الجزائر تتحرك جنوبًا وتعيد رسم نفوذها في الساحل

فهل تستطيع أن تحول عودتها للساحل إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستقر؟

تشهد السياسة الجزائرية تجاه منطقة الساحل تحولًا لافتًا خلال الأيام الأخيرة، مع انتقال الجزائر من سياسة الحذر وعدم التدخل المباشر إلى انخراط أوسع في الملفات الأمنية والاقتصادية المحيطة بها.

وتكشف قراءة حديثة نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» أن الجزائر بدأت توسيع حضورها في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بالتوازي مع تحركات أمنية مرتبطة بتدهور الوضع في منطقة الساحل.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن الجزائر كانت تاريخيًا شديدة الحساسية تجاه أي تدخل عسكري خارج حدودها، وفضّلت الوساطة والدبلوماسية في أزمات الساحل. أما التطورات الحالية فتشير إلى أن حسابات الأمن الحدودي وضغط الجماعات المسلحة والتنافس الإقليمي دفعت صناع القرار في الجزائر إلى إعادة النظر في هذه المقاربة.

وبحسب التحليل المنشور اليوم، فإن الجزائر دعمت النظام العسكري في النيجر بعد محاولة انقلاب فاشلة، كما أعادت فتح قنوات سياسية واقتصادية مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، رغم الخلافات السابقة مع حكومات هذه الدول. وتزامن ذلك مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة في مالي والنيجر، وهو ما يجعل الجزائر تواجه تهديدًا أمنيًا على امتداد حدودها الجنوبية.

لكن التحرك الجزائري لا يقوم على العامل العسكري وحده. فالجزائر تسعى أيضًا إلى توظيف الطاقة والبنية التحتية كأدوات نفوذ، ومن أبرز الملفات مشروع خط الغاز العابر للنيجر باتجاه نيجيريا، الذي يمكن أن يمنح الجزائر موقعًا اقتصاديًا أكبر في شبكة الطاقة الأفريقية إذا تحولت الظروف الأمنية في المنطقة إلى وضع أكثر استقرارًا.

ويرى مراقبون أن هذا التحول مرتبط كذلك بالتنافس مع المغرب. فالعلاقات الجزائرية المغربية ما زالت شديدة التوتر، بينما وسّع المغرب علاقاته الاقتصادية والسياسية مع دول الساحل خلال السنوات الأخيرة، وأصبح أكثر حضورًا في ملفات الصحراء الغربية وأفريقيا الغربية. ولذلك فإن غياب الجزائر عن منطقة الساحل لم يعد، من وجهة نظر صناع القرار في الجزائر، خيارًا بلا تكلفة.

وفي الوقت نفسه، تدخل روسيا والإمارات وتركيا وقوى دولية أخرى في حسابات المنطقة بدرجات متفاوتة. وتقول القراءة الحديثة إن الجزائر تنظر بقلق إلى توسع نفوذ منافسين إقليميين ودوليين في جوارها، ولا سيما في ظل علاقات المغرب المتنامية مع إسرائيل والولايات المتحدة، والوجود الروسي في أجزاء من الساحل.

المشكلة أن الانخراط الجزائري يحمل مخاطر أيضًا. فالتقارب مع حكومات عسكرية في الساحل قد يضع الجزائر أمام انتقادات غربية وأفريقية إذا ارتبطت تلك الحكومات بانتهاكات أو بتراجع المسار الديمقراطي. كما أن دعمها السياسي لهذه الأنظمة قد يجعلها مسؤولة سياسيًا عن نتائج سياساتها الأمنية، حتى إذا لم تشارك الجزائر مباشرة في العمليات العسكرية.

ومن جهة أخرى، فإن الجماعات المسلحة لا تمثل خصمًا واحدًا يمكن احتواؤه باتفاق سياسي مع حكومة واحدة. فالمشهد في مالي والنيجر وبوركينا فاسو شديد التعقيد، وتتداخل فيه جماعات جهادية وصراعات قبلية ومحلية، إضافة إلى أزمات الفقر وضعف مؤسسات الدولة وامتداد الحدود.

واللافت أن الجزائر تحاول الجمع بين الأمن والطاقة والدبلوماسية بدل الاعتماد على القوة العسكرية وحدها. وهذا قد يكون أكثر انسجامًا مع تقاليد السياسة الجزائرية، لكنه يتطلب قدرة كبيرة على إدارة علاقات متناقضة: دعم استقرار دول الساحل، والحفاظ على علاقاتها مع القوى الغربية، ومنع تمدد الجماعات المسلحة، ومنافسة المغرب من دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

أما بالنسبة للساحل نفسه، فقد يمثل التحرك الجزائري فرصة إذا تحول إلى استثمارات حقيقية في الطاقة والنقل والتجارة، لكنه قد يتحول إلى مصدر توتر إضافي إذا أصبح جزءًا من صراع نفوذ بين الجزائر والمغرب وروسيا والقوى الغربية.

ويبدو أن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة هو: هل تستطيع الجزائر تحويل عودتها إلى الساحل إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستقر، أم أن اتساع الالتزامات الأمنية سيجعلها طرفًا مباشرًا في أزمات المنطقة؟

*المصدر: «فايننشال تايمز»، 6 أكتوبر 2026؛ الجزيرة، 5 و6 أكتوبر 2026.

اترك تعليقا