أزمة الحجاب تشعل الاحتجاجات في أذربيجان
وسط احتجاجات طلابية
- السيد التيجاني
- 13 أكتوبر، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير وترجمات
- أذربيجان, أزمة الحجاب, احتجاجات طلابية
ذذذتتصاعد أزمة الحجاب في أذربيجان مع دخول قيود جديدة على الملابس في المدارس الحكومية حيز التنفيذ، أزمة الحجاب تشعل الاحتجاجات في أذربيجان وسط احتجاجات طلابية وانتقادات من ناشطين ومؤيدين للحريات الدينية، في مواجهة رواية رسمية تضع قواعد الزي المدرسي ومبدأ علمانية الدولة في صدارة الأولويات. ولم تعد القضية مجرد خلاف على قطعة من الملابس، بل تحولت إلى اختبار للعلاقة بين الهوية الإسلامية والنظام العلماني وحدود تدخل السلطات في الخيارات الدينية للأفراد.
وفي تطور لافت، بدأت مدارس بمنع طالبات ومعلمات محجبات من دخول الفصول، بعدما أقرت الحكومة تعديلات على قواعد الزي المدرسي لا تحظر الحجاب بالاسم، لكنها تمنع الملابس التي تعتبرها مخالفة لمبدأ العلمانية. وأثار تطبيق هذه القواعد تساؤلات بشأن مدى توافقها مع ضمانات حرية الدين والمعتقد التي ينص عليها الدستور الأذربيجاني.
قيود جديدة تعيد الأزمة إلى الواجهة
تعود جذور أزمة الحجاب في أذربيجان إلى عام 2010، عندما أعلنت وزارة التعليم تطبيق قواعد الزي المدرسي الموحد بطريقة استُخدمت لمنع الطالبات المحجبات من حضور الدروس في المدارس الحكومية. وأدى القرار آنذاك إلى احتجاجات في باكو ومناطق أخرى، واعتقال متظاهرين، وسط خلاف حول ما إذا كانت القواعد التعليمية تبرر تقييد ارتداء الحجاب.
ويوضح الباحث غالب باشيروف، في دراسة أكاديمية نُشرت عام 2020 في دورية «ناشوناليتيس بيبرز»، أن الجدل حول الحجاب في أذربيجان يتجاوز مسألة الزي المدرسي، ويرتبط بصراع أوسع حول تعريف الهوية الوطنية والعلاقة بين العلمانية والإسلام والحداثة. ولفت إلى أن مؤيدي القيود قدموا الحجاب أحيانًا باعتباره تعبيرًا عن نفوذ ديني وافد، بينما رأى معارضوها أن هذه التفسيرات تتجاهل تعقيدات المجتمع الأذربيجاني وتنوع ممارساته الدينية.
وفي سبتمبر 2026، عادت القضية إلى الواجهة بعد تعديل قواعد الملابس في المؤسسات التعليمية الحكومية، بما يسمح باستبعاد الملابس التي تعتبرها السلطات غير متوافقة مع مبدأ العلمانية. وعلى الرغم من أن النص لا يذكر الحجاب صراحة، فإن تقارير إعلامية أفادت بأن تطبيقه أدى إلى منع طالبات ومعلمات من دخول بعض المدارس بسبب ارتداء غطاء الرأس.
شهادات المعلمات والطالبات
تعكس ردود الفعل المتصاعدة حجم التأثير المباشر للأزمة على الحياة التعليمية. فقد قالت المعلمة الأذربيجانية زهرة حسنوفا، في تصريحات لقناة الجزيرة، إنها أُبلغت بعدم إمكانية مواصلة ارتداء الحجاب داخل المدرسة، معربة عن شعورها بالألم بسبب القرار.
وأكدت حسنوفا أن ارتداء الحجاب اختيار شخصي، وأن قرار ارتدائه أو خلعه ينبغي أن يعود إلى المرأة نفسها. وتكتسب شهادتها أهمية لأنها تنقل الأزمة من مستوى النقاش القانوني والسياسي إلى تجربة المعلمات اللاتي يواجهن احتمال الاختيار بين الالتزام بقناعتهن الدينية والاستمرار في العمل.
كما أظهرت مقاطع متداولة طالبات يبكين ويحتضنّ معلماتهن أثناء منعهن من دخول المدارس. وأفادت تقارير إعلامية بأن طالبات في مدرستين على الأقل قاطعن الدراسة احتجاجًا على القيود الجديدة، في مؤشر على أن الخلاف بدأ يؤثر في انتظام العملية التعليمية، وليس فقط في النقاش العام حول الحجاب.
الحكومة تتمسك بالعلمانية والزي الموحد
في المقابل، تقدم الرواية المؤيدة للقرار القضية باعتبارها مرتبطة بتوحيد الزي المدرسي وتطبيق قواعد مشتركة على الطلاب والعاملين في المؤسسات التعليمية.
