البوسنة والهرسك.. الناخبون يترقبون تحولاً يتجاوز صناديق الاقتراع

بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب

بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب، تدخل البوسنة والهرسك انتخابات جديدة وسط حالة من الإحباط الشعبي من بطء التغيير وتعقيد النظام السياسي، فيما يأمل الناخبون أن تفتح صناديق الاقتراع الباب أمام إصلاحات حقيقية تتجاوز مجرد تبديل الوجوه السياسية.

وتتجه الأنظار إلى انتخابات 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي يشارك فيها أكثر من 3.4 ملايين ناخب مسجل، وسط منافسة سياسية لا تزال محكومة بدرجة كبيرة بالانقسامات القومية بين البوشناق والكروات والصرب، وبالخلاف حول مستقبل البلاد وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وروسيا والولايات المتحدة.

نظام سياسي شديد التعقيد

تعد البوسنة والهرسك من أكثر الدول تعقيدا من الناحية السياسية والإدارية، نتيجة النظام الذي تشكل بعد اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى الحرب عام 1995.

وتتكون الدولة من كيانين رئيسيين هما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة، إلى جانب مستويات متعددة للحكم تشمل مؤسسات الدولة والكيانين والكانتونات داخل الاتحاد.

وفي الانتخابات الحالية، يختار المواطنون أعضاء الرئاسة الثلاثية، التي تضم ممثلا بوشناقيا وآخر كرواتيا ينتخبهما الناخبون في اتحاد البوسنة والهرسك، وممثلا صربيا ينتخبه ناخبو جمهورية صرب البوسنة.

كما تشمل العملية الانتخابية مجلس النواب في الجمعية البرلمانية على مستوى الدولة، ومجلس النواب في برلمان اتحاد البوسنة والهرسك، ومجالس الكانتونات العشرة، إضافة إلى رئيس جمهورية صرب البوسنة ونائبه وأعضاء الجمعية الوطنية للكيان.

ويعني تعدد مستويات التصويت أن الناخب البوسني لا يشارك في انتخابات واحدة بالمعنى التقليدي، وإنما في مجموعة متداخلة من الاستحقاقات التي تحدد شكل مؤسسات الدولة والكيانات والأقاليم المحلية.

القومية تفرض حضورها

ورغم مرور سنوات طويلة على انتهاء الحرب، لا تزال الانقسامات القومية عاملا أساسيا في تحديد خيارات الناخبين.

ويظهر ذلك في اختلاف توجهات القوى السياسية بين الكيانين؛ إذ تدفع أحزاب في اتحاد البوسنة والهرسك باتجاه مزيد من التقارب مع الغرب والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تتمسك قوى سياسية في جمهورية صرب البوسنة بعلاقات وثيقة مع روسيا.

ويشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة سراييفو إلفيس فيزيتش إلى أن التفاعلات الخارجية أصبحت جزءا من الحسابات السياسية الداخلية، خصوصا في ظل سعي بعض القوى داخل جمهورية صرب البوسنة إلى الاستفادة من علاقاتها الدولية في مواجهة الضغوط والعقوبات.

وفي المقابل، تظل قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من أبرز الملفات التي تعكس الفروق بين الأحزاب والكيانات، إلى جانب قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي ومستقبل مؤسسات الدولة.

الشباب بين الهجرة والإصلاح

ولا تقتصر التحديات التي تواجه البوسنة والهرسك على الخلافات السياسية، إذ يمثل نزيف الهجرة واحدا من أبرز الملفات الاجتماعية والاقتصادية.

وخلال السنوات الماضية غادر عشرات الآلاف من الشباب البلاد بحثا عن فرص عمل وحياة أفضل في دول أوروبية، في ظل ضعف النمو الاقتصادي واستمرار الانقسامات السياسية وتعقيدات سوق العمل.

لكن شريحة من الشباب ترفض اعتبار الهجرة قدرا محتوما، وتدعو إلى الضغط من أجل إصلاح المؤسسات وتحسين الظروف داخل البلاد.

ويؤكد الطالب الجامعي ألين ستوفراغ أن الشباب يريدون الانتقال من الوعود السياسية إلى إجراءات ملموسة، معتبرا أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبقى مجرد شعار انتخابي.

التكنولوجيا تدخل العملية الانتخابية

وتشهد انتخابات هذا العام تغييرا مهما يتمثل في إدخال أجهزة إلكترونية لقراءة أوراق الاقتراع، إلى جانب وسائل للتحقق من هوية الناخبين باستخدام بصمات الأصابع.

وتأتي هذه الخطوة في محاولة لتعزيز نزاهة العملية الانتخابية والحد من المخالفات والتلاعب، وهي قضايا أثارتها بعثات المراقبة الدولية خلال انتخابات سابقة.

ويمثل إدخال التكنولوجيا اختبارا جديدا للسلطات الانتخابية، خصوصا في ظل تعقيد العملية الانتخابية وتعدد مستوياتها وكثرة المؤسسات التي يختار الناخبون ممثليها.

دوديك وهاجس الانفصال

ويبقى ملف جمهورية صرب البوسنة من أكثر القضايا حساسية في الانتخابات الحالية، في ظل استمرار الخطاب المطالب بمزيد من الاستقلالية للكيان، ووصول بعض المواقف السياسية إلى التلويح بالانفصال.

وكان ميلوراد دوديك، الذي هيمن لسنوات على المشهد السياسي في جمهورية صرب البوسنة، في قلب هذا الصراع مع مؤسسات الدولة المركزية والممثل الأعلى في البوسنة والهرسك.

وفي عام 2023، وقع دوديك قانونين أقرتهما الجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة، أحدهما يتعلق بعدم تطبيق قرارات المحكمة الدستورية للبوسنة والهرسك، والآخر يستهدف قرارات الممثل الأعلى من خلال رفض نشرها في الجريدة الرسمية للكيان.

وأثارت تلك الخطوات صراعا دستوريا وسياسيا واسعا، وأبقت قضية صلاحيات الدولة المركزية ومستقبل جمهورية صرب البوسنة في صدارة الملفات التي تهدد الاستقرار السياسي.

انتخابات لتغيير الواقع

وبينما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، تبدو التوقعات الشعبية أكثر ارتباطا بتحسين الظروف اليومية من تغيير أسماء المسؤولين.

فالمواطنون يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية، فيما تستمر الهجرة وتتعقد عملية تشكيل الحكومات بسبب تعدد الأحزاب ومستويات الحكم.

وتكشف الانتخابات بذلك عن مفارقة واضحة؛ فالبوسنة والهرسك تمتلك نظاما انتخابيا متشعبا يسمح بتجديد المؤسسات، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحويل هذا التجديد إلى تغيير سياسي واقتصادي ملموس.

ويرى مراقبون أن قدرة الحكومة المقبلة على معالجة الانقسامات الداخلية، وتحسين الاقتصاد والحد من هجرة الشباب، إلى جانب التعامل مع ملف العلاقات الأوروبية والتوترات بين مؤسسات الدولة وقيادة جمهورية صرب البوسنة، ستكون عوامل أساسية في تحديد ما إذا كانت الانتخابات ستقود إلى مرحلة مختلفة أم ستعيد إنتاج المشهد السياسي نفسه.

وبذلك لا يختبر الناخبون في 4 أكتوبر أسماء المرشحين فقط، وإنما يختبرون أيضا قدرة النظام السياسي المعقد على الاستجابة لمطالب مجتمع أنهكته ثلاثة عقود من الانقسامات، ولا يزال يبحث عن طريق نحو دولة أكثر استقرارا ومؤسسات أكثر فاعلية ومستقبل أقل ارتباطا بإرث الحرب..

اترك تعليقا