهاكات, روسيا, قتلي وجرحي, هيومن رايتس ووتش
في تطور جديد يسلط الضوء على تعقيدات الصراع في منطقة الساحل الإفريقي، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، من تصاعد الانتهاكات بحق المدنيين في مالي، متهمة القوات المسلحة المالية وحلفاءها الروس بتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة أوقعت قتلى وجرحى بين السكان، في وقت ترتكب فيه الجماعات المسلحة والانفصالية انتهاكات خطيرة أيضًا.
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه يتناول دولة أعادت توجيه تحالفاتها العسكرية بعيدًا عن فرنسا باتجاه روسيا، على أمل استعادة السيطرة على مناطق واسعة من أراضيها التي تشهد تمردًا مسلحًا منذ عام 2012.
ضربات جوية تطال الأسواق والمنشآت الصحية
قالت المنظمة إن القوات المالية، بالتعاون مع عناصر «فيلق إفريقيا» الروسي، نفذت عمليات عسكرية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، مشيرة إلى هجوم بطائرة مسيّرة استهدف سوقًا في منطقة باندياجارا وسط البلاد في 19 أغسطس الماضي، وأدى إلى مقتل ستة مدنيين وإصابة ما لا يقل عن عشرين آخرين.
كما وثقت المنظمة ضربة أخرى في 29 يوليو الماضي ألحقت أضرارًا بمنشأة صحية في منطقة كيدال شمال شرقي مالي.
واستند التقرير إلى مقابلات أجريت مع ثلاثين شخصًا، بينهم شهود على الانتهاكات ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون ومسؤول عسكري مالي، إضافة إلى تحليل صور ومقاطع مصورة مرتبطة ببعض الحوادث.
وتشير بيانات منظمة «أكليد» المتخصصة في رصد النزاعات إلى أن القوات المالية وحلفاءها نفذوا 49 ضربة جوية خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس 2026، مقارنة بـ22 ضربة في الفترة نفسها من العام السابق. وارتفع عدد المدنيين الذين قُتلوا في هذه الضربات، وفق البيانات التي أوردتها المنظمة الحقوقية، من 44 إلى 89 شخصًا.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع العمليات العسكرية استهدفت المدنيين عمدًا، لكنها تثير تساؤلات جدية بشأن دقة الاستهداف، والتحقق من وجود أهداف عسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان.
لماذا استعانت مالي بروسيا؟
جاء التحول نحو موسكو بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي عامي 2020 و2021، وتصاعد الخلاف بين السلطات العسكرية وفرنسا، التي كانت شريكًا رئيسيًا في العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة.
واتجهت الحكومة المالية إلى توثيق التعاون مع روسيا، أولًا عبر مجموعة فاغنر، ثم من خلال «فيلق إفريقيا»، المرتبط بالدولة الروسية.
وتقول السلطات المالية إن استعادة الأمن والسيطرة على الأراضي تمثل أولوية وطنية، خصوصًا بعد الهجمات الواسعة التي شهدتها البلاد في 25 أبريل الماضي، والتي طالت مواقع متعددة وأدت إلى مقتل وزير الدفاع المالي.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم التعاون الروسي المالي ينبغي ألا يتجاهل التحديات الأمنية الحقيقية التي تواجهها البلاد، ولا حاجة الحكومة إلى حماية المدن والطرق ومرافق الدولة من الجماعات المسلحة.
لكن النجاح العسكري لا يقاس بعدد الضربات أو حجم الأسلحة المستخدمة وحدهما؛ إذ قد تؤدي العمليات التي تتسبب في مقتل المدنيين إلى تعميق الغضب المحلي، وإضعاف الثقة بين السكان والسلطات، وتوفير فرص إضافية للتجنيد في صفوف الجماعات المسلحة.
الجماعات المسلحة ليست خارج دائرة الاتهام
لم يقتصر تقرير هيومن رايتس ووتش على انتقاد الجيش المالي وحلفائه، بل اتهم الجماعات المسلحة والانفصالية أيضًا بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها تعذيب جنود أسرى وإعدامهم.
وتشمل الأطراف المسلحة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب جبهة تحرير أزواد وغيرها من الجماعات الانفصالية.
وتكشف هذه الصورة عن مشكلة أعمق من مجرد الصراع بين حكومة مدعومة من روسيا ومجموعات مسلحة تعارضها؛ فالسكان المدنيون يجدون أنفسهم بين عمليات عسكرية حكومية وهجمات جماعات مسلحة، في ظل ضعف آليات المحاسبة وحماية الضحايا.
وفي هذا السياق، دعت إيلاريا أليغروتسي، الباحثة الأولى المعنية بمنطقة الساحل في هيومن رايتس ووتش، مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي إلى عقد جلسة مخصصة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والضغط على جميع الأطراف لوقف الاعتداءات.
ويعكس هذا الموقف مطالبة حقوقية واضحة بعدم الاكتفاء بإدانة طرف واحد، بل إخضاع جميع الأطراف للتحقيق والمساءلة.
هل يؤدي الدعم الروسي إلى الاستقرار؟
تواجه الشراكة الروسية المالية اختبارًا صعبًا. فمن ناحية، تريد الحكومة المالية دعمًا عسكريًا يساعدها على مواجهة التمرد المسلح، ولا سيما في المناطق التي يصعب على مؤسسات الدولة السيطرة عليها بصورة مستمرة.
ومن ناحية أخرى، فإن توثيق انتهاكات بحق المدنيين يثير تساؤلات بشأن فاعلية النهج الأمني نفسه، ومدى اقترانه بإجراءات سياسية وتنموية تعالج أسباب الصراع.
ولا تكفي التقارير الحقوقية وحدها للحكم على مجمل نتائج التعاون العسكري الروسي، كما لا يصح تجاهلها بحجة أن البلاد تخوض حربًا ضد جماعات مسلحة. فالمعيار الأساسي هو قدرة الدولة على حماية مواطنيها، إلى جانب استعادة الأمن.
وحتى الآن، لا توجد في التقرير أدلة كافية للجزم بأن جميع الضربات الروسية المالية كانت غير قانونية، لكن الحوادث التي وثقتها المنظمة تستدعي تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات، خصوصًا عندما تقع الضربات قرب الأسواق والمنشآت الصحية.
ما المطلوب من الاتحاد الإفريقي؟
دعت هيومن رايتس ووتش الاتحاد الإفريقي إلى تكثيف الرقابة على الانتهاكات في مالي، والضغط لإجراء تحقيقات مستقلة، ومطالبة السلطات بمحاسبة المسؤولين عن التجاوزات، سواء كانوا من القوات الحكومية أو حلفائها أو الجماعات المسلحة.
وتكمن أهمية هذا التحرك في أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على الاختيار بين الدعم الروسي والتدخل الغربي؛ بل تحتاج إلى مقاربة إفريقية تحمي المدنيين وتدعم مؤسسات الدولة، من دون منح أي طرف حصانة من المساءلة.
كما أن استمرار الصراع يهدد الدول المجاورة في منطقة الساحل، التي تواجه بدورها مخاطر انتقال العنف عبر الحدود، وتراجع النشاط الاقتصادي، ونزوح السكان.
الخلاصة
تواجه مالي معادلة صعبة: استعادة الأمن في مواجهة جماعات مسلحة خطيرة، مع منع العمليات العسكرية من التحول إلى مصدر إضافي لمعاناة المدنيين. وقد يوفر التعاون الروسي للحكومة قدرات عسكرية مهمة، لكن استدامة نتائجه ستظل مرتبطة بقدرته على تحسين الأمن الفعلي، واحترام القانون الدولي الإنساني، وتعزيز ثقة السكان بالدولة.
وفي المقابل، فإن جرائم الجماعات المسلحة لا تقلل من مسؤولية القوات الحكومية وحلفائها عن حماية المدنيين. فاستقرار مالي لن يتحقق بمجرد تغيير الشركاء العسكريين، بل يحتاج إلى محاسبة جميع المنتهكين، وحماية المجتمعات المحلية، ومعالجة أسباب التهميش والصراع.
المصادر:
منظمة هيومن رايتس ووتش
منظمة العفو الدولية