ونقلت وكالة الأنباء الأذربيجانية الرسمية أن التعديلات تستهدف ضمان الالتزام بمبدأ علمانية الدولة وتوحيد الملابس في المدارس الحكومية. كما أشارت إلى إمكانية السماح بملابس تعكس تاريخ البلاد وثقافتها وقيمها الوطنية والأخلاقية خلال المناسبات، وفق ضوابط وموافقة الجهات التربوية المختصة.
وتستند حساسية القضية إلى طبيعة المجتمع الأذربيجاني؛ إذ تشير التقديرات الواردة في التغطيات الإعلامية إلى أن نحو 96% من السكان يعرّفون أنفسهم بوصفهم مسلمين، بينما يقوم النظام الدستوري على علمانية الدولة مع ضمان حرية الدين والمعتقد.
وهنا يظهر جوهر الخلاف: فهل يكفي تحديد زي مدرسي موحد لتبرير منع غطاء الرأس الديني، أم ينبغي البحث عن صيغة تسمح بالتوفيق بين الانضباط المدرسي وحرية التعبير عن المعتقد؟ لا تقدم التغطيات المتاحة إجابة قانونية نهائية عن هذا السؤال، لكنها توضح أن طريقة تنفيذ القرار أصبحت محور النزاع الأساسي.
احتجاجات تمتد إلى تركيا
لم تبق الأزمة داخل الحدود الأذربيجانية؛ إذ امتدت ردود الفعل إلى تركيا، حيث نظم محتجون تجمعًا أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول، مطالبين السلطات في باكو بإعادة النظر في القيود المفروضة على المحجبات.
وأعادت الاحتجاجات إلى الذاكرة التركية تجربة عام 1997، عندما واجهت النساء المحجبات قيودًا في الجامعات والوظائف الحكومية خلال ما عُرف بمرحلة «الانقلاب ما بعد الحداثي».
وفي المقابل، وجه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف انتقادًا غير مباشر للاحتجاجات القادمة من تركيا، محذرًا من التدخل في نمط الحياة الأذربيجاني، دون تسمية تركيا صراحة. ولم يصدر عن السلطات التركية رد رسمي على تصريحاته، فيما تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر، عن تزايد التمييز ضد النساء المسلمات، من دون ربط تصريحاته مباشرة بأزمة الحجاب الأذربيجانية.
وفي تطور آخر، أعلن الصحفي المسجون بولاد أصلانوف إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على القيود الجديدة، معتبرًا أنها تمس الحقوق الدستورية. ونشرت زوجته، غلميرا أصلانوفا، رسالته التي أعلن فيها موقفه، لتضيف القضية بُعدًا يتعلق بالحريات والحقوق المدنية إلى الخلاف الدائر حول الزي المدرسي.
في رأيي
تكشف أزمة الحجاب في أذربيجان عن معضلة تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية، تتمثل في كيفية التوفيق بين علمانية الدولة وحرية المعتقد. فتوحيد الزي المدرسي هدف تنظيمي يمكن مناقشته في إطار السياسة التعليمية، لكن تطبيقه بطريقة تؤدي إلى حرمان طالبات من التعليم أو معلمات من ممارسة عملهن بسبب الحجاب يثير تساؤلات جدية بشأن التناسب بين القواعد والحقوق التي تمسها.
كما أن عدم ذكر الحجاب صراحة في التعديلات يجعل طريقة التطبيق عنصرًا حاسمًا في تقييم آثارها. فبدلًا من الاكتفاء بالجدل حول النوايا، ينبغي التركيز على الوقائع: هل تستطيع الطالبات مواصلة الدراسة؟ وهل تُطبق القواعد بصورة متساوية؟ وهل توجد آلية واضحة للاعتراض على قرارات منع الدخول؟
مستقبل الأزمة
يتوقف المسار المقبل على موقف السلطات من الاحتجاجات، وعلى ما إذا كانت ستراجع آليات تطبيق قواعد الزي المدرسي أو ستواصل العمل بها بصيغتها الحالية. ولا تتوافر حتى الآن مؤشرات مؤكدة على قرار حكومي بالتراجع عن التعديلات.
ومن المرجح أن يستمر الجدل ما دامت آثار القيود ملموسة في المدارس، خصوصًا مع اتساع النقاش إلى تركيا ودوائر الدفاع عن الحريات الدينية. وقد تتحول الأزمة إلى اختبار أوسع لمدى قدرة أذربيجان على إدارة التعدد الديني داخل مؤسسات الدولة، دون أن يتحول الاختلاف في المظهر إلى عائق أمام التعليم والعمل.
وتبقى المسألة الأساسية هي إيجاد صيغة قانونية وعملية تحافظ على قواعد المؤسسات التعليمية، وتحترم في الوقت نفسه الحقوق الدستورية، بحيث لا تجد الطالبات أنفسهن أمام خيار صعب بين مواصلة التعليم والالتزام بقناعاتهن الدينية